تعتبر الأسرة بمثابة (نواة) للمجتمع الذي نحيى فيه , إذ أنها أصغر (وحدة) اجتماعية تمارس دورها بين الوحدات الاجتماعية الأخرى ، ولئن كانت الأسرة أصغر الوحدات الاجتماعية حجما فما هي بأصغرها معنى ولا بأقلها أهمية ، فهي الأساس والقاعدة الصلبة التي تتولى النشأة الأولى للأولاد ، وتقوم بتربيتهم وتعليمهم وإعدادهم كيما يضطلعوا بالمسؤوليات التي تقع على عاتقهم مستقبلا .

وليست الأسرة سوى (مؤسسة إنسانية) تقوم على أكتاف شخصين هما الرجل والمرأة ، وهذه المؤسسة بشبع رغبات ملحة في ذات كل منهما , وهي : رغبة الجنس ورغبة الأدارة ورغبة التربية ورغبة الأمومة ورغبة الأبوة ، وهي تدفع كل فرد من أفرادها إلى القيام بواجباته دون إرغام , بعد أن تشبع فيهم كافة الرغبات الإنسانية , فيقوم الأبوان فيها بتدريس أصول الحياة وكيفية العشرة , لأفراد المجتمع ورجال المستقبل , وهم الأولاد .

وما من نظام يستطيع أن يلغي الأسرة بشكل نهائي ؛ لأن أي نظام عاجز عن مقاومة الرغبات التي تشبعها الأسرة , وهي رغبات متأصلة في أعماق كل إنسان ، ولهذا فإن الأنظمة التي ألغت الأسرة عادت فأوجدتها على شكل أوسع .

فالنظام الشيوعي مثلا ألغى الأسرة التي تتألف من رجل و امرأة و أولاد , ولكنه أقام المزارع الجماعية (1) ، التي تتكون من عدة رجال ، و عدة نساء ، و عدة أولاد ، هذه المزارع عاجز عن حل مشكلاتها – على عكس الخلية الحية التي تقوم بإتماء نفسها وحل مشكلاتها بلا تدخل أجنبي – , فكانت بحاجة إلى تدخل الدولة لحل تلك المشكلات , والمزارع الجماعية ذات مفعول رجعي ، بينما نجد أن الأسرة ترتفع بالإنسان إلى مستواه كإنسان ـ ذي حياة منتظمة ـ .

أما النظم الغربية فإنها لم تقدم على إلغاء الأسرة عن سابق تخطيط , وإن ما قدمته هذه النظم كبديل للأسرة لم يكن إلا الانحلال , والميوعة التي أسفرت عنها حركات الهيبيز والبيتلز والبانك.. الخ (2) ، ويعرّف علم الاجتماع الأسرة بأنها رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما , وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب , على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة (3) .

ويرى الباحث علي عبد الواحد وافي في كتابه الأسرة والمجتمع : أن الزواج الذي لا تصحبه ذرية لا يكون أسرة (4) ، إن الأسرة هي إحدى العوامل الأساسية في بيان الكيان التربوي ، وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي ، وتشكيل شخصية الطفل , واكتسابه العادات التي تبقى ملازمة له طول حياته , فهي البذرة الأولى في تكوين النمو الفردي وبناء الشخصية (5) ، وفي تقويم أسلوك الفردي , وبعث الحياة والطمأنينة في نفس الطفل , فمنها يتعلم اللغة ويكتسب القيم الحميد ، وإليها يعود الفضل في تعلم الإنسان لأصول الاجتماع , وقواعد الآداب والأخلاق .

واجبات الأسرة ووظائفها:
تضطلع الأسرة بمسؤوليات أساسية على جانب كبير من الأهمية , وإن أدنى تقصير في أداء هذه المسؤوليات ليؤدي ـ ولا شك ـ إلى حدوث خلل اجتماعي وإنساني ، والى عواقب وخيمة تدفع ثمنه الأجيال المتعاقبة ، وإلى تفشي الجريمة والإدمان على المخدرات.. ، ولا يحسبن أحد أن مسألة الإنجاب أمر ذو أهمية ثانوية , فهو الوسيلة التي تحفظ النوع البشري من الانقراظ ، وهو الذي يرفد المجتمع الدماء الشابة , وقد أدى انخفاض الإنجاب في بعض البلدان الصناعية الكبرى ؛ إلى نشوء مخاوف جدية من أن تصبح بعض هذه البلدان ـ في بحر عقدين أو ثلاثة من الزمن ـ أمة هرمة ، تفتقر إلى عدد كاف من الشباب ، وهو الأمر الذي يهدد عجلة الصناعة والاقتصاد والبحث العلمي والإدارة والإنتاج بالتوقف (6) ، ولا بد للعائلة من الإشراف الكامل على تربية أطفالها : فـ الأسرة مسؤولة عن عملية التنشئة الاجتماعية التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها ، في صورة تؤهله فيما بعد لمزيد من الاكتساب , وتمكنه من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع ) (7) .

وإن حرمان الطفل من أبيه ـ مؤقتا أو بصورة دائمة ـ ؛ يثير فيه كآبة وقلقا مقرونين بشعور الإثم والضغينة , ومزاجا عاتيا متمردا , وخوارا في النفس ، وفقدانا لحسن العطف العائلي .. ، وقد لوحظ في معاهد الأطفال أنه إذا كانت صحة الطفل البدنية , ونموه العضلي , وضبط دوافعه الإرادية تتفتح وتزدهر بصورة متناسقة في تلك المعاهد , فإن انفصاله عن والديه قد يؤدي من جهة أخرى إلى ظهور بعض المعايب كصعوبة النطق , وتمكن العادات السيئة منه , وصعوبة نمو حسه العاطفي (8) .

