بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ حكم القصاص و الثناء على العفو الواردينِ في القرآن الكريم، هما بعينهما حكم القصاص و العفو اللذان نزلا في شريعة موسى في التوراة، و في شريعة عيسى في الإنجيل على نبيّنا و آله و عليهما الصلاة و السلام، ثمّ احكما و اقِرَّا في القرآن الكريم.
أمّا في التوراة، فيقول الله سبحانه:
{إنَّآ أنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الذين أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَ كَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أنزَلَ اللهُ فَاولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأنفِ بِالأنفِ وَ الاذُنَ بِالاذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أنزَلَ‏ اللهُ فَاولَئِكَ هُمُ الظَّالمونَ}.[1]
ما نراه في الآيتين هو: أنّ حكم القصاص حقّ للمجنى عليه، و العفو- الذي هو أمر مقبول- قد وُضِعَ في اختياره. و قد ورد هذا المطلب بعينه في التوراة المتداولة حاليّاً، حيث جاء في الإصحاح الحادي و العشرين من سفر الخروج من التوراة أنّه:
(12) مَن ضرب إنساناً فمات يُقتل قتلًا.
(13) و لكنّ الذي لم يتعمّد، بل أوقع الله في يده، فأنا أجعل له مكاناً يهرب إليه.
(23) و إن حصلت أذية تعطي نفساً بنفس، و عيناً بعين، و سنّاً بسنّ، و يداً بيد، و رجلاً برجل، وكيّاً بكيّ، و جرحاً بجرح، و رضّاً برضّ.
و جاء في الإصحاح الرابع و العشرين من سفر اللاويين أنّه:
وإذا أماتَ أحدٌ إنساناً فإنّه يُقتل، و من أمات بهيمةً فإنّه يعوّض عنها نفساً بنفس، و إذا أحدث إنسانٌ في قرينه عيباً، فكما فعل كذلك يُفعل به، كسرٌ بكسر، و عينٌ بعين، و سنٌّ بسنّ، كما أحدث عيباً في الإنسان كذلك يُحدث فيه.[2]
و أمّا في الإنجيل فلأنّ الله عزّ وجلّ بعد الآيات السابقة يقول:
{وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوَرَاةِ وَ ءَاتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَ نُورٌ و مصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ، وَ لْيَحْكُمْ أهْلُ الإنجِيلِ بِمَآ أنزَلَ اللهُ فِيهِ وَ مَن‏ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللهُ فَاولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.[3]
و نرى في هذه الآية أنّ الله سبحانه جعل عيسى مصدّقاً للتوراة وجعل كتابه الإنجيل أيضاً مصدّقاً لها، ويلاحظ أنّ جملة {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَّ التَّوْرَاةِ}- التي تكرّرت مرّتين- لم تكن تأكيداً، بل أفادت تصديق الإنجيل للتوراة إضافة إلى تصديق المسيح لها.
لذا، فكتاب الإنجيل تابع لشريعة كتاب التوراة، و لم يأت حكم في التوراة إلّا و قد أمضاه الإنجيل و دعا الناس إليه، عدا بعض محرّمات التوراة التي أحلّها المسيح، كما نطق الله سبحانه بلسانه: {وَ لأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.[4]
و بناءً هذا، فحكم القصاص و العفو من وجهة نظر السيّد المسيح و تعاليم الإنجيل هو نفسه عند موسى و كتاب شريعته: التوراة.
و أمّا في القرآن الكريم، فلأنّ الله سبحانه يقول بعد هذه الآية:
{وَ أنزَلْنَآ إليك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أنزَلَ اللهُ وَ لَا تَتَّبِعْ أهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا وَ لَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَ لَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ في مَا ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَ أنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أنزَلَ اللهُ وَ لَا تَتَّبِعْ أهْوَآءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أنزَلَ اللهُ إليك فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ‏ لَفَاسِقُونَ}. [5]
و ما بحثناه هنا في حكم القصاص و العفو، طبقاً لدلالة هذه الآيات المباركة، فإنّ شرائع النبيّ محمّد و المسيح و موسى عليهم الصلاة و السلام تتطابق و تتّفق بشأنه، و أنّ ما يُشاهد في الإنجيل المتداول حاليّاً أن «إذا صفعك أحد على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر، و إذا أرادوا انتزاع عباءتك فهَبْ لهم معها ثوبك»!
إمّا أن تكون عبارات مُختلقة نُسبت للمسيح عليه السلام، أو أنّه عليه السلام أراد أن يمتدح العفو و المسامحة و يثني عليهما، و أن يؤكّد على إعمال صفة الإغضاء وكرم الأخلاق، و أن يُثير في الناس بشكلٍ مبالغٍ فيه مشاعر العفو و المسامحة بعد فرض قانون القصاص و صيرورته بين الناس في حكم المسلّم، و إلّا فإنّ إجبار الناس على هذا الأسلوب من العفو سيؤدّي لا إلى تعطيل قانون القصاص و عدم الاهتمام بأمر العفو فحسب، بل ستصل رغبة المسيحيّين في الانتقام و إذلال الآخرين بقسوة و عدوانيّتهم و تعطّشهم لسفك الدماء إلى الحدّ الذي برزت نماذجه في الحروب الصليبيّة و في الحربين العالميّتينِ، حيث سوّدت فظائعهم و قسوتهم و عنفهم صفحات تأريخ المسيحيّة.

