أُلقيت في الحرم الحيدري الشريف عند الرواق في مؤتمر الإعجاز القرآني في النجف الأشرف ليلة : 23 / رمضان / 1410 هـ ـ 18 / نيسان / 1990 بحضور وفود

علماء العرب والإسلام وبحشد حافل من علماء وأُدباء النجف الأشرف ، وقد حصل البحث على التقييم الأوّل ونشر في وقائع المؤتمر ، وأردف البحث بمحاضرة مرتجلة استمرّت زهاء الساعة عن ( إنسانيّة القرآن ) ، أُلقيت في الندوة العلمية لآل محي الدين في النجف الأشرف مساء يوم : 15 / رمضان 1417 هـ ـ الموافق : 25 / 1 / 1997 م .

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الإعجاز بمفهوم بديهي : عبارة عن خرق لنواميس الكون ، وتغيير في قوانين الطبيعة ، وقلب للنظام الثابت في الموازين إلى نظام متحوّل جديد .

فالثابت هو الأصل الجاري على سنن الحياة ، والمتحوّل هو الحالة المغايرة لأنظمة المعادلات الكونية المتكافئة . هناك إذن مَعْلَمان : معلم طبيعي بسيط ، ومعلم خارق معقّد ، والمعلم الطبيعي : لا تجد عنه متحوّلاً ، فهو سنّة الله في الإبداع ، والمعلم الخارق : ما تجد فيه قلباً لتلك السنن ، ومجابهة لمجريات الأحداث الرتيبة ، بأخرى إعجازية . فزوجية الكائنات هي الأصل في بعث حقائق الأشياء ، والطريق إلى تسيير حياة الكائنات في العوالم المرئيّة والمسموعة والمدركة والمتخيّلة بدليل قوله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) (1) .

وفي هذا الضوء يكون الإيجاد الطبيعي للإنسان منسجماً مع نظام الزوجية العام في حالة متأصّلة اعتيادية ، ويكون الأصل التكويني للبشرية في خلْق آدم من التراب دون الطريق الطبيعي في التناسل هو الحالة الفريدة ، وهي الإعجاز ، ويحمل عليها كلّما قابل العادة ، ولم يخضع إلى التجربة كما في إيجاد عيسى عليه السلام بما مثّله القرآن : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (2) .

وليس السَبْق في العلم إعجاز ، بل هو من مفردات اكتشاف المجهول ، وتحقيق الزيادة في أوّلية الاستقراء والاستنباط ، إذ قد يتوصّل الكثيرون إلى ذلك فيما بعد بنظام أفضل ، ومواصفات متكاملة ، فيكون الرائد في الاكتشاف أو الاختراع قد سبق الآخرين وحقّق ما لم يحقّقوه دون إعجاز كما هي الحال في التقنيات الحديثة ، وإنّما الإعجاز هي التفرّد بالشيء في محور إلهي على يد الأنبياء بين يدي رسالاتهم على سبيل التحدّي ، فالسبق إلى الاكتشاف كيفية مشتركة بين فرد أو جماعات على نحو الابتكار ، لا على سبيل التحدّي ، والمعجزة مختصّة بالنبي على سبيله ، فالمبتكر ـ إذن ـ يحقّق سَبْقاً علميّاً ، والمتحدّي يحقّق إعجازاً إلهياً ، وفرْق بين الأمرين .

والمعجزة الإلهيّة في هذا الملحظ على نوعين : وقتية ودائمية ، وجميع معاجز الأنبياء وقتيّة ـ كما يدلّ عليه الاستقراء ـ ذهبت بذهابهم ، إلاّ معجزة محمّد ـ وهي القرآن ـ فإنّها باقية ما بقي الدهر ؛ على أنّ النبي قد شارك سائر الأنبياء في معاجزهم الموقوتة ، فكان له انشقاق القمر وتسبيح الحصى ، وسعْي الأشجار ، وشهادة الغيب .. الخ .

