قد يجيب بعض الآباء بأنّه يحبّ أبناءه بشكل لا يوصف وهو بذلك يقوم بخير الأعمال وأحبها لله ، ولكنه غافلاً عن أن الحبّ ليس فقط عواطف تافهة تطفح من قلبه تجاه الطفل ، بل الحبّ الحقيقي يعني :

أ ـ ( علاقته مع نفسه ) أن تفكر فيما يشعر به الطفل من أحاسيس ، هل يشعر بسعادة أم يتجرّع الكآبة ؟ لا يغرّك أنّه يضحك ويلهو، فكم من طفل يخفي وراء ضحكته ولهوه كثير من الشقاء والألم النفسي ! ثُمّ ما هي الصفات النفسية والملكات التي سيكتسبها لتصبح جزءاً من كيانه تلازمه مدى الحياة والتي قد لا يستطيع هو أن يغير منها حتى لو أراد ذلك ؟

ب ـ ( علاقته مع مجتمعه ) هل أنّ المجتمع يستطيع أن يحب ابنك كما تحبه أنت ؟ أم أنّه سيواجه كره وبغض المجتمع له لسوء تعامله معه ، وكيف سيستطيع أن يعيش سعيداً ناجحاً سوياً في مجتمع يكرهه ؟ إنّ الإنسان الذي يشعر أنّه مكروه يعيش جحيماً مهما توفرت له من وسائل الراحة المادية .

جـ ـ ( علاقته مع الحياة ) أن تفكر بمقدار نجاحه في الحياة ، ماذا يستطيع أن يعمل وأي نوع من الحياة سيعيش ؟ ماذا سيكون دوره في المجتمع ؟ وكيف سيواجه مشاكل الحياة ويصاحبها بعد أن تتركه وتذهب حيث يختارك الله .

د ـ ( علاقته مع الله ) أن تفكر كيف سيعيش مع الدّين ؟ وكيف سيتعامل مع القوانين الإلهية ؟ هل سيلتزم بما أمر الله ويحصل على رضاه ؟ أم سيعارض إرادته وبالتالي فمآله إلى الشقاء الأبدي مهما سعد في حياته ؟

إنّ الكثير من الأمور يجب أن يفكر فيها الأب أو الأمّ أو المربي ، والتي لها التأثير المباشر على سعادة الطفل أو شقائه .

وليعلم الوالدان أنّ كلّ كلمة يقولانها وكلّ موقف يتخذانه أمام الطفل فإنّ له أثراً كبيراً عليه .

حدثت قصة في باريس مفادها :

أنّ أحد الأطفال اتفق مع رفاقه على تنظيم عملية يجري عليها اختطافه ليكره أبوه بعد ذلك على دفع مبالغ طائلة إزاء الإفراج عنه ، وهكذا احتجزه رفاقه ، واتصلوا بوالده عن طريق الهاتف وأعلنوا أنّهم لن يفرجوا عنه ما لم يدفع لهم مائة ألف فرنك .

واضطر الأب إلى دفع المبلغ ، فذهب الطفل بعد الإفراج عنه مع بقية رفاقه يبددون الأموال في الملاهي والبارات ، وعندما اكتشف رجال الشرطة ذلك ، صرّح الطفل أمام لجنة التحقيق أنّه لم يرتكب أي ذنب وإنّما أراد الاقتداء بالرجال الذين طالما وصفهم أبوه بالصناديد  .

فعلى الوالدين المسلمين أن ينتبها إلى المسؤولية الدينية العظيمة الملقاة عليهما في تربية أطفالهما ، وليعلما أنّ الأطفال ودائع الله في أيديهما ، فالوالدان اللذان يؤدّيان واجبيهما الديني في تربية الأولاد وبصورة صحيحة يكونان قد أدّا الأمانة أداء كاملاً ، ويستحقان الأجر والثواب عند الله في ذلك ، أمّا الوالدان اللذان يتخلفان في ذلك فهما خائنان لأنفسهما ، ولأطفالهما ، وللمجتمع الذي يعيشون فيه ، وهما يستحقان العقاب العسير من الله ، وسيواجهون في الدنيا نتيجة سوء عملهما من أولادهما الذين سيجلبون لهم الشقاء والعار ، وسيتجرّعون الحسرة وهم ينظرون إلى نظرائهم الذين قد نجحوا في مهمتهم وهم يتمتعون بنتيجة ما قاموا به من واجبهم التربوي ، وأنتجوا .. ويشرّفونهم في الدنيا والآخرة . أي سيواجهون العذاب في الدنيا والآخرة ، والمجتمع مليء بأمثلة كثيرة تثبت صحة هذه الحقيقة ، تستطيع أن تتلمسها عن قرب في حياتك اليومية .

