كان الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) – في الأيام التي كان في بغداد – قد اشترى أرضاً في مقابر قريش لنفسه قبل وفاته، ليدفن فيها 1ما قضى الإمام نحبه دُفن فيها.
وفي نفس البقعة دُفن الإمام الجواد (عليه السلام) خلف قبر جدّه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).
وهذه البقعة الطاهرة، والمرقد الشريف، والمقام المنيف – الذي دُفن فيه الإمامان (عليهما السلام) – له تاريخ طويل، حافل بالمصائب والمآسي، نذكر بعض ما جرى، بصورة موجزة، والتفاصيل مذكورة في (الكامل) لابن الأثير، وغيره:
بعدما دُفن الإمام الجواد عند قبر جدّه الإمام موسى الكاظم، وانقضت فترة غير معلومة – عندنا – بُنيت على قبرهما بنيّة.
وسُمِّيَت البقعة بـ(الكاظمين) وكان الزائرون من الشيعة يزورون الإمامين (عليهما السلام) من مسجدٍ كان هناك، أو من وراء حجاب آخر، خوفاً من المناوئين.
وبمرور الزمان بُنيت المساكن حول تلك البقعة المقدسة، حتى صارت قرية من قرى بغداد 2.
ووضعوا على القبرين ضريحين – بعد هدم البنية وتجديدها -.
وفي أيام الديالمة ارتفع الخوف، وكثر ازدحام الزوار من الشيعة، وكثرت البيوت والمساكن.
• وفي سنة 336هجرية أمر معزّ الدولة أحمد بن بويه بتجديد عمارة المرقدين، وتجديد الضريحين، وتزيين المقام، وبنى أمام المقام صحناً واسعاً، رفيعَ الجدران.
وعيَّن جنوداً وعساكر لخدمة المقام، والمحافظة عليه، وتأمين الزوار، فكان الناس يقصدون المقام أفواجاً وكثُر المجاورون للمقام.
وفي أيام البويهيِّين ازداد المقام شهرةً، وازداد عدد الزوار.
• وفي سنة 369هـزاد عضد الدولة في تعمير المشهد داخلاً وخارجاً.
ثم جُدِّد البناء في سنة 446هـ.
• وفي سنة 490هـقام أبو الفضل الأسعد بن موسى القمي – أحد وزراء الملك شاه السلجوقي – بتعمير المشهد، وبنى الروضة المقدسة بناءً محكم الأساس. وَوَضَعَ صندوقين من الساج على القبرين الشريفين، وبنى مئذنتين رفيعتين حول الروضة.
• وفي سنة 517هـأيضاً ثار المخالفون وهجموا على المشهد الشريف، وقلعوا الأبواب، ونهبوا ما وجدوا من قناديل الذهب والفضة والمعلّقات والنفائس، وخربوا ما وصلت إليه أيديهم من الزينة، كل ذلك في أيام المسترشد العباسي.
• وفي سنة 575هـمات المستضيء بأمر الله العباسي، وقام ابنه الناصر لدين الله – وكان من الموالين للأئمة المعصومين (عليهم السلام) – فشرع ببناء المشهد الشريف وتعميره، وتزيين الصندوق، وبناء الرواق والمآذن وتوسيع الصحن والساحة، وبناء الحُجُرات في أطرافها وجوانبها.
وفي أيام الظاهر بأمر الله – ابن الناصر لدين الله العباسي – وقع حريق عظيم في المشهد الشريف، فاحترق الأثاث والفرش والمصاحف والكتب، وسرت النار إلى الصندوق والضريح والقبّة الشريفة. فأمر الظاهر بأمر الله وزيره بتعمير المشهد، وفي أثناء التعمير مات الظاهر وقام ابنه المستنصر بالله فأكمل التعمير.
وفي خلال هذه السنوات كان شط دجلة يتفايض ماؤه، بصورة مكررة ويُغرق البيوت والمحلات في بغداد، وتصل الفيضانات إلى المشهد الشريف، فكانت الخسائر والأضرار كثيرة.
• وفي سنة 966هـقام الشاه إسماعيل الصفوي بتجديد عمارة المشهد من أساسه، وبنى القُبَّتين الشريفتين بطرزٍ جميل أنيق، وعوّض المنارتين بأربع منائر، وبنى المسجد المعروف بالجامع الصفوي في شمال الروضة، وقام بخَدمات وإنجازات جليلة أخرى.
• وفي سنة 1047هـدخل السلطان العثماني مراد الرابع، فنهب جنودُه مدينة بغداد، وهجموا على الروضة الكاظمية المقدَّسة، ونهبوا ما فيها من النفائس من قناديل الذهب والفضة وغيرها.
• وفي سنة 1211هـأمر السلطان محمد شاه القاجاري بتذهيب القبَّتين الشريفتين وتذهيب رؤوس المنائر الشريفة، وأمر بتذهيب الإيوان الصغير، وأمر بفرش الرواق والروضة بالمرمر الأبيض، وأضاف إلى سعة الصحن الشريف بعض البيوت المجاورة.
• وفي سنة 1287هـأمر السلطان ناصر الدين شاه بِنَصب ضريح فضّي على الضريح الفولاذي، وفي سنة 1293هـ قام فرهاد ميرزا – عَمُّ ناصر الدين شاه – ببناء الصحن وتجديد عمارته، فهدَمَ البنيان السابق، واشترى عدداً من البيوت المجاورة، وأضافها إلى سعة الصحن، وبنى في أطرافه الحُجُرات الجميلة، وزيَّن جميع الجُدران بالقاشاني، وفرش الصحن بالصخور الثمينة.
ويناسب – في هذا المجال – أن نذكر ما أنشده الشيخ البهائي (رحمه الله) بشأن مرقد الإمامين الكاظمين (عليهما السلام).. يقول:
ألا يا قاصد الــــزَوراءَ عــــرِّجْ
على الغربيِّ من تلك المغاني
ونَعليك اخلعنْ واخضعْ خشوعاً
إذا لاحــــت لــــديك الــقُبَّتانِ
فتحتهما – لَعَمـرك – نار موسى
ونــــور محـــــمدٍ يتــــلألآنِ
والحق يقال: لقد بُني هذا الصرح الشريف، وشُيِّد هذا المقام الأقدس بأجمل بناءٍ، وأبهى آيات الفنّ المعماري، والجمال الهندسي، له منظر رائع، ومرأى تبتهج منه النفوس، وتنشرح منه الصدور، ويشعر الزائر – حين دخوله الروضة – بالهيبة والخشوع والروحانية.
وتفتح أبواب المقام والروضة من قبل طلوع الفجر، وتبقى مفتوحة إلى ساعات من الليل، والمسلمون – على اختلاف جنسيّاتهم وقوميّاتهم – يتقرَّبون إلى الله تعالى بزيارة هذا المشهد المقدس ويقصدونه أفواجاً أفواجاً، من أطراف العراق وخارجه من البلاد الإسلامية، بل وغير الإسلامية التي يقطنها الشيعة، ويحيطون بالضريح المقدَّس المنصوب على قبر الإمامين (عليهما السلام) ويتبرَّكون به بالتقبيل والالتزام – كما هي سيرة المسلمين منذ عهد الصحابة 3 ويُلْقون في زيارتهما خطاباً مأثوراً يشتمل على الشهادة لهما بالإمامة والخلافة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والإشادة بشخصيّتهما العظيمة وفضائلهما الكريمة ومواقفهما المجيدة في نشر دين الله وإحياء سُنن رسول الله ومحاربة الباطل وأهله، وما لاقياه من الأذى والاضطهاد على يد أعداء الله الظالمين.
وقد صارت الروضة المقدسة مركزاً لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن والدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وغير ذلك من العبادات، وما ذاك إلا لشرافة المكان وقدسيّة المدفون فيه.
ويقوم الخطباء والشعراء بإلقاء الخُطَب والقصائد المشتملة على فضل أهل البيت ومكارم أخلاقهم وعظيم منزلتهم عند الله تعالى، ثم يختمونها بذكر جانب من مصائبهم الأليمة.
وتمتاز ليلة الجمعة من كل أسبوع بكثرة الزائرين والمصلِّين والذاكرين. ويشتد الزحام في يوم 25 رجب حيث يصادف ذكرى استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) وآخر يومٍ، من شهر ذي القعدة حيث يصادف ذكرى استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام).
وهكذا الوفود الرسمية التي تزور العراق، من ملوك ورؤساء وغيرهم تحظى بالمثول أمام هذين المرقدين الشريفين.
وأرباب الحوائج يتوافدون إلى الروضة المباركة، ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى، ويستشفعون بالإمام موسى بن جعفر الكاظم والإمام محمد الجواد (عليهما السلام) في قضاء حوائجهم إلى الله عز وجل 4لحوائج تُقضى، والمشاكل تنحلُّ، والهموم تزول، والصعوبات تسهل بإذن الله.
وقد اشتهر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بباب الحوائج، وهكذا عُرِفَ الإمام الجواد (عليه السلام) باب المراد ويُعبَّر عنهما بالكاظمين أو الجوادين.
وتقام صلوات الجماعة في هذا الصحن المقدس، وداخل الروضة الشريفة، ويُدفن الأموات في الحجرات المحيطة بالصحن الشريف وفي الصحن أيضاً.
وخلال هذه القرون دُفن جماعة من العظماء أمثال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان، والشيخ خواجه نصير الدين الطوسي، وغيرهما من أكابر الشخصيات، وأعاظم العلماء والأشراف والأعيان، في جوار هذين المرقدين الشريفين.

_______________
1 – كتاب الدرّ النظيم في مناقب الأئمة (عليهم السلام) للفاضل الفقيه يوسف بن حاتم الشامي العاملي.
2 – أما اليوم فقد صارت مدينة كبيرة ذات شهرة عظيمة، وتسمّى بـ(الكاظمية) زادها الله شرفاً.
3 – روى الحاكم النيسابوري في كتاب مستدرك الصحيحين: ج4 ص515 أن مروان بن الحكم جاء يوماً إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوجد رجلاً واضعاً وجهه – أو جبهته – على القبر الشريف، فغضب وأخذ برقبة الرجل وقال له: هل تدري ما تصنع؟! فرفع الرجل رأسه، وإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال لمروان: نعم إنّي لم آت الحجر، إنما جئتُ رسول الله ولم آت الحجر…). من هنا نعرف أن التبرّك بقبور أولياء الله كان شيئاً معروفاً عند الصحابة، ونعرف أيضاً أن المنع من التوسل والتبرُّك بقبور أولياء الله إنما هو من بدع بني أميَّة وضلالاتهم.
4 – قال تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة).


more post like this