ومعجزة كل نبي شيء ورسالته شيء آخر ، فمعجزة موسى عليه السلام في العصا واليد البيضاء والآيات البيّنات ، ولكنّ رسالته هي التوراة ، ومعجزة عيسى في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى ، ولكنّ رسالته هي الإنجيل ، إلاّ نبيّنا محمّد فإنّ معجزته عين رسالته ، ورسالته هي معجزته ، وهما معاً القرآن (3) .

وبراعة الإعجاز تتجلّى في ملائمة قضيّة الإعجاز لكلّ نبي بما يلائم عصره ، وينسجم مع فنون جِيْلِهِ ، ويُعزى إلى حياة قومه فيما هو طبيعي أو خارق دون تحدٍّ .

وكان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أوّل مَن نبّه إلى هذه الحقيقة العالية فيما رواه ابن السكّيت ( ت : 244 هـ ) قال ابن السكّيت للإمام الرضا عليه السلام : لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء ، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم بالكلام والخطب ؟ فقال الإمام الرضا : ( إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجّة عليهم ، وأنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيا به الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجّة عليهم .

وأنّ الله بعث محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنه قال : الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم ) . قال : فقال ابن السكّيت : تالله ما رأيت مثلك قط ، فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ فقال عليه السلام : ( العقل يُعرف به الصادق على الله فيصدّقه والكاذب على الله فيكذّبه ) . فقال ابن السكيت : هذا والله هو الجواب (4) .

ولم يكن الأنبياء ليستعملوا الطريق الطبيعي في المعجز ، وإنّما كانوا يتحدّون هذا الطريق ، فموسى تحدّى سحر السحرة ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (5) فكان اعترافهم بصحّة دعوى موسى دليلاً على إعجازه ؛ لأنّ ما جاء به ليس من سنخ ما يعرفون .

وعيسى لم يستعمل مضادّات الأمراض ، وإعطاء الدواء ، فيحقّق سَبْقاً طبّياً ، وإنّما كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله دون وسائل الأطبّاء ، والرسول الأعظم لم يصكّ العرب ببلاغة القرآن ؛ إلاّ لأنّهم أئمّة البلاغة وأرباب البيان ، ولكنّه مِن الله : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (6) .

فكلّه مِن عند الله ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وُحْىٌ يُوحَى ) (7) .

قال الجاحظ ( ت : 255 هـ ) : ( ولأنّ رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة ، لتبيّن له في نظامها ومخرجها ، وفي لفظها وطبعها أنّه عاجز عن مثلها ، ولو تحدّى بها أبلغ العرب لظهر عجْزه عنها ) (8) .

فعبارة القرآن إذن من سنخ ما يعرفون ويدركون ، ولكنّها ليس من جنس ما يحسنون لا كمّاً ولا كيفاً ، فطلب إليهم الإتيان بمثله فما استطاعوا ، وتنزّل على عشر سورة فما أطاقوا ، فتحدّاهم بسورة واحدة فقال : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (9) ، وقد دلّ الاستقراء أنّ أقصر سور القرآن هي الكوثر : بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (10) .

فما بال الأمم لا تأتي بسطر واحد من هذا الجنس ؟ وإذا كان القرآن قد أعجز العرب ، فغير العرب أشدّ عجزاً ؛ لأمرين :

الأوّل : أنّ العرب هم أهل اللسان ، وقد عجزوا عن مجاراة القرآن ، فغير أهل اللسان عاجزون من باب أولى .

الثاني : أنّ اللغة العربية الشريفة ليست لغزاً من الألغاز ، وهي قابلة للتعلّم ، وقد نبغ فيها كثير من مسلمي غير العرب ، وأتقنها جملة من المستعربين والمستشرقين حتى ترجموا القرآن إلى لغاتهم ، وقدّموا أفضل الدراسات القرآنية ، وإنّما التحدّي أو يتحدّى الإعجاز القرآني من كلّ أُمّة علماءها ، وعلماء الأمم يتمكّنون من العربيّة ، فتوجّه إليهم التحدّي وعجزوا عن ذلك في كل زمان ومكان .

(  قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (11) .

