من المشهود أن في كل من الزوجين من الإنسان – أي الذكر والأنثى – إذا أدرك وصحت بنيته ميلاً غريزياً إلى الآخر ، وليس ذلك مما يختص بالإنسان ، بل ما نجده من عامَّة الحيوان أيضا على هذه الغريزة الطبيعية .

وقد جهز بحسب الأعضاء والقوى بما يدعوه إلى هذا الاقتراب والتمايل والتأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريباً في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة تكوينية إلى التوالد والتناسل ، الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع .

وقد جهز بأمور أخرى متمِّمة لهذه البغية الطبيعية ، كَحُب الولد وتجهيز الأنثى من الحيوان ذي الثدي باللبن لتغذي طفلها ، حتى يستطيع التقام الغذاء الخشن ومضغه وهضمه ، فكل ذلك تسخير إلهي يتوسَّل به إلى بقاء النوع .

ولذلك نرى أن الحيوان مع عدم افتقاره إلى الاجتماع والمدنية لسذاجة حياته وقِلَّة حاجته يهتدي حيناً بعد حين بحسب غريزته إلى الاجتماع الزوجي – الفساد – ، ثم يلتزم الزوجان أو الأنثى منهما الطفل أو الفرخ ، ويتكفلان أو تتكفَّل الأنثى تغذيته وتربيته ، حتى يدرك ويستقلَّ بإدارة رحى حياته .

ولذلك أيضاً لم يزل الناس منذ ضبط التاريخ سيرهم وسننهم تجري فيهم سنة الازدواج التي فيها نوع من الاختصاص والملازمة بين الرجل والمرأة لتجاب به داعية الغريزة ، ويتوسل به إلى تناسل الذرية ، وهو أصل طبيعي لانعقاد المجتمع الإنساني .

فإن من الضروري أن الشعوب المختلفة البشرية على ما لها من السعة والكثرة تنتهي إلى مجتمعات صغيرة منزلية انعقدت في سالف الدهور .

وما مرَّ من أن في سُنَّة الازدواج شيء من معنى الاختصاص هو المنشأ لما كان الرجال يعدُّون أهلهم أعراضاً لأنفسهم ، ويرون الذَّبَّ عن الأهل وصونها من تعرض غيرهم فريضة على أنفسهم ، كالذَّبِّ عن أنفسهم أو أشد ، والغريزة الهائجة إذ ذاك هي المسمَّاة بالغيرة وليست بالحسد والشُّح .

ولذلك أيضاً لم يزالوا على مرِّ القرون والأجيال يمدحون النكاح ويعدونه سنة حسنة ممدوحة ، ويستقبحون الزنا وهو المواقعة من غير علقه النكاح ، ويستشنعونه في الجملة ، ويعدونه إثماً اجتماعياً ، وفاحشة أي فعلاً شنيعاً لا يجهر به .

وإن كان ربما وجد بين بعض الأقوام الهمجية في بعض الأحيان وعلى شرائط خاصة بين الحرائر والشبَّان أو بين الفتيات من الجواري على ما ذكر في تواريخ الأمم والأقوام .

وإنما استفحشوه وأنكروه لما يستتبعه من فساد الأنساب ، وقطع النسل ، وظهور الأمراض التناسلية ، ودعوته إلى كثير من الجنايات الاجتماعية ، من قتل ، وجرح ، وسرقة ، وخيانة ، وغير ذلك ، وذهاب العفة ، والحياء ، والغيرة ، والمودة ، والرحمة .

غير أن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتُّع التام من مزايا الحياة الماديَّة ، وحريَّة الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية ، سواء فيه السنن القومية ، والشرائع الدينية ، والأخلاق الإنسانية إباحته إذا وقع من غير كره كيفما كان .

وربما أضيف إلى ذلك بعض شرائط جزئية أخرى في موارد خاصة ، ولم تبال بما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما يهوونه ويرتضونه والقوانين الاجتماعية تراعى رأي الأكثرين .

فشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى عمَّت المحصنين والمحصنات والمحارم ، حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به وكثر مواليدها كثرة كاد أن تثقل كفة الميزان .

وأخذت تضعف الأخلاق الكريمة التي كانت تتَّصف بها الإنسانية الطبيعية وترتضيها لنفسه بتسنين سنة الازدواج من العفة ، والغيرة ، والحياء ، يوماً فيوماً ، حتى صار بعض هذه الفضائل أضحوكة وسخريَّة .

ولو لا أن في ذِكر الشنائع بعض الشناعة ثم في خلال الأبحاث القرآنية خاصة لأوردنا بعض ما نشرته المنشورات من الإحصاءات في هذا الباب .

والشرائع السماويَّة على ما يذكره القرآن الكريم – وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآيات 151 – 153 من سورة الأنعام – تنهى عن الزنا أشد النهي ، وقد كان محرماً في ملة اليهود ، ويُستفاد من الأناجيل حرمته .

وقد نهى عنه في الإسلام وعُدَّ من المعاصي الكبيرة ، وأغلظ في التحريم في المحارم ، كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة ، وفي التحريم في الزنا ، مع الإحصان ، وهو زنا الرجل وله زوجة ، والمرأة ذات البعل .

وقد أغلظ فيما شرع له من الحد وهو الجلد مِائة جلدة ، والقتل في المرة الثالثة أو الرابعة لو أقيم الحد مرَّتين أو ثلاثاً ، والرجم في الزنا مع الإحصان .

