المقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأجل التسليم على النبي الأمين محمّد، وآله الطاهرين.

إنّ مسألة الأصول الحديثية تحتل مكانة عظيمة في مصادر التشريع، وفي رسم مختلف الخطوط الأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والعبادية، وغيرها، باعتبارها المعين الأصيل من نفحات العصمة الطاهرة.

وقد تناولت الأصول الحديثية في بحث مختصر، علّنا نوفق في المستقبل لدارسة أوفى، وأشمل.

ورتبته على أربعة مباحث:

1 ـ التعريف بالأصل، ووصف عام له.

2 ـ أسماء أصحاب الأصول مع تعريف موجز بهم.

3 ـ تاريخ الأصول الحديثية.

4 ـ قيمة هذه النصوص، والعناية بها.

آملين التوفيق منه سبحانه.

المبحث الأول
الأصل: تعريفه ووصف عام له :

ينقل عن الوحيد البهبهاني أن بعضهم قال: إنّ الكتاب ما كان مبوباً، ومفصلاً، والأصول مجمع أخبار، وآثار(1)، ورد عليه بأن كثيراً من الأصول مبوبة (2).

لذا، فهذا التعريف لم ينهض بالصحة، بينما نجد الشيخ الطهراني يخرج بتعريف أدق، وأشمل (3)، فيقول: إنّ كان جميع أحاديثه ـ كتاب الحديث ـ سماعاً من مؤلفه عن المعصوم ـ عليه السلام ـ ، أو سماعاً منه، عمن سمع عن الإمام ـ عليه السلام ـ، فوجود تلك الأحاديث في عالم الكتابة من صنع مؤلفها وجود أصلي بدوي ارتجالي، غير متفرع من وجود آخر، فيقال له الأصل.

وعليه فإن كان كتاب الحديث جميع أحاديثه، أو بعضها منقولاً، عن كتاب آخر سابق وجوده عليه، ولو كان هو أصلاً، وذكر صاحبه لهذا المؤلف أنّه مروياته عن المعصوم عليه السلام، وأذن له كتابتها، وروايتها عنه لكنها لم يكتبها عن سماع الأحاديث عنه، بل عن كتابته، وخطه، فيكون وجود تلك الأحاديث في عالم الكتابة من صنع هذا المؤلف، فرعاً عن الوجود السابق عليه، وهنا يشير الشيخ الطهراني في الذريعة في تعريفه الأخير للأصل: وهذا مراد الأستاذ الوحيد البهباني من قوله: الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم أو عن الراوي عنه (4).

إنّ الأصول الأربعمائة هي من أمهات الكتب الحديثية، وقد اعتمدتها الطائفة، واستقر عليها أمر المتقدمين، كما أشار إلى ذلك علماؤنا ومحققونا.

وان هذه الأصول الأربعمائة ليس بالضرورة أن يكون لها مؤلفون بعددها، فلعله أحياناً أن يكون المؤلف، أو الجامع واحداً لعدة أصول، ولكن صاحب الذريعة يؤكد على أنهم لم يكونوا أقل من أربعمائة(5).

ومن جهة أخرى، إننا لم نحصل على أسمائهم، وأعدادهم بشكل دقيق، وأن هذه الأصول لا توجد عندنا الآن، باستثناء عدد قليل منها، وربما يقدر بأكثر من خمسين، فيما لو ضممنا إليها بعض المخطوطات (الأصول)، هذا ما عبر به أحد العلماء الأجلاء. وليس سهلاً أن تحصى، وتستوفى هذه الأصول ـ وقد صرح بذلك الشيخ الطوسي ـ فأصحابنا منتشرون في كلّ البلاد.

وقد ذكر أنّه كتب أكثر من ستة آلاف كتاب، كلها من أحاديث الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ ، ولكن أين ذهبت هذه الثروة العلمية الهائلة، وماذا عرض لها؟ ، وترجع الأصول الأربعمائة إلى هذا العدد الكبير من المؤلفات، ولكن ما تعرض إليه الشيعة في العصر العباسي المظلم، وما تلتها من موجات الحقد على الفكر، والعلماء، قد عَرّضَتْ العديد من المكتبات بمخطوطاتها الثمينة إلى حرق، وغرق، منها: مكتبة شيخ الطائفة الطوسي (ره).

أن هذه الأصول لم يكن لها ترتيب خاص، لأن أغلبها جاءت على شكل أجوبة لمسائل، أو من املاءات المجالس، وقد عمد أصحاب الأصول الحديثية إلى نقل روايات هذه الأصول مرتبة، مبوبة، منقحة تسهيلاً للتناول، والانتفاع، وبسبب ذلك قلت الرغبة في استنساخ أعيانها، وضاعت النسخ القديمة تدريجياً، وكان قسم من تلك الأصول باقياً بالصورة الأولية إلى عهد ابن إدريس الحلي ت 598 هـ.

والأصل يتضمن، ويتصف بمسألتين:

1 ـ الرواية المروية عن المعصوم مباشرة، أو بواسطة واحدة.

2 ـ الأصول تتصف بأنها معتمدة، ومعتبرة.

وليس كلّ كتاب معتمد، أو معتبر يكون أصلاً، ومما يؤيد أن معنى الأصل أخذ فيه وصف الاعتماد أنّه لم يوصف أحد من هذه الأصول بالضعف أصلاً، إلاّ شاذاً شديد الشذوذ كالحسن بن صالح بن حسن مثلاً(6)، وبين الأصل، وبين الكتاب، والمصنف، والنوادر توجد فروق، فالكتاب أعم من الأصل، والمصنف، والنوادر، والنسبة بين الأصل، والنوادر هي: التباين ظاهراً، وإن لم يكن احتمال نسبة العموم والخصوص من وجه بينهما ببعيد(7)، ولمزيد من الإطلاع، فليراجع تلخيص مقباس الهداية للمامقاني(8).

وهذه الأصول موجودة كلها، فقسم منها بالهيئة التركيبية الأولية التي وجدت موادها بها، والبقية باقية بموادها الأصلية بلا زيادة، ولا نقيصة حرف، ضمن المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول مرتبة، مبوبة، منقحة، مهذبة (9).

وربما يسأل سائل أن هذه الأصول بتعرضها لهذه الظروف، لايمكننا بذلك أن نضمن وجودها، أو وجود محتواها، ولكن الجوامع الحديثية الأولى، وهي الكتب الأربعة: (الإستبصار والتهذيب والفقيه والكافي) ضمت محتوى أكثر هذه الأصول، فالكليني (ره) كان في الغيبة الصغرى، وكانت تلك الأصول موجودة آنذاك، بل حتّى في زمن الصدوق، مما يسر الحصول على رواياتها.

المبحث الثاني
أسماء أصحاب الأصول :

نحاول هنا أن نذكر أسماء أصحاب الأصول التي سجلها العلامة المحقق الشيخ الطهراني في كتابه الذريعة ملخصين التعريف بهم، لنقف على مكانتهم

 

الأستاذ علي الأوسي


more post like this