وقد يُقال بأنّ الله قد صرف قلوب الناس ، وحبس ألسنتهم عن أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن ، فيسمّى ذلك إعجازاً بالصرفة ، وهو رأي المعتزلة (12) .

ولكنّ الرأي الأمثل ، أنّ الله قد يسّر جميع القدرات البيانية ، ووهب مستلزمات البلاغة للناس وتحدّاهم ، فلم يتمكّنوا من الإتيان بمثل لهذا القرآن ، وذلك أبلغ في الإعجاز .

فما هي وجوه هذا الإعجاز في القرآن وما هي مظاهره ؟ أحاول فيما يلي أنْ أضع ملخّصاً بأبرز وجوه الإعجاز ومظاهره على نحو الإجمال .

1 ـ الإعجاز الغيبي : ويتمثّل بما تحدّث عنه القرآن الكريم بضرس قاطع في الأنباء عن الغيب الماضي والمستقبلي :

أ ـ عرض القرآن سيرة الأمم السالفة وجزئيّات أحداثها ، وكبريات أنبائها بلهجة الجزم واليقين ، فأخبر عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وذي القرنين وأهل الكهف ، وقوم عاد وثمود ولوط وشعيب ، وجمهرة عظيمة ممّن أصابهم عذاب الاستئصال بمجريات أحوالهم بما يعتبر كشفاً لأدقّ التفصيلات التاريخية بما لا علم لأحد به على وجه الكمال ، وهي حالة لا عهْد بها للمجتمع العربي في مكّة ، ممّا جعلهم يتهافتون على هذه الأخبار ، ويتمثّلون وقائعها بالمقياس التاريخي للإفادة من عبرها وأحداثها ومواردها .

ب ـ وتحدّث القرآن عن الأحداث المستقبلية بلغة التأكيد بعدّة مناسبات ، أبرزها : وقعة بدر : ( سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (13) ، وغلبة الروم وانتصارها فيما بعد : ( الم * غُلِبَتِ الرُّومَ * فِي أَدنَى الأَرضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ ) (14) .

وعن فتح مكّة : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) (15) ، وهزمت قريش بعليائها وجبروتها في معركة بدر الكبرى ، وانتصر الروم على الفرس بعد سنين من غلبة الفرس (16) ، ودخل النبي مكّة فاتِحاً ، وقد كان فتح مكّة غير وارد في الحساب التخطيطي ، إذ كيف يمكن لهذا المهاجر مع طائفة قليلة من أهل بيته وأصحابه ـ وهو ضعيف مستضعف ـ أنْ يقتحم جبروت قريش ويغزوها في عقر دارها ، وكان ذلك دليلاً واضحاً ومنتشراً في البلاد على الإعجاز الغيبي . .

2 ـ الإعجاز التشريعي : ويتمثّل بما فصّله القرآن بآيات الأحكام وفقه القرآن بما لا عهْد لمناخ الجزيرة بتفصيلاته الدقيقة ، فقد نظّم حياة الفرد والأُمّة بأحكام لا مزيد على إبرامها برباط الحرية دون فوضى وبريقة الامتثال دون استعباد ، فالأحوال الشخصيّة قد نُظّمت بأحكامها الجديدة في الزواج والطلاق والعدّة والنفقة والمواريث والوصايا والحدود والديات والجروح والقصاص والديون والعقود بما لم تسبق إليه أعرق الأمم تشريعاً ، وأعمقها تفقّهاً ، بل كانت مفردات حياة جديدة متأطّرة بإطار التطوير الإنساني ، ثمّ تكفّل القرآن ببيان فروض وواجبات وطقوس منظمة ضمن الحياة اليومية كالصلاة بفرائضها ونوافلها ، وفي جملة من الشهور كالصوم والحج والعمرة ، وفي خلال السنة كالزكاة والخمس في المحاصيل والغنائم .

إنّ هذه الأبعاد المترامية الأطراف في التشريع لا يمكن أنْ يصدر تعاليمها إلاّ خالق هذا الكون ومنظّم شؤونه ؛ إذ لم تَعرف الحضارة البشريّة هذا التفصيل الدقيق في نوعية الأحكام وجزئيّتها .