وقد أشار سبحانه إلى حِكمة التحريم فيما نهى عنه بقوله : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ) الإسراء : 32 .

حيث عدَّه أولاً فاحشة ثم وصفه ثانياً بقوله : ( وَسَاء سَبِيلاً ) ، والمراد – والله أعلم – سبيل البقاء ، كما يستفاد من قوله تعالى : ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ) العنكبوت : 29 .

أي : وتتركون إتيان النساء الذي هو السبيل فتنقطع بذلك وليس إلا سبيلاً للبقاء من جهة تسببه إلى تولد المواليد وبقاء النسل بذلك ، ومن جهة أن الازدواج وعقد المجتمع المنزلي هو أقوى وسيلة يضمن بقاء المجتمع المدني بعد انعقاده .

فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح والازدواج ، إذ لا يبقى له إلا محنة النفقة ومشقة حمل الأولاد وتربيتها ، ومقاساة الشدائد في حفظها ، والقيام بواجب حياتها والغريزة تقنع من سبيل آخر من غير كد وتعب ، وهو مشهود من حال الشبان والفتيات في هذه البلاد .

وقد قيل لبعضهم : لم لا تتزوج ؟

فقال : وما أصنع بالازدواج وكل نساء البلد نسائي ، ولا يبقى حينئذٍ للازدواج والنكاح إلا شركة الزوجين في مساعي الحياة الجزئية غير التناسل كالشركة في تجارة أو عمل ، ويسرع إليهما الافتراق لأدنى عذر ، وهذا كله مشهود اليوم في المجتمعات الغربية .

ومن هنا أنهم يعدون الازدواج شركة في الحياة منعقدة بين الزوجين الرجل والمرأة ، وجعلوها هي الغاية المطلوبة بالذات من الازدواج دون التناسل وتهيئة الأولاد ولا إجابة غريزة الميل الطبيعي ، بل عدُّوا ذلك من الآثار المترتبة عليه إن توافقا على ذلك .

وهذا انحراف عن سبيل الفطرة والتأمل في حال الحيوان على اختلاف أنواعه يهدي إلى أن الغاية المطلوبة منه عندها هو إرضاء الغريزة الهائجة ، وتناسل الذرية ، وكذا الإمعان في حال الإنسان أول ما يميل إلى ذلك يعطى أن الغاية القريبة الداعية إليه عنده هو إرضاء الغريزة ، ويعقبه طلب الولد .

ولو كانت الغريزة الإنسانية التي تدفعه إلى هذه السنة الطبيعية إنما تطلب الشركة في الحياة والتعاون على واجب المأكل والمشرب ، والملبس والمسكن وما هذا شأنه يمكن أن يتحقَّق بين رجلين أو بين امرأتين لَظَهر أثره في المجتمع البشرى ، واستَنَّ عليه .

ولا أقل في بعض المجتمعات في طول تاريخ الإنسان وتزوج رجل برجل أحيانا أو امرأة بامرأة ، ولم تجرِ سُنَّة الازدواج على وتيرة واحدة دائماً ، ولم تقم هذه الرابطة بين طرفين ، أحدهما من الرجال والآخر من النساء أبداً .

ومن جهة أخرى أخذ مواليد الزنا في الازدياد يوماً فيوماً يقطع منابت المودة والرحمة ، وتعلق قلوب الأولاد بالآباء ، ويستوجب ذلك انقطاع المودة والرحمة من ناحية الآباء بالنسبة إلى الأولاد ، وهجر المودة والرحمة بين الطبقتين الآباء والأولاد يقضي بهجر سُنَّة الازدواج للمجتمع ، وفيه انقراضهم ، وهذا كله أيضاً مما يلوح من المجتمعات الغربية .

ومن التصور الباطل أن يتصور أن البشر سيوفق يوما أن يدير رحى مجتمعه بأصول فنيَّة وطرق علمية ، من غير حاجة إلى الاستعانة بالغرائز الطبيعية .

فيهيِّأ يومئذٍ طبقة المواليد مع الاستغناء عن غريزة حُبِّ الأولاد ، بوضع جوائز تسوقهم إلى التوليد والتناسل ، أو بغير ذلك كما هو معمول بعض الممالك اليوم .

فإن السنَن القومية والقوانين المدنية تستمدّ في حياتها بما جهز به الإنسان من القوى والغرائز الطبيعية ، فلو بطلت أو أبطلت انفَصَم بذلك عقد مجتمعه ، وهيئة المجتمع قائمة بأفراده وسُنَنه ، مبنيَّة على إجابتهم لها ورضاهم بها ، وكيف تجري في مجتمع سنة لا ترتضيها قرائحهم ولا تستجيبها نفوسهم ، ثم يدوم الأمر عليه .

فهجر الغرائز الطبيعية وذهول المجتمع البشرى عن غاياته الأصلية يهدد الإنسانية بهلاك سيغشاها ، ويهتف بأنَّ أمامهم يوماً سيتسع فيه الخرق على الراقع ، وإن كان اليوم لا يحسُّ به كل الإحساس لعدم تمام نمائه بعد .

ثم إن لهذه الفاحشة أثراً آخر سيئاً في نظر التشريع الإسلامي ، وهو إفساده للأنساب ، وقد بنى المناكح والمواريث في الإسلام عليها .

المصدر: تفسير الميزان 13/86.


more post like this