 

انتقاد وِل ديورانت لقانون الإنجيل لعدم فرض القصاص‏

يقول وِل ديورانت: لم يدعُ الإسلام إلى مقابلة الإساءة بالإحسان، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [6]
{وَ لِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَاولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ} [7] تلك أخلاق تليق بالرجال، شبيهة بما جاء في العهد القديم، فهي تؤكّد فضائل الرجولة كما تؤكّد المسيحيّة فضائل الأنوثة، و ليس في التأريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء، و لم يُفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح فيها الإسلام.
و يُستَشَمّ من تعبير ديورانت بأنوثة أخلاقيّة تعاليم الإنجيل رائحة انتقاده لها، و عزى ذلك إلى الضعف و القوى الانفعاليّة، على العكس من الإسلام الذي تصدر قوانينه ناشئة من القوّة و الموقف الراسخ، و قوى الفعل.
إنّ عدم تطبيق الحدود و فقدان قانون القصاص عند أتباع الكنيسة في شريعة الإنجيل الفعليّة قد أدّى إلى شيوع الفحشاء و المنكرات و العلاقات المنحرفة بينهم أكثر من شيوعها بين اليهود والأمم الأخرى؛ و لقد كشف شاعر ظريف عن معنى عميق في هذا الشأن و في أمثاله بأبياتٍ أنشدها بأسلوب الملحة و الطريفة، قال:
كشيشي را شنيدم در كليسا
سخن مي‏گفت از أحكام عيسى

كسي تان گر زند سيلي به رخسار
مياشوبيد بر وي هيچ، زنهار[8]

اگر بر راست زد چپ پيش داريد
وگر چپ، راست را نزديكش آريد

ز جا برخاست ماهي عنبرين موي
گشود از يكدگر لعل سخنگوي‏

كه بهر سيلي اين حكم مبين است؟
و يا در بوسه هم حكم اين چنين است؟[9]
أجل، فتماسك المجتمع الإنسانيّ، و قوام الحضارة البشريّة، و الوصول إلى معارج الحياة إنّما هو في فرض حكم القصاص الذي يردع الناس خوفاً و حذراً عن ارتكاب الجريمة، ممّا يؤدّي إلى امتناع تحقّق هذا الحكم عمليّاً في الخارج، أمّا إذا ما ارتُكبت جريمة ما، و وجد لهذا الحكم مصداق يجعله يتحقّق فعلاً، فإنّ حكم القصاص سيمنح- على أيّة حال- المجتمع حياةً و قدرة و يهبه عزّة و استقلالاً سهل المنال.[10]
[ملاحظة: إن هذا المقال هو عبارة عن بحث منتخب من كتاب (نور ملكوت القرآن) لمؤلّفه سماحة المرحوم العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه فننصح من أراد الازدياد بقراءة الكتاب المذكور ]

[1] ـ الآيتان 44 و 45، من السورة 5: المائدة.

[2] ـ طبقاً لنقل العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في «الميزان» ج 5، ص 391 و 392 عن التوراة باللغة العربيّة المطبوعة في كمروج سنة 1935 م.

[3] ـ الآيتان 46 و 47، من السورة 5: المائدة.

[4] ـ الآية 50: من السورة 3 آل عمران. وَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ لُاحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُم بِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَ أطِيعُونَ.

[5] ـ الآيتان 48 و 49، من السورة 5: المائدة.

[6] ـ ذيل الآية 194، من السورة 2: البقرة.

[7] ـ الآيتان 40 و 41، من السورة 42: الشوري.

[8] ـ للشاعر الجليل أحمد الأشتريّ؛ يقول: «سمعتُ أ نّ في الكنيسة قسّيساً يتحدّث عن تعاليم عيسى عليه السلام. أ نْ إذا صفعك أحدٌ علي وجهك فلا تنزعج منه أبداً».

[9] ـ يقول: «و إذا ما صفعك علي الخدّ الأيمن فأدر الأيسر، أو الأيسر فأدر الأيمن. انهض إذ ذاك بدرٌ بشعرٍ كالعنبر، و افترّ عن شفاهٍ كالعقيق الأحمر. و قال: أمختصٌّ حُكمكم بصفع الخدود؟ أم يجري كذاك علي تقبيلها؟».

[10] ـ [نور ملكوت القرآن، ج‏1، ص: 21]

http://motaghin.com


more post like this