3 ـ الإعجاز العلمي : ونريد به ما أورده القرآن من نظريّات وقوانين توصّل إليها العلم الحديث فيما بعد في مسار الأرض وانشطار النجوم ، وتعدّد الأفلاك ، وإبعاد السماوات ، وزوجية الكائنات ، دون استعمال القرآن لقوانين الحس والتجربة والمعادلة وإنّما جاء ذلك ابتداء ، وما ورد فيه كان دون سابق معرفة بشرية بالحيثيّات المتناثرة فيه حتى ثبت أنّ القرآن لا يعارِض ما يتوصّل إليه العلم ، بل هو الأساس في ذلك فيما أفاده جملة من المتخصّصين ، ولا يُراد بهذا الإعجاز الاتّساع الفضفاض الذي يُخرِج بالقرآن عن مهمّته الأولى والأساسية ، فهو كتاب هداية وتشريع لا كتاب صناعة وتقنيّات ، مع دعوته للتفكّر والتدبّر في بدائع السماوات والأرض (17) .

4 ـ الإعجاز الصوتي : ويتمثّل في جزء منه في الحروف المقطّعة بفواتح بعض السور القرآنية ، فهي حالة فريدة من الاستعمال وقف عندها العرب موقف المتحيّر ، ولا سابق عهد لهم بأصدائها الصوتية ، ممّا قطعوا به أنّ هذه الأصوات المركّبة من جنس حروفهم هي نفسها التي تركّب منها القرآن ولكنْ لا يستطيعون أنْ يأتوا بمثله ، وهو ما أفردنا بعمل مستقل (18) .

5 ـ الإعجاز العددي : وقد وُفّق الأُستاذ عبد الرزّاق نوفل إلى استخراج الإعجاز العددي في القرآن ، في مقارنات سليمة ، وموازنات حسابية دقيقة ، فقد قام بعمليّات إحصائيّة لورود الألفاظ المتناظرة ، والمتقابلة ، والمتضادّة ، والمتناقضة ، وقابلها بعضها ببعض بالعدد نفسه ، أو نصيفه ، أو شطره ، أو ما يقاربه ، ممّا شكّل ثروة عدديّة تُنبِئ بالضرورة أنّ القرآن لم يستعملْها صدفة ، بل بميزان ، وذلك الميزان لا يمكن أنْ يكون من صُنع البشر ، فهو إذن من أدلّة إعجازه (19) .

6 ـ الإعجاز الاجتماعي : إنّ المتمرّس بتأريخ الجزيرة العربية ، في بدء الرسالة الإسلامية ليُبْهِر ـ حقّاً ـ بهذا التوحيد المفاجئ ، والتغيير الاجتماعي العاجل ، والتسخير لطاقات العرب في ظلّ القرآن حتّى جعل منهم أُمّة تَحمِل هذه الرسالة للأجيال ، فتتناسى حروبها وشحنائها ، وتضرب صفحاً عن عرقيّتها وعشائريّتها ، لتنتظم في ظلّ الإسلام ، وتهتدي بشعلة القرآن ، فيفتح الله على يديها شرق الأرض وغربها ، وتتسلّم مقاليد الإسلام بعد الوثنيّة ، وأوّليّة التوحيد بعد الإشراك ، وإذا بكيانها ينصهر بتعاليم القرآن فجأة ، وهو ما يحقّق الإعجاز الاجتماعي في جملة التغيير الجذري للأعراف والتقاليد والمخلّفات .

7 ـ الإعجاز البياني : ويتمثّل بالتركيبة الخاصّة المتميّزة لألفاظ القرآن ومعانيه ، وفي مجموعة العلاقات المجازية والاستعارية والتشبيهية والكنائية والرمزية والإيحائية بين المعاني والألفاظ ، وذلك السرّ الأكبر في إعجاز القرآن ، فالعرب أُمّة بيان ، ورجال بلاغة ، تطربهم الكلمة ، وتهزّهم الخطبة ، ويستهويهم الشعر ، وقد وقفوا عند بلاغة القرآن باهتين بما عبّر عنه الوليد : ( والله لقد سمعت من محمّد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمُغدِق ، وإنّه ليعلو ولا يُعْلَى عليه ، وما يقول هذا بشر ) (20) .