إنّ على الآباء والأمهات والذين سيصبحون عما قريب .. أن يعوا أنّ التربية هي مهمة مقدّسة من قبل الله الذي جعل مرحلة الطفولة عند الإنسان أطول من جميع مراحل الطفولة عند الكائنات الأخرى ، والمقصود من مرحلة الطفولة هي الفترة التي لا يستغني فيها الطفل تماماً عن أبويه ، مما يكسب موضوع التربية أهمية قصوى تحتاج إلى جلّ اهتمام الأب في الجدّ لأدائها بكلّ أمانة .

فهناك بعض الحيوانات التي لا تملك دوراً طفولياً أصلاً كأغلب الأسماك والحشرات ، إنّ السمكة تضع البيض في أحضان الطبيعة فيتكامل البيض على أثر العوامل الطبيعية ـ وبقلم القضاء الإلهي ـ وفي اليوم الذي تخرج فيه صغار الأسماك من البيض تذهب بنفسها وراء الحياة والطعام ، ولا تحتاج إلى رعاية الأبوين .

وهناك بعض الحيوانات التي تملك دوراً طفولياً كالسباع والطيور والدواب ، لأنّها بعد الولادة حتى فترة من الزمن تحتاج في التغذية والرعاية من الأبوين ، والبعض منها تحتاج إلى الأمّ فقط ، ولكنها بصورة عامة لا يتجاوز دور الطفولة عندها عن بضعة أسابيع أو أشهر فسرعان ما تنفصل عن الأبوين مستمرة في حياتها بصورة مستقلة أمّا مرحلة الطفولة عند أطفال الإنسان ( أي أيام احتياجهم إلى الأبوين ) فهي تطول على مثيلاتها عند الحيوانات بكثير وتمتد إلى فترة طويلة .

إنّ البنيان الجسدي لصغار الحيوانات ينمو بسرعة ، وبعد فترة قصيرة تكون جاهزة للانتفاع منها في طريق الحياة ، أمّا النمو الجسمي للأطفال عند الإنسان فهو يحتاج إلى وقت طويل .. فيجب أن تنقضي أشهر عديدة حتى يستطيع الطفل أن يفتح أصابعه ويمسك بها شيئاً ، ويستغرق سنة واحدة حتى يكون قادراً على المشي بعد الانكباب والنهوض ، وتحتاج إلى عامين أو أكثر لكي يتفتح لسانه تدريجياً للتكلم ، وتمرّ بعد ذلك أعوام كثيرة حتى يستطيع أن يدرك شيئاً عن العالم الخارجي بالنسبة إلى نفسه وأهله ، وأعوام أطول ضرورية له تكسبه نوعاً من الاستقلال والشخصية لكي يستطيع بهما من العيش لوحده في المجتمع .

اللبائن ترضع صغارها لعدة أسابيع أو أشهر وتلتزم برعايتها ، ثُمّ تتركها ، لأنّ الصغير قد جهز في هذه الفترة القصيرة بكلّ متطلبات الحياة ، ويقدر على إدارة نفسه بنفسه .

لكنّ المرأة ترضع طفلها عامين كاملين ، تلتزم برعايته طوال هذه المدة ، وتعتني بصحته ونظافته وحمايته عن الحوادث ، فتحافظ عليه من البرد ، والحر ، والحريق ، والغرق ، والسقوط ، وما شاكل ذلك .. وعندما تفطمه ، فليس طفلها إنساناً كاملاً، بل هو طفل عاجز ، يجب أن يخضع لرعاية الأبوين ، وتمرّ عليه السنين حتى يصبح إنساناً سوّياً قادراً على الحياة فأطفال الإنسان يجب أن يتلقوا من أمهاتهم بالإضافة إلى التغذية والصحة ، مناهج مفصلة عن الحياة وفي الواقع إنّ الأطفال يتلقون من أمهاتهم غذاءين : الغذاء المادّي والغذاء الروحي .

إنّ حجر الأمّ مضافاً إلى قيامه بالتغذية الجسدية ، يعتبر مدرسة لتربية الطفل ، وإنّ فترة هذه المدرسة طويلة ، فما لم يتخرّج الطفل من هذه المدرسة لا يزال طفلاً ، وهو يحتاج إلى الأمّ ، ولا يليق للانطلاق في الحياة  .

هذه الفترة الطويلة تحتاج إلى معلومات وخبرات كثيرة في مجال التربية تقترن من كثير من التفكير والتأمل والتروّي في الأسلوب الذي ستنتهجه لتربية أطفالك تربية سليمة مثمرة .

 

عبد الله محمد


more post like this