متطلبات تحقیق الوحدة الاسلامیة

وفی مواجهة تلک التحدیات لابد من تنفیذ متطلبات الوحدة وهی:

أولاً: العقیدة الاسلامیة، وهی عقیدة التوحید التی نؤمن فیها بالله رباً وبالإسلام دیناً وبسیدنا محمد(ص) نبیا ورسولاً، ونؤمن فیها بالله وملائکته وکتبه ورسله والیوم الآخر والقدر خیره وشره.ویتطابق الإیمان مع العمل.

والتمسک بالإسلام عقیدة یستوجب التمسک به تشریعاً ومعاملة وسلوکاً وأخلاقاً.

والتمسک بالعقیدة، عقیدة التوحید یجعل من الأمة وحدة واحدة، لا تختلف ولا تتفرق، بل تعتصم بحبل ربها، کما قال جل شأنه: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعاً وَلا تَفَرَّقُوا(([29]).

والتمسک بعقیدة التوحید یجمع الناس ویوحدهم، فلا یخرج أحد عن الطاعة، ولا یفارق الجماعة. قال(ص): «من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات میتة الجاهلیة» رواه البخاری.

ثانیاً: أن نتمسک بالقرآن والسنة، وأن نعمل على تطبیق ما جاء به الإسلام من هدایة ومنهج ربانی یهدی إلى أقوم السبل.

وقد أدرک أعداؤنا أهمیة القرآن الکریم فی توحید الأمة وفی إمدادها بالقوة الإیمانیة الکبرى وأدرکوا ما یمثله القرآن من خطر علیهم فقال «غلادستون» وزیر بریطانیا الأول وکبیر أعمدة الاستعمار فی الشرق الأوسط: مادام هذا القرآن موجوداً فلن تستطیع أوربا السیطرة على الشرق بل ولا أن تکون هی نفسها فی مأمن.

وقال «سیمون»: «إن الوحدة الإسلامیة التی تجمع آمال الشعوب السمر، وتعبر عن أمانیهم هی التی تساعدهم على رفض السیطرة الأوربیة والتخلص منها».

ومن الممکن أن تقوم السوق الإسلامیة على التبادل التجاری فی الموارد الاقتصادیة التی أنعم الله تعالى بها على الدول الإسلامیة زراعیة ومعدنیة وبترولیة وحیوانیة، وهی موارد لو تم التنسیق بین دولنا الإسلامیة لأقامت بها أعظم سوق إسلامیة مشترکة.

ولا یصح أن یقف التخلف أو الفقر عائقین دون قیام التکامل الاقتصادی، فإن الموقع الاستراتیجی الذی تتمتع به الدول الإسلامیة والموارد الاقتصادیة – طیعیة کانت أو بشریة – من أکبر العوامل للنهوض بقیام هذا التکامل الاقتصادی الذی یعتبر حجر الأساس فی بناء التضامن الإسلامی القوی، ولابد من أن تحرص الدول الإسلامیة على قیام هذا التکامل متخذة طریقها على هذا الهدف فی أمرین:

الأول: التغلب على العقبات التی تعترضها والتحدیات التی تقف فی طریقها.

الثانی: العمل الجاد والدؤوب على النهوض بالتعاون الاقتصادی فیما بینها.

ثالثاً: لابد من تکوین وحدة إسلامیة بین جمیع المسلمین.

وحین یکون للمسلمین – على الأقل – موقف إسلامی موحد، فإنه لن یکون لتلک التحدیات سبیل علینا، بل تصبح الأمة الإسلامیة أکبر الدول والأمم وأقواها وأعزها.

إن هذه الوحدة المنشودة هی التی دعا إلیها الاسلام وأکد الدعوة إلیها: )یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ) ([30]).

ودعا الرسول صلوات الله وسلامه علیه إلى توحید المسلمین وتعاون بعضهم مع بعض فقال صلوات الله وسلامه علیه:«المؤمن للمؤمن کالبنیان یشد بعضه بعضاً ثم شبک أصابعه» رواه البخاری.

وإن على المجتمعات والدول الإسلامیة أن توحد موقفها وتتعاون فی مواجهة التحدیات العالمیة، وعلى جمیع الدول الإسلامیة أن تمد ید العون لکل البلاد المحتاجة والفقیرة وتساعد الأقلیات وتخلصها مما یدبره لها أعداء الإسلام، حتى لا یکون لتیار الفساد والشر سبیل علیها.