والحديث عن الإعجاز البياني مستفيض ينهض بعمل مثقل مستقل ، ويكفي في عظمته أنّ الإمام عليّاً عليه السلام من أوائل روّاده في الإفادة والاستفادة ، وأنّ ما ورد في نهج البلاغة كان امتداداً طبيعياً للإعجاز البياني في القرآن لتأثّر الإمام في القرآن ، وهذا المنهج مدين إلى علماء الإعجاز كعلي بن عيسى الرمّاني ( ت : 386 ) (21) ، وحمد بن سليمان الخطابي ( ت : 388 ) (22) ، والشريف الرضي ( ت : 406 ) (23) ، وعبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) (24) ، حتى تسلّمه جار الله الزمخشري ( ت : 538 هـ ) ، فجعل تفسيره الكشّاف مضماراً للإعجاز البياني ، وفتح فيه عمق دراسة جديدة في البلاغة القرآنية التطبيقية التي اعتمدت التسلسل المصحفي ، إذ فسّر القرآن كاملاً ناظراً فيه الوجوه البيانية ، ومستلهماً المناخ الفنّي حتى عاد تفسيره كنزاً بيانياً لا تنتهي فرائده ، وقد تجلّى فيه ما أضافه من دلالات جمالية في نظم المعاني ، وما بحثه من المعاني الثانوية في تقديم العبارة ، وعائدية الضمائر ومعنى المعنى ، وتعلّق البيان بعضه ببعض (25) .

إنّ الحضارة الإنسانية اليوم بحاجة إلى هذا المنهج في استجلاء جمال القرآن ، واستقراء خفايا مكنوناته ، أمّا التعدّي على مقام القرآن ووحدته الفنّية بالإيغال في النزاعات التقليدية ، والإصحار بمتاهات الخصومات ، فأمْر ترفضه عقلية المثقّف العصري ، وتلفظه روحية البحث الموضوعي ، وحسبك في كتب الكلام ومصنّفات الاحتجاج وصنوف المقالات غنيّة عن ذلك .

فإنّ صاحب هذا المنهج في القرن العشرين هو أستاذنا العلاّمة الشيخ أمين الخولي ( ت : 1966 م ) حينما أنيط به تدريس التفسير والأدب معاً في الجامعة المصرية ، فأتى على درس التفسير وجعله كاشفاً عن إعجاز القرآن البياني ، وأوضح منهجه بذلك في مناهج تجديد ، وترجمه بمحاضراته في أمثال القرآن (26) . فالقرآن كما يقول : ( كتاب العربية الأكبر ، وأثرها الأدبي الأعظم ، فهو الكتاب الذي أخلد العربية ، وحمى كيانها ، وخلد معها ، فصار فخرها ، وزينة تراثها … إنّ التفسير اليوم هو : الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج ، الكاملة المناحي ، المتّسقة التوزيع ، والمقصد الأول للتفسير أدبي محض صرف ) (27) .

واتّجه لهذا المنهج كوكبة من أساتذة الجامعات في الوطن العربي غيرةً منهم على القرآن وترسيخ مبادئ إعجازه ، ومن أبرزهم في هذا المضمار الدكتورة بنت الشاطئ ، فأصدرت الإعجاز البياني للقرآن الكريم والتفسير البياني للقرآن الكريم .

