اذا كان البَدَاء هوتغيير المصير بالعمل الصالح والطالح ، وأنَّه يقع في الأمور الموقوفة لا المحتومة ، يسهل على الباحث علاج الإخبار بالمغيبات من جانب الأنبياء مع عدم تحققه.

 

ونرى من هذه الإخبارات نماذج في الكتاب والسنة:

1- رأى ابراهيم في المنام أنه يذبح ولده اسماعيل ، ورؤيا الأنبياء وحي18 ، فتلك الرؤيا الصادقة تحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مُسَلَّمة ، وهوأمر الله لابراهيم بذبح ولده أولاً، وتحقق ذلك في عالم الوجود ثانياً، وكأنَّ قوله: ?انَّي أرى في المَنامِ أَنَّي أَذبَحُكَ?(الصافات:102) يكشف عن أمرين:

أ- الأمر بذبح الولد وهوأمرٌ تشريعي.

ب- الحكاية عن تحقق ذلك في الواقع الخارجي. فقد أُخبر ابراهيم بذلك من طريق الوحى. وأخبر هوولده بذلك.

ومع ذلك كله لم يتحقق ونسخ نسخاً تشريعياً، كما نسخ نسخاً تكوينياً. ويحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: ?وَفَدَينَاهُ بِذِبح عَظِيم?(الصافات:107).

فينطرح في ذهن الإِنسان : كيف يجوز أن يخبر النبي بشيء من المغيبات ثم لا يتحقق؟!

2ـ انَّ يونس عليه السَّلام أخبر قومه بنزول العذاب وأنَّه مصيبهم. ومع ذلك كله لم يأتهم19. يقول سبحانه: ?فَلَولا كانَت قَريَة آمَنَت فَنَفَعَها إيمانُها إلاّ قومَ يُونُس لما آمنُوا كَشَفنا عَنهُم عَذَابَ الخِزيِ في الحَيَاةِ الدُنيا وَمَتَّعناهُم الى حِين?(يونس:98).

3- ما جاء في قصة موسى بن عمران حيث انَّ موسى أخبرهم بأنَّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة كما عن ابن عباس حيث قال: “انَّ موسى قال لِقَومه انَّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ، وأخلفَ هارون فيكم ، فلما وصل موسى الى ربه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها الله”20. قال سبحانه: ?وَوَاعَدنا مُوسى ثَلاثِينَ ليلةً وَأَتمَمناها بعَشر فَتَمَّ ميقاتُ رَبَّهِ أَربَعينَ لَيلَةً وَقَالَ موسى لأخيهِ هارونَ اخلُفني في قَومي وَأَصلِح ولا تَتَّبع سَبِيلَ المُفسَدينِ?(الأعراف:142).

هذه جملة الاخبارات التى وردت في القرآن والتي أَخبَر بها الأنبياء ولم تتحقق وقد جاء نظير ذلك في الروايات الاسلامية نذكر منها:

ما روي عن المسيح عيسى بن مريم أنَّه مرّ بقوم مُجلَبين. فقال: ما لهؤلاء؟ قيل يا روح الله انَّ فلانة بنت فلانة تُهدى الى فلان بن فلان في ليلتها هذه.

قال: يجلبون اليوم ويبكون غداً. فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول الله؟

قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه. . . فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء.

فقالوا: يا روح الله انَّ التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت. فقال عيسى: يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا إليها. . حتى قرعوا الباب فخرج زوجها فقال له عيسى: استأذن لي على صاحبتك. فتخدرت ، فدخل عليها. فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته الى مثله. وانَّه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي بمشاغل ، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى نلته كما كنَّا ننيله.

ففي هذه اللحظة قال عيسى لها تنحي عن مجلسك. فاذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه.

فقال عليه السَّلام: بما صنعتِ صرف عنكِ هذا”21.

ومنها ما روي أنَّه مرَّ يهودي بالنبي فقال: السام عليك ، فقال النبي له: وعليك.

فقال أصحابه: انما سَلَّم عليك بالموت ، فقال الموت عليك!

فقال النبي: وكذلك رددت.

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: انَّ هذا اليهودي يعضه أسود في فقاه فيقتله.

فذهب اليهودي فاحتطب حطباً فاحتمله ثم لم يلبث أَن انصرف. فقال له: ضعه ، فوضع الحطب: فاذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود. فقال صلى الله عليه وآله وسلم. يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملا إلاّ حطبي هذا فحملته فجئت به ، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله: بها دفع الله عنه. وقال: ان الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإِنسان22.

وهناك نظائر لما مضى لا تخرج عن عدد الأصابع.

 

تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبية

يقع الكلام في هذه الملاحم والأخبار الغيبية تارة من جهة ان الأنبياء كيف علموا بهذا الأمر الموقوف ، ولم يعلموا بالأمر الموقوف عليه. وأُخرى أنَّ هذا الاخبار مع عدم الوقوع كيف لا يعد تكذيباً لقولهم؟

أما الأول ، فلا شك أَنَّ النبي إذا أخبر بشيء ثم حصل البداء في تحققه فلا بد أَن يستند في اخباره الى شيء يكون مصدراً لاخباره ومنشأ لاطلاعه. فيمكن أَن يكون المصدر اتصاله بعالم لوح المحووالاثبات ، فاطلع على المقدِّر ، ولم يطلع على كونه معلقاً على أمر غير واقع ، لعدم احاطة ذلك اللوح بجميع الاشياء.

كما أَنه يمكن أَن تتعلّق مشيئته تعالى باظهار ثبوت ما يمحوه ، لحكمة داعية الى اظهاره ، فيلهم ويوحي إلى نبيه مع علمه سبحانه بأَنه يمحوه.

نعم ، من شملته العناية الالهية واتصلت نفسه الزكيه بعالم اللوح المحفوظ تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليه ، وان كان ذلك قليل كما يتفق ذلك لخاتم الأنبياء وبعض الأوصياء.

وعلى ضوء ذلك فالحكم الذي يُوحَى إلى الأنبياء ، تارة يكون ظاهراً في الاستمرار والدوام ، مع أَنه في الواقع له غاية وحَدَّ يعيّنه بخطاب آخر.

وأُخرى يكون ظاهراً في الجد مع أنَّه لا يكون جدياً واقعاً، بل لمجرد الاختبار والابتلاء.

وثالثة يوحى اليهم بالإخبار بوقوع عذاب لحكمة في هذا الإخبار ، ومع ذلك لا يقع.

هذه هي الجهات التى يمكن أَن تكون مصدراً لعلمه واطلاعه. والكل يرجع الى وقوفه على المقتضيات وعدم وقوفه على العلة التامة. فلأجل ذلك صح له أَن يخبر عن التقدير الأول لأجل وجود المقتضي، ولواطلع على العلة التامة لأخبر عن التقدير الثاني. ولا بعد في أن يُخفي تعالى على نبيه شرائط التقدير الأوّل وموانعه لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.

فقد كان هناك مصلحة في الاخبار عن تحقق ذبح اسماعيل ، ونزول العذاب على قوم يونس ، وكون الميقات ثلاثين يوماً، وأنَّ العروس واليهودي يقتلان. فللَّه سبحانه في إخباره واظهاره حكم ومصالح نقف على بعضها ولا نحيط بجملتها.

هذا كله حول مصدر علم النبي في إخباره.

وأما الثاني ، وهوأنَّ إخبار النبي بشيء وعدم وقوعه يعد في نظر الناس تكذبياً للنبي. فنقول: انَّ المغيبات التي وقع فيها البَدَاء انما توجب معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والتقوّل بالخلاف اذا لم يكن هناك قرائن تدل على صدق مقالهم ، ولذلك نرى أن عيسى عليه السَّلام لما أخبر أصحابه بأن العروس ستهلك ، برهن على صدق مقاله بإراءة الأفعى تحت مجلسها كما أَنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم برهن على صدق إخباره بهلاك اليهودي بالأمر بوضع الحطب فاذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود.

ونظيره قصة ابراهيم ، فإنّ في التفدية بذبح عظيم دلالة على صدق ما أَخبر به الخليل من الرؤيا. كما أنَّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر عن العذاب ، وقد رأى القوم طلائعه ، فقال لهم العالم: افزعوا الى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فاخرجوا الى المفازة ، وتفرّقوا بين النساء والأولاد ، وبين سائر الحيوانات وأَولاده ، ثم ابكوا وادعوا ففعلوا فصرف عنهم العذاب.

وبالجملة ، اذا كانت إخبارات النبي مقترنة بالقرائن الدالة على صدق إخباره ، وأنَّ الوقوع كان حتمياً قطعياً لولا فعل ما فعلوه ، لما عدّ ذلك تقولاً بالخلاف ، بل يعد من دلائل الرسالة.

وعلى ذلك فاخباراتهم الغيبية اما كانت على وجه التعليق في اللفظ ، كما في قصة يونس ، حيث روي أَنه قال لقومه: “إنَّ العذاب مصبحكم بعد ثلاث ان لم تتوبوا“24. وفي اللب ، كما اذا دلت القرائن الماضية على أَنَّ كلامه كان معلقاً على مشيئته سبحانه ، وكانت مشيئته سبحانه معلقة على عدم صدور أَمر يدفع العذاب.

وأنت اذا أحَطت بما ذكرنا من الأمور تقف على مدى صحة ما نقله الرازي عن سليمان بن جرير من أنَّ ائمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم ، فإذا قالوا سيكون لهم أَمر وشوكة ثم لا يكون الأمر على ما أَخبرو ، قالو: بدا لله تعالى !. وكأنَّ الرجل كان غافلا عن تلك المعارف العليا في الكتاب والسنة.

ونضيف أَخيراً بأَنَّ هذا النوع من الإخبارات التى تعد نتيجة للبَدَاء لا نفس البَدَاء ، لا تتجاوز في كلمات الأئمة عن مواضع أربعة، فكيف يدَّعي الرازي وضع ضابطة كلية؟!

*الإلهيات ، آية الله جعفر السبحاني


العدل الالهي ومسالة الخلود

حقيقة البداء في ضوء الكتاب والسُّنة

الأثر التربوي للبداء

مصادر القضاء والقدر في الكتاب والسنة ( 2 )

http://www.tebyan.net


more post like this