أما الواجبات الأخرى للأسرة فهي :
1ـ إعداد الأولاد للمشاركة في حياة المجتمع والتعرف على قيمه وعاداته .
2ـ إمدادهم بالوسائل التي تهيء لهم دواتهم داخل المجتمع .
3ـ توفير الاستقرار والأمن والحماية والحنو على الأطفال ، ففي الدين يجد الشباب الأمان والاطمئنان والسلامة النفسية في الحاضر والمستقبل ، وعلينا أن نعلم بأننا سوف نخسر أنفسنا عندما ننكر تراثنا وشخصيتنا الإسلامية ، أو نبتعد عنها ، بدلا من أن نحاول إثباتها (9) ، فالدين إحدى الدعامات الرئيسية التي يرتكز عليها الكيان النفسي لأي إنسان , وهذه الدعامة التي تقية من الهزات ، التي قد تعترية في صراعه مع ظروف الحياة المتقلبة (10) ، هذا فضلا عن أنه يمنحه قناعة ورضا بما قسم الله تعالى له من رزق وصحة , وقد أرسى الإسلام الحنيف نظام الأسرة على أسس راسخة ، تستجيب لمتطلبات الحياة وتتواءم مع حاجات الناس وسلوكهم ، وقد شاء الله تعالى أن تقوم الزوجية ـ وهي أس الحياة العائلية ونواتها الأولى ـ على أساس من المودة والرحمة ، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً )) [الروم/ 21] .

قال الراغب : يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة : زوج , ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج , قال تعالى : (( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى )) [القيامة : 39] ، وقال (( َزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )) وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات ـ إلى أن قال ـ وجمع الزوج أزواج .
فقوله : (( أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا )) [الروم : 21] ، أي خلق لأجلكم ـ أو لينفعكم ـ من جنسكم ، فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الأخر , ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر , حتى إذا اتصل سكن إليه ، لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله ، وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره , وهذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين .
وقوله: (( وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً )) [الروم : 21] ، المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل ، فنسبة المودة الحب ؛ كنسبة الخضوع الطاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع ، الذي هو تأثر نفساني عن العظمة والكبرياء , والرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال وحاجته إلى رفع نقيصته ، يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه .

ومن أجل موارد المودة والرحمة المجتمع المنزلي , فإن الزوجين يتلازمان بالمودة والمحبة وهما معا ـ وخاصة الزوجة ـ يرحمان الصغار من الأولاد في حفظهم وحراستهم وتغذيتهم وكسوتهم وإيوائهم وتربيتهم , ولولا هذه الرحمة لا نقطع النسل ، ولم يعش النوع قط .

ويحرص الإسلام كل الحرص على أن يجعل الأسرة المسلمة نموذجا رفيعا ، ومثالا يحتذى به بما يمثله من عناصر الريادة والقيادة الصالحة في المجتمع الإنساني , قال سبحانه وتعلى في وصف عباده الصالحين : (( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً )) [الفرقان : 74] ، ومرادهم بكون أزواجهم وذرياتهم قرة أعين لهم , أن يسروهم بطاعة الله والتجنب عن معصيته , فلا حاجة لهم في غير ذلك ولا إربة , وهم أهل حق لا يتبعون الهوى ، وقوله : (( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً )) أي متسابقين إلى الخيرات ، سابقين إلى رحمتك ، فيتبعنا غيرنا من المتقين , وكأن المراد أن يكونوا صفا واحدا متقدما على غيرهم من المتقين ، ولذا جيء بالإمام بلفظ الأفراد .

وهكذا نجد أن نظام الأسرة الذي شرعه الإسلام مبني على أساس الحرص الشديد على تأمين السعادة للأسرة ، وعلى تمتين أسس تماسكها وترابطها من الناحية النفسية والاجتماعية والجسدية ؛ كيما ينعم كل فرد من أفرادها بالحب والحنان والدعة والاستقرار والتفاهم والتكافل .

والدولة الإسلامية مكلفة أن تعني أعظم العناية بإنشاء الأسر وحياطتها ، وتوفير ضمانات الاستقرار لها , وتعالج ما تلده الظروف الاقتصادية والثقافية والسياسية من آثار تمسها , نعم هي مسؤولة عن ذلك ، مسؤوليتها عن التموين والتعليم والدفاع وما أشبه هذه الأغراض التي لا يمكن تركها للأفراد ، لأنها من صميم عمل الدولة (11) .

 

د. محمد مهدي الصدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ وهي على نوعين : مزارع حكومية وتدعى كولخوز ، ومزارع أهلية وتدعى سوفخوز .
2ـ انظر كتاب السيد هادي المدرسي : كيف تسعد الحياة الزوجية ـ مؤسسة الوفاء , بيروت1403 , ص12ـ16.
3ـ علم الاجتماع ـ محمد عاطف .
4ـ ص15ـ16.
5ـ النظام التربوي في الإسلام ـ باقر شريف القرشي ـ دار التعارف ـ بيروت 1403 ص64ـ65 .
6ـ تدهور نسبة الإنجاب في فرنسا ـ مثلا ـ إلى 1.7 طفل للعائلة الواحدة ، وما تزال هذه النسبة مستمرة في ا لانخفاض , علما بأن الحد الادنى الضروري لا يقل عن نسبة 3 أطفال للعائلة الواحدة .
7ـ علم الاجتماع ـ ص48.
8ـ اثر الأسرة والمجتمع في الأحداث الذين هم دون الثالثة عشرة ـ اليونسكو ـ ص37 .
9ـ إسلام امرأة : ص8 .
10ـ الشاب من الطفولة إلى الزواج إعداد محمد رفعت ، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ـ بيروت 1403. ص201.
11ـ حقوق الإنسان ـ محمد الغزالي : ص115ـ116 .


more post like this