وهناك ملحظ مهم يتعلّق بهذا المنهج ، وهو الحفاظ على سلامة اللغة العربية من التدهور والضياع فهي لغة كتاب مقدّس ، والحفاظ عليها يرتبط بالحفاظ على هذا الكتاب تاريخيّاً ، وهذا التاريخ المشترك يمثّل مظهراً اجتماعياً مركزياً متلازماً ، فالتقصير في جانب يطبع أثره على الجانب الآخر ، وقد مرّت اللغة العربية بظروف وبيئات مختلفة ، خضعت معها إلى عوامل اللهجات المتباينة ، وامتزجت بها ثقافة اللغة الأخرى ، وتطوّر من مفرداتها ما تطوّر ، وبقي ما بقي ، وهذه عوامل كان من الممكن أنْ تخضع اللغة معها إلى كثير من التبدّل والتغيير ، وأنْ تتعرّض مفرداتها للنسخ أو التجوّز ، ومع هذا فقد بقيت هذه اللغة سليمة لم تتأثّر بعوامل الانحطاط والضعف ، ولم تتلكّأ مسيرتها التاريخية بوهن أو خور ، وسبب هذا البقاء والسيرورة يرجع إلى بيان القرآن ، والدفاع عن القرآن ، وصيانة لغة القرآن ، ففي الوقت الذي تتجاوز فيه هذه اللغة موطنها الأصلي ، ويمتد سلطانها إلى أرجاء فسيحة من العالم ، فإنّها تبقى متميّزة بمناخ الصحراء لهجة ، وبطابع البداوة مصدراً ؛ لأنّها اللغة الرسمية للقرآن ، وهو لا يتهاون في قدسيّة لغته ، ولا يجد عنها منصرفاً ، فارتبط وجودها بوجوده ، واستمرار رقيّها باستمراره ، ولم يداهمها الفناء أو الاضمحلال أو التقلّب ، في حين تنطوي به الأمم ولغاتها ، وتتلاشى الشعوب وتراثها ، بينما تطوي العربية أمدها الطويل سليمة متناسقة تتسنّم مدارج الخلود ، وتناطح هجمات الدهر .

ولمّا كان القرآن الكريم معجزة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة ، وهو مرقوم بهذه اللغة الشريفة ، فالخلود ملازم لهما رغم عادية الزمن ، وهذا أمر يدعو إلى الاطمئنان على سلامة اللغة ، وأصالة منبتها ، وهنا يتجلّى أثر تيسير القرآن وفهمه بيانياً بالكشف عن الأسرار ، فهو يشدّ إليه الباحث شدّاً ، دون عسر أو عناء ، وبكل يسر وسماح .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

ـــــــــــــــــ

* اقتباس شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) من کتاب : نظرات معاصرة في القرآن الكريم / تأليف : الدكتور محمّد حسين علي الصغير .

(1) يس : 36 .

(2) آل عمران : 59 .

(3) ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 130 .

(4) الكليني ، الأصول من الكافي : 1 / 24 .

(5) الأعراف : 120 ـ 122 .

(6) الحاقة : 44 ـ 46 .

(7) النجم : 3 ـ 4 .

(8) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، تحقيق السندوبي : 120 .

(9) البقرة : 23 .

(10) الكوثر : 1 ـ 3 .

(11) الإسراء : 88 .

(12) ظ : عبد الكريم الخطيب ، الإعجاز في دراسات السابقين : 176 ـ 178 .

(13) القمر : 45 .

(14) الروم : 1 ـ 3 .

(15) الفتح : 27 .

(16) ظ : للتفصيل : الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 68 وما بعدها .

(17) للتفصيل في الإعجاز العلمي ظ : طنطاوي جوهري : تفسير الجواهر .

(18) لتفاصيل هذه النظرية ظ : بحثنا : الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية .

(19) ظ : عبد الرزاق نوفل ، الإعجاز العددي في القرآن الكريم .

(20) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 19 / 72 .

(21) ظ : النكث في إعجاز القرآن .

(22) ظ : بيان القرآن .

(23) ظ : تلخيص البيان في مجازات القرآن .

(24) ظ : أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز .

(25) ظ : المؤلف ـ المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم : 104 .

(26) ظ : أمين الخولي ـ مناهج تجديد في التفسير والأدب والنحو + محاضرات في أمثال القرآن ـ مخطوطة في حوزة الدكتور مصطفى ناصف .

(27) أمين الخولي ـ دائرة المعارف الإسلامية ، مادة تفسير : 366 ـ 367 .


more post like this