مركز البحوث والدراسات لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية
المقدمة
لا ريب أنّ البحث في مسألة الاجتهاد والتقليد، من أهم الأبحاث الّتي يجب التداول فيها بين علماء المذاهب الإسلاميّة; وذلك لأهميّة الاجتهاد من نواح ثلاث:

الاولى: تحقيق مصداقيّة خلود الإسلام وعالميّته: إنّ الإسلام دين الخلود والبقاء على مرّ الزمن، ولم يكن الإسلام هكذا إلاّ بما فيه من المرونة الّتي تتلاءم مع تغير وتبدّل الظروف ومقتضيات الزمن. ومعلوم أنّ هذه المرونة سوف تفقد حيويّتها ودورها إذا لم يكن باب الاجتهاد مفتوحاً، حيث إنّ عمليّة الاجتهاد تؤدي إلى كشف مواطن هذه المرونة، والاستفادة منها لاستنباط الأحكام الشرعيّة لاسيّما المستجدة منها.
الثانية: تأثير البحث في الاجتهاد على سائر البحوث سعةً وضيقاً: يعتبر الاجتهاد مفتاحاً للدخول في البحوث الأخرى، وكنتيجة لهذا فالبحث فيه وتطبيقه عمليّاً بسعة او ضيق سوف يؤثّر تأثيراً جذريّاً على المسائل الفقهيّة بل الأصوليّة.
الثالثة: إن جرأة العلماء على القيام بالبحث الحرّ في مسألة الاجتهاد وقبول تغيير الرأي فيها، اكثر بكثير منها في البحث عن سائر المسائل. وليس ذلك إلاّ لأنّ عمليّة الاجتهاد تعتبر منهجاً لكشف الأحكام. ومعلوم أنّ المنهج من جانب يكون البحث عن الكثير من عناصره بحثا نظرياً بحتاً، وبديهيّ أنّ الجرأة في المسائل النظريّة البحتة اكثر من غيرها، ومن جانب آخر إنّ الباحث بما أنّه يعرف ولو بصورة اجماليّة أنّ الخطأ في المنهج سوف يفتح امامه الأبواب إلى اخطاء كثيرة في مجالات الاحكام، تأخذه في البحث عن المنهج واختيار نوعه حساسيّة شديدة، وهذه الحساسيّة تودّي به إلى الجرأة في البحث.
ولذلك نرى أنّ العلماء قد اثبتوا من خلال ابحاثهم حول الاجتهاد، أنّهم في هذه المسألة اكثر استعدادا لقبول التغيير، ولقد كان الشيخ شلتوت يبدي آراء بديعة في هذا المجال، فهو مثلاً يقول: (نريد تخريج ائمة في اللغة وفروعها، وائمة في الفقه واصوله. نريده تخريجاً اساسه النظر العميق والاجتهاد العملي الّذي يكوّن الشخصيّة الفقهيّة، والشخصيّة اللغويّة العربيّة، لا نريده تخريجاً نلتزم فيه مخلفات الماضي من آراء ومذاهب، بل يجب أن نجتهد وأن نؤمن بأنّ حاجة اليوم في الفقه واللغة وعقائد الدين غيرها بالأمس، وأن نؤمن بأنّ فضل الله في كلّ ذلك لم يكن وقفا على الاولين)(١).
ولا يخفى أن توفر عنصر الجرأة على ابداء الرأي في هذه المسألة جعلها اوسع ميدان للتقريب.

http://uofislam.net


(١) رسالة الاسلام ١٤: ٢١٥.

more post like this