أهمية علم الأخلاق‏

عندما يتأمل الإنسان في مجرى حياة أغلب الناس يجد أن أغلبهم منهمك في تأمين قوت الأجساد من طعام وشراب، وما يطلبه الجسد من رغبات أخرى، غافلين عن كل ما من شأنه أن يغذي أرواحهم ويقوي نفوسهم، وقد يؤول الأمر بالبعض إلى أن يخرج همّ غذاء روحه من فكره نهائياً، وحتى لو أن دينه وخلقه قد تعرض لهزات عنيفة لكنه لا يشعر بها، فينطبق عليه الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:

أبنيّ‏َ إنّ‏َ من الرجال بهيمةً    في صورة الرجُل السميع المبصرِ

فطنٌ لكلّ‏ِ رزيةٍ في مالِه             وإذا أصيبَ بدينهِ لمْ يشعرِ

نعم فهذا الصنف من الناس لا يلتفت إلا إلى دنياه وما أصابها، لأن الدنيا أمست أكبر همه، وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره، ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم الله له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه، وجمع له أمره1.

ومن هنا فلا بد وأن يتنبه الإنسان إلى همّ الآخرة ولا يكون ذلك إلا بالتصميم على تهذيب النفس لأن تهذيبها هو الذي يحقق الهدف الأسمى لخلق الإنسان وبعثة الأنبياء “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق2.

وإن أفضل طريقة لبيان ومعرفة أهمية علم الأخلاق، الرجوع إلى الآيات القرآنية والروايات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام.

الأخلاق ومصير الإنسان‏
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم آياته: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(الشمس:7-10) يستفاد من الآيات الشريفة أهمية الأخلاق، حيث ورد الحديث عنها كجواب للأقسام التي أقسم الله تعالى فأتى قوله تعالى قد أفلح من زكاها جوابا للقسم.

ويشير قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:8) إلى الحجة الباطنية على الإنسان فإن لله تعالى حجتين على عباده الأولى حجة ظاهرية وهي الأنبياء والأئمة عليهم السلام والعلماء والصالحون، والثانية باطنية وهي العقل، فإن الإنسان بفطرته يدرك الحسن والقبيح من الأمور، روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: “يا هشام إن لله حجتين، حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول3.

وقد أكدت الكثير من الروايات عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام على أهمية حسن الخلق فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون4.

وعنه صلى الله عليه وآله: “إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة5.

وعنه صلى الله عليه وآله قال: “إن أثقل ما يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن6.

ما هو علم الأخلاق؟
الأخلاق هي مجموعة الصفات النفسية والباطنية التي يتصف بها الإنسان، كالتواضع والشجاعة… ويطلق كذلك على الأعمال التي تعتبر آثارا لهذه الصفات كالتصدق على الفقير ومساعدة المحتاج والصدق وفعل الكرم…، ومن هنا يمكن تقسيم الأخلاق إلى قسمين أساسين هما: صفات نفسية وأعمال.

قوى النفس الإنسانية
إن المحور الأساسي لصفات الإنسان النفسية هو قوى أربعة تعود إليها جميع الملكات والتوجهات النفسية، وهذه القوى الأربع هي:

1- القوة العقلية: هذه القوة من شأنها أن تدرك الحسن من القبيح وتميز الخير من الشر، ثم تأمر بفعل الحسن منها وترك القبيح.

2- القوة الغضبية: وهي التي يدفع بها الإنسان الشرور والمخاطر والأذى عن نفسه، وبأي صورة مشروعة أو غير مشروعة لأن نفس هذه القوة لا تميز بين الحسن والقبيح.

3- القوة الشهوية: وهي القوة التي يطلب بها الإنسان المنفعة لنفسه، من قبيل المأكل والمشرب والشهوة، من دون أن تلاحظ هذه القوة فيما تطلبه الحلال من الحرام أو الطاهر من النجس أو الحسن من القبيح، لأن ليس من شأنها ذلك بل كل ما تراه هو الرغبة الجامحة لهذه الأمور.

4- القوة الوهمية: ووظيفة هذه القوة أن تتابع التفاصيل الصغيرة من الأمور لتحللها وتستخرج منها الحيل لكي تتوصل بها إلى تحقيق رغبات القوى الثلاث المتقدمة وعلى هذا فلو سخرت في خدمة القوة العقلية لبرع الإنسان في مجالات العلوم والاختراعات المفيدة، ولو سخرها في خدمة القوة البهيمية لبرع في نصب المكائد لتلبية شهواته، ولو سخرها في خدمة القوة الغضبية، لبرع في العدوان والطمع والجشع.

وبناء على هذا التفصيل فإن النفس إذا تبعت القوة الشهوية سميت نفساً “بهيمية”، لأن البهيمة لا يهمها سوى علفها وملذاتها، وإذا تبعت القوة الغضبية سميت “سبعية” لأن فيها طبع السباع الضارية، وإذا تبعت القوة العقلية سميت “ملكية إلهية”.

التوازن في قوى النفس
إن قوى النفس التي سبق الحديث عنها لها حدان متراميان الأول حد الإفراط والثاني حد التفريط ولا بد لسالك درب الأخلاق أن يلتزم الوسط، والاعتدال في القوة الشهوية هو أن يكون الإنسان عفيفاً عقلاً وشرعاً، وحد الإفراط أن تكون الشهوة شديدة لا ترى أمامها رادعاً في الوصول لمآربها، وحد التفريط في خمودها بحيث تبطل الفائدة منها، فإن فائدة شهوة البطن أن يقيم بها الإنسان عوده ويستمر في الحياة والشهوة الجنسية لبقاء النسل فلو كانتا خامدتين لما عمر العالم وانتفت مظاهر الحياة فيه، ولو كانتا متفجرتين كبركان يجتاح أمامه كل ما يمر به لذابت الأرض بجرائم أهلها وفسادهم.

وحد الاعتدال في الغضبية أن يكون المرء شجاعاً لا يخاف، وحد الإفراط في التهور والإقدام على المكاره دون دراسة ونظر، وحد التفريط في الجبن والاستسلام والخنوع.

ومن هنا فعلى الإنسان -السالك إلى الله تعالى بتهذيب نفسه- أن لا يدع أياً من قواه يميل به عن الجادة الوسط إلى حدي الإفراط والتفريط لأن كلاً من هذه القوى تسعى لتحقيق رغباتها بغض النظر عن مصالح الأخرى، ومن هنا كانت النفس الإنسانية ساحة لأكبر المعارك، وأكبرُ الجهاد أن يجاهد الإنسان هذه القوى التي تتصارع يميناً وشمالاً لتخرج من حد الوسطية والفضيلة، إلى الانحراف والرذيلة، ولذلك ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال لقوم رجعوا من ساحة المعركة: “مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر7.

*جهاد النفس، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، حزيران 2005م ، ص7-16.


 

1- الكافي ج 2 ص 319.
2- مستدرك الوسائل ج 11 ص 187.
3- أصول الكافي باب العقل والجهل، ج1، ص16.
4- عوالي اللئالي – ابن أبي جمهور الأحسائي، ج1، ص 100.
5- ميزان الحكمة – محمدي الريشهري، ج1، ص799.
6- موارد الظمآن – الهيثمي، ص 474.
7- الكافي، ج5، ص12.

http://almaaref.org


more post like this