إنّ الدلالات السياسية المختلفة التي تتضمنها ظاهرة الحج في المجتمع الاسلامي تنطوي على سمات خاصة بهذا المجتمع ، فالسياسة ليس مؤسسة قائمة بذاتها ومنفصلة عن باقي جوانب وأبعاد الحياة الفردية والجماعية . بل هي لحظة تتدرج ضمن ممارسة شمولية متعددة الجوانب ، تعطي للنسق السياسي الاسلامي بعداً توحيدياً متميّزاً (1) .

وإذا ما وعينا هذه الحقيقة جيداً ، نستطيع أن نفهم أهميّة النداءات والتوجيهات التي أطلقها الامام الخميني ، بشأن الحج والحجيج ، إنّها نداءات وتوجيهات نابعة عن فهم واع حركي للإسلام ، أو هي بعبارة أخرى منطلقة من نظرة واعية للدور الذي يستطيع الحج أن ينهض به على ساحة التاريخ (2).

وقبل استعراض هذه النداءات والتوجيهات ، لابدّ من الوقوف على عمق فلسفة الحج عند الامام الراحل . فالطواف حول الكعبة يرى فيه الامام الخميني رمزاً لحرمة «الطواف والسعي حول (أية مبادىء) غير مبادئ الله ، وأن رجم الشيطان هو رمز لرجم كلّ شياطين الانس والجن في الأرض . أيها الحجاج . . اِحملوا من ربكم نداءً الى شعوبكم ، أن لا تعبدوا غير الله وأن لا تخضعوا لغيره» (3).

ولا يذهبنّ الظن بالبعض أنّ الامام الخميني قد انتبه مؤخراً الى هذا الفهم ، وتحديداً بعد انتصار ثورته الاسلامية ، بل إنه تصدّى الى قضايا المسلمين منذ وعى دوره التاريخي ