علي الزبيدي

نسبه

أبوه الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة يصل إلى يعرب بن قحطان في الظهر العاشر نخعي مذحجي، ورد في أعيان الشيعة (1) عن مالك: هو من لهاميم مذحج الأبطال المغاوير، وسيد قروم النخع وشجعانها المساعير، وكان الأشتر في الكوفة أسود(2) من الأحنف في البصرة.

ولد مالك قبل الإسلام بقليل حيث ذكر أنّه اشترك في معركة الجمل واصطرع مع عبدالله بن الزبير وله من العمر ـ على ما يذكر المؤرخون ـ ثمانون سنة وقد وقعت معركة الجمل في سنة 36هـ فيكون قد ولد في السنة 21 قبل البعثة وللنقاش في هذا التحديد مجال حيث أن أمير المؤمنين (عليه السلام) اعتمد عليه في معركة صفين وكان على ميمنة الجيش العراقي فيها، ثمّ ولاّه على مصر بعد استشهاد البطل محمد بن أبي بكر (رحمه الله) في سنة 38هـ، وعلى أي حال لم يضبط لنا التأريخ سنة ولادة بطلنا الأشتر، وقد توفي في سنة 39هـ .

موقفه مع سعيد بن العاص الأموي

كان الأشتر ووجهاء الكوفة عند الوالي في مجلسه، فقال سعيد بن العاص وكان والياً من قبل عثمان على الكوفة: (السواد بستان لقريش وبني أُمية)، فقال الأشتر: أتزعم أنّ السواد الذي أفاءه الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك؟! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلاّ أن يكون كأحدنا.

وتكلم معه القوم، فقال عبدالرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد: أتردّون على الأمير مقالته؟! وأغلظ لهم، فقال الأشتر: مَن هاهنا؟ لا يفوتكم الرجل، فوثبوا عليه فوطؤه وطأً شديداً حتى غُشي عليه. ثمّ إنّ سعيداً نفى الأشتر مع تسعة آخرين إلى الشام بأمر عثمان، ثمّ ردوهم إلى الكوفة، وكان فساد الحكم قد بلغ ذورته، فلم يطق الأشتر وصحبه السكوت، فنفوهم مرّة ثانية إلى حمص ثمّ عادوا إلى بلدهم، ولما ازداد السخط على الخليفة عثمان من قبل المسلمين في الأقطار الإسلامية استدعى عماله ليشاورهم فاتفقوا على التضييق على الناس وإرسال المعارضين والمطالبين بحقوقهم إلى الجهاد، وإبعادهم عن أهليهم لينصاعوا للحكم، فعندما رجع سعيد إلى عمله على الكوفة استقبله الأشتر وأهل الكوفة خارج البلد بسيوفهم وردّوه، وقالوا: لا والله لا يلي علينا حكماً ما حملنا سيوفنا، فرجع سعيد بن العاص إلى عثمان مطروداً، فأرسل عثمان مكانه أبا موسى الأشعري(3). شهادة النبي له: يعدّ مالك الأشتر من التابعين مع أنّه عاصر النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ولكن لم يتشرّف برؤيته ولم يسمع حديثه، إلاّ أنّ مالكاً ذكر عند النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) فقال فيه: ((إنّه المؤمن حقا))، وناهيك عن هذه الشهادة العظيمة التي صدرت من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الذي يغوص في أعماق الشخصية ليقيمها.

وروي عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: أنّه عهد إلى أبي ذر أنّه سيلي تجهيزه في الربذة عصابة من المؤمنين، وكان مالك الأشتر على رأس الجماعة التي دفنت أبا ذر بعد تجهيزه فهذه شهادة من النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) له بالإيمان.(4) وكفاه فضلاً ومنعة كلمات مولانا أمير المؤمنين في الثناء عليه في حياته وبعد المنون، وإليك بعض ما جاء في ذلك البطل العظيم :

1 – من كتاب لمولانا أمير المؤمنين كتبه إلى أهل مصر لمّا ولى عليهم الأشتر: ((أمّا بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشد على الفجّار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق، فإنّه سيف من سيوف الله، لا كليل الظبة(5) ولا نابي الضريبة، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنّه لا يقدم ولا يحجم، ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدّ شكيمته على عدوكم … إلخ)).

2 – من كتاب للمولى أمير المؤمنين كتبه إلى أميرين من أمراء جيشه ((وقد أمّرت عليكما وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعاً ومجنّاً، فإنَّه ممّن لا يخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل)). قال ابن أبي الحديد(6): فأما ثناء أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل، ولعمري كان الأشتر أهلاَ لذلك، كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق، ومن كلام عمر: إنَّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لقوي في غير عنف، ولين في غير ضعف.

3 – من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر (رضي الله عنه) يذكر فيه الأشتر فيقول: ((إنّ الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحاً، وعلى عدونا شديداً، وقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب))(7).

4 – لما بلغ علياً (أمير المؤمنين) موت الأشتر قال: ((إنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمد لله ربِّ العالمين، اللّهم إنّي أحتسبه عندك فإنّ موته من مصائب الدهر)). ثمّ قال: ((رحم الله مالكاً فقد كان وفى بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه ، مع أنّا قد وطّنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّها من أعظم المصائب))، قال المغيرة الضبّي: لم يزل أمر علي شديداً حتى مات الأشتر(8).

5 – عن جماعة من أشياخ النخع قالوا: دخلنا على علي أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهّف ويتأسّف عليه ثمّ قال : ((لله در مالك ، وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فنداً(9)، ولو كان من حجر لكان صلداً، أما والله ليهدّن موتك عالماً، وليفرحن عالماً، على مثل مالك فليبك البواكي، وهل موجود كمالك؟)).

وقال علقمة بن قيس النخعي: فما زال عليّ يتلهّف ويتأسّف حتى ظننا أنّه المصاب دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياماً.

6 – قال ابن أبي الحديد(10) : كان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و نصره وقال فيه بعد موته : ((رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله))، دسَّ معاوية بن أبي سفيان للأشتر مولى عمر فسقاه شربة سويق فيها سم فمات، فلمّا بلغ معاوية موته قام خطيباً في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أمّا بعد، فإنّه كانت لعليِّ بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر، وقطعت الأُخرى اليوم وهو مالك الأشتر.

موقفه يوم صفين

قال أبان: سمعت سليم بن قيس يقول – وسألته: هل شهدت صفين؟ فقال: نعم، قلت: هل شهدت يوم الهرير؟ قال: نعم. قلت: كم كان أتى عليك من السن؟ قال: أربعون سنة، قلت: فحدثني رحمك الله. قال : مهما نسيت من شيء من الأشياء فلا أنسى هذا الحديث، ثمّ بكى وقال : صفُّوا وصففنا، فخرج مالك الأشتر على فرس له أدهم مجنب(11) وسلاحه معلّق على فرسه وبيده الرمح وهو يقرع به رؤوسنا ويقول: ( أقيموا صفوفكم ). فلمّا كتَّب الكتائب وأقام الصفوف أقبل على فرسه حتى قام بين الصفين فولى أهل الشام ظهره وأقبل علينا بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثمّ قال: ( أما بعد ، فإنّه كان من قضاء الله وقدره اجتماعنا في هذه البقعة من الأرض لآجال قد اقتربت وأُمور تصرّمت، يسوسنا فيها سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وابن عمّ نبينا وأخوه ووارثه، وسيو فنا سيوف الله، ورئيسهم ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق وبقية الأحزاب، يسوقهم إلى الشقاء والنار ، ونحن نرجو بقتالهم من الله الثواب ، وهم ينتظرون العقاب ، فإذا حمى الوطيس وثار القتال وجالت الخيل بقتلانا وقتلاهم رجونا بقتالهم النصر من الله، فلا أسمعن إلا غمغمة أو همهمة. أيُّها الناس، غضّوا الأبصار وعضّوا على النواجذ من الأضراس فإنّها أشد لضرب الراس، واستقبلوا القوم بوجوهكم وخذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم ، فاضربوا الهام وأطعنوا بالرماح ممّا يلي الشرسوف(12) (طعن)( موتورين بآبائهم وبدماء إخوانهم حنقين على عدوهم، قد وطَّنوا أنفسهم على الموت، لكيلا تذلّوا ولا يلزمكم في الدنيا عار). ثمّ التقى القوم فكان بينهم أمر عظيم ، فتفرّقوا عن سبعين ألف قتيل من جحاجحة العرب(13).

موقفه في التحكيم دخل إبراهيم بن الأشتر على مصعب بن الزبير، فسأله عن الحال كيف كانت؟ قال(إبراهيم بن الأشتر): كنت مع علي حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه وقد أشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه عليٌ يزيدَ بن هانئ ((أن ائتني)) فأتاه فبلّغه عن علي، فقال له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقعي وأنا أرجو أن يفتح الله لي، فرجع يزيد إلى علي فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا يزيد إذ ارتفع الرهج من قبل الأشتر وعلت الأصوات وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام، فقال له القوم: والله ما نراك أمرته إلا أن يقاتل القوم فقال علي: ((ومن أين ترون ذلك، أرأيتموني ساررته؟! أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية؟!)) قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك، فقال: ((ويحك يا يزيد ائته فقل له: أقبل إلي فإنّ الفتنة قد وقعت))، فأتاه يزيد فأخبره، فقال الأشتر: ألرفع هذه المصاحف؟ قال: نعم، فقال الأشتر: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت أنها ستوقع اختلافاً وفرقة، إنّها مشورة عمرو بن العاص، ثمّ قال ليزيد: ألاّ ترى إلى الفتح ألاّ ترى ما يلقون ما ينبغي لنا أن ندع هذا وننصرف عنه. قال فقال يزيد أتحب أنك ظفرت ها هنا وهو بمكانه الذي هو به – يعني علياً – انفرج عنه أو يسلم إلى عدوه؟! فقال الأشتر: سبحان الله لا والله ما أحب ذلك قال: فإنهم قد قالوا له: لترسلن إلى الأشتر فلياتك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان، فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم وصاح بهم: يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم ظهراً وظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! وقد والله تركوا ما أمر الله فيها وسنّة مَن أنزلت عليه، فلا تخشوهم وأمهلوني فواقاً(14) فإني قد أحسست بالفتح، فقالوا: لا والله، فقال: أمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر، قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك، فقال فحدّثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم متى كنتم محقّين أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون أم أنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون أم أنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال محقون فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيراً منكم في النار؟! قالوا دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله إنّا لسنا نطيعك فاجتنبنا، فقال خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود كنّا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى الله، أفراراً من الموت إلى الدنيا يا أشباه النيب(15) الجلاّلة؟! ما أنتم برائين بعدها عزاً أبد فابعدوا كما بعد القوم الظالمون، فسبّوه وسبّهم فصاح بهم علي، فكفوا وقالوا له: إن علياً قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن، فقال الأشتر قد رضينا بما رضي به أمير المؤمنين(16).

وقالت سلمى أم الأسود النخعي ترثي مالكاً(17):

نبا بي مضجعي ونبا وسادي***وعيني ما تهم إلى رقادي

كأن الليل أوثق جانباه***وأوسطه بأمراس شداد

أبعد الأشتر النخعي نرجو***مكاثرة ونقطع بطن واد

ولم ير مثله فيمن رأينا***ولم ير مثله في قوم عاد

أكر إذ الفوارس محجمات***وأضرب حين تختلف الهوادي

فرحم الله مالك الأشتر وجزاه خيراً عن الإسلام والمسلمين بما نافح وناضل عن دين الله وأطاع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعصّب للحق والعدل ونشر المساواة.

ـــــــــــــــــــ

(1) ـ أعيان الشيعة 13 :224.

(2) ـ أكثر سيادة.

(3) ـ أعيان الشيعة 13 :226-227.

(4)ـ شرح نهج البلاغة 15 : 99.

(5)- الظبة بتخفيف الباء: حد السيف .

(6)- شرح نهج البلاغة 3 : 417.

(7) – تأريخ الطبري 6 : 55 . نهج البلاغة 2 : 59 . الكامل في التاريخ 3 : 153 . شرح نهج البلاغة 2 : 30 . ذكر ترتيب هذه الكلمات النيرة التي سطّرها أمير المؤمنين بحق مالك، العلامة الأميني في موسوعة الغدير 9 : 38.

(8) – شرح نهج البلاغة 2 : 29 . انظر مستدرك الوسائل 2 : 440.

(9) – الفند بالكسر : القطعة العظيمة من الجبل .

(10) – تاريخ الطبري 6 : 255 . الكامل لابن الأثير 3 : 153 . شرح ابن أبي الحديد 15 : 98.

(11) – أي كان يقوده إلى جنبه ولم يركبه .

(12) -الشراسيف: مقاطع الأضلاع، وهي أطرافها التي تشرف على البطن، الصحاح (الجوهري) 4 : 138.

(13)- كتاب سليم بن قيس- تحقيق محمد باقر الأنصاري ص 334.

(14) -الفواق : بالضم وبالفتح ، ما بين الحلبتين.

(15) – النيب : جمع ناب وهي الناقة المسنة.

(16) – تاريخ مدينة دمشق – ابن عساكر 65 : 386.

(17) – نهج السعادة2: 462.

http://alhassanain.org


more post like this