رابعاً: أن نعمل على التقریب بین المذاهب، وأن نتعاون فیما اتفقنا علیه فی المسائل الفقهیة، وأن یعذربعضنا بعضاً فیما اختلفنا فیه.

خامساً: أن نتعاون فی إعداد العدة لتقویة کیان الأمة الإسلامیة وهیبتها، قال الله تعلى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (([31]).بحیث یتم التکامل بین الدول الإسلامیة فی عناصر القوة بما تمتلکه کل دولة وبما تتمیز به.

سادساً: أن تنأى الأمة عن إثارة العصبیات القبلیة والجنسیة والمذهبیة التی تقضی على تماسک الأمة ووحدتها، والتی هی من أهم أسباب الفرقة والاختلاف، وعلى الأمة أن تتقارب فی فکرها وفی دعوتها، لأن الدین واحد، والرب واحد لا شریک له.

سابعاً: تنقیة المجتمعات الاسلامیة من البدع والخرافات، والاتجاهات التی من شأنها تفریق الأمة والعمل على إتاحة الفرصة لأعداء الإسلام أن یزعموا أن الإسلام أدیان متعددة تختلف باختلاف البلاد والمذاهب والآراء والأفکار.

ولا شک أن علاج هذه العلل سیثمر نقاء القلوب وصفاء العقول وشفاء لما فی الصدور، فقد اصطفى الله لنا الدین، واختار المنهج القویم، کما قال الله تعالى: )ِانَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَکُمُ الدِّینَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(([32]).

ثامناً: أن یشکل مجلس عالمی إسلامی من علماء المسلمین بحیث تمثل فیه کل الدول الإسلامیة، ویجتمعون ولو مرة فی کل عام، على أن یکون التواصل بینهم مستمراً لدعوة الشعوب والحکومات وسائر الدول والمنظمات إلى تکریس الجهود لقیام الوحدة الاسلامیة وإعلاء بنائها ووضع الضوابط التی تکفل قیامها وقوتها.

ویوم أن تتحد بلاد العالم الإسلامی وتتوحد على هدف منشود تحقق به خیریتها، وتنصر دینها، یومذاک ینصرها الله نصراً مؤزراً ویمکن لها فی الأرض لتقیم شریعة الله فی الأرض، مؤکدة صلتها به، ومقویة روابطها بالمجتمع، ومدافعة عن دین ربها، آمرة بالمعروف وناهیة عن المنکر: ) وَلَیَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ یَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ، الَّذِینَ إِنْ مَکَّنَّاهُمْ فِی الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّکَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْکَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(([33]).

وحدة الأمة الاسلامیة فی السنة النبویة

لقد دعا الإسلام إلى وحدة الأمة الإسلامیة، واتضح لنا فیما سبق أن دعوة القرآن الکریم لقیام هذه الوحدة کانت قویة واضحة ومؤکدة.

وقد فصلت السنة النبویة المطهرة ما دعا إلیه القرآن، ووضحت تأکید الدعوة إلیها وأهمیة قیامها. وکان بیان السنة فی الجانب العملی، وفی الجانب التوجیهی.

فأما الجانب العملی فمنذ أول یوم تحمل فیه الرسول (ص) أعباء الدعوة وهو یقوم بجمع الناس حوله، فدعاهم إلى الإسلام، وجمعهم وهم فی بدایة الأمر قلة إلى أن کثروا، فکان یجتمع بهم فی دار الأرقم إلى أن شاء الله تعالى أن یهاجر، وأن تنهض الدولة الإسلامیة، فأقامها على الأسس التی توحدها: بدءاً بالمسجد ثم بالمؤاخاة بین المهاجرین والأنصار، وهی التی أقامت فی المسلمین أعظم اتحاد، وأکبر صورة من صور التعاون واجتماع الکلمة، ثم المعاهدة التی عاهد فیها جمیع سکان المدینة، وشرط لهم وشرط علیهم.

ومن الجانب العملی للوحدة؛ العبادات من صلاة وزکاة وصیام وحج.

وأما الجانب التوجیهی؛ فقد دعا الرسول (ص) إلى لزوم جماعة المسلمین، ففی الحدیث: «ثلاث لا یغل علیهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمین، ولزوم جماعهتم، فإن دعاءهم یحیط من ورائهم» رواه البزار.

وتؤکد توجیهات الرسول(ص) على أن اتحاد المسلمین فیه قوتهم وعزتهم وبعدهم عن أی عدو، وبعدهم عن الشیطان. عن سعید بن المسیب(رض) قال: قال رسول الله (ص): «الشیطان یهم بالواحد والاثنین، فإذا کانوا ثلاثة لم یهم بهم» رواه مالک.

ویحذر الرسول(ص) من دعاة الفتنة ومن یحاول أعداء الإسلام أن یجندوه لإحداث شروخ فی الأمة وتفریقها، فیقول الرسول صلوات الله وسلامه علیه: «ستکون هنات وهنات، فمن أراد أن یفرق أمر هذه الأمة وهی جمیع، فاضربوه بالسیف کائناً من کان» رواه مسلم.

ویؤکد الرسول(ص) على التحذیر من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة فیقوله: «من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات میتة جاهلیة» رواه البخاری.

بل إنه علیه الصلاة والسلام یبرأ ممن یخرج على الأمة یضرب برها وفاجرها «من خرج على أمتی یضرب برها وفاجرها، لا یتحاشى من مؤمنها، ولا یفی بعهد ذی عهدها؛ فلیس منی ولست منه». رواه مسلم.

ویضرب مثلاً للمؤمنین فی توادهم بالجسد الواحد، حتى یدرکوا أهمیة اتحادهم فیقول(ص): «مثل المؤمنین فی توادهم وتعاطفهم وتراحمهم کمثل الجسد، إذا اشتکى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» رواه البخاری.

ویؤکد قوة الأمة باتحادها، وأنهم یصبحون کالبنیان المرصوص یشد بعضه بعضاً، فقال(ص): «المؤمن للمؤمن کالبنیان یشد بعضه بعضا» رواه البخاری.

لزوم جماعة المسلمین

إن الأمان والاستقرار فی لزوم جماعة المسلمین، وإن الخوف وعدم الاطمئنان فی اتباع الفرق والجماعات، وتک الخلافات تنخر فی جسد الأمة، ولقد کان توجیه السنة فی هذا واضحاً حتى فی أحلک الأوقات وفی زمان الفتن.

عن حذیفة بن الیمان(رض) قال: کان الناس یسألون رسول الله(ص) عن الخیر، وکنت أسأله عن الشر مخافة أن یدرکنی، فقلت: یا رسول الله إنا کنا فی جاهلیة وشر فجاءنا الله بهذا الخیر، فهل بعد هذا الخیر من شر؟ قال: «نعم».

قلت: وهل بعد ذلک الشر من خیر؟ قال: «نعم وفیه دَخَن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم یهدون بغیر هدیی، تعرف منهم وتنکر» قلت: فهل بعد ذلک الخیر من شر؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إلیها قذفوه فیها»، قلت: یا رسول الله صفهم لنا قال: «هم من جلدتنا ویتکلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرنی إن أدرکنی ذلک؟ قال: «تلزم جماعة المسلمین وإمامهم».

قلت: فإن لم یکن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلک الفرق کلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى یدرکک الموت وأنت على ذلک». رواه البخاری.

التحذیر من اتباع سنن من قبلنا

نهى الرسول(ص) عن التقلید الأعمى، ودعا إلى استقلال الشخصیة الإسلامیة، فلا تفتح الأبواب للأهواء المشبوهة، والضلالات السافرة، ووضح خطورة اتباع الغیر بما رواه البخاری عن أبی هریرة(رض) عن النبی(ص) قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتی بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع»، فقیل: یا رسول الله کفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا اولئک» رواه البخاری.

ویوضح صلوات الله وسلامه علیه ما یؤول إلیه حال الأمة فی اتباع الغیر، حتى لو ساروا فی المهالک والمخاطر لسارت الأمة کذلک.

عن أبی سعید الخدری (رض) عن النبی(ص) قال: «لتتبعن سنن من کان قبلکم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» قلنا: یا رسول الله الیهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» رواه البخاری.

الاتحاد على أساس دین الله

أکدت السنة المطهرة على أن یکون أساس اتحاد الأمة الإسلامیة هو الدین والکتاب والسنة، عن أبی هریرة(رض) قال: قال رسول الله (ص): «إن الله تعالى یرضى لکم ثلاثاً، فیرضى لکم أن تعبدوه، ولا تشرکوا به شیئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمرکم، ویکره لکم قیل وقال، إضاعة المال، وکثرة السؤال».

الهوامش :

[29]- آل عمران:103.

[30]- الحجرات:13.

[31]- لأنفال:60.

[32]- البقرة:132.

[33]- الحج:40-41.

مصدر : رسالة التقریب 54

http://ar.rasekhoon.net/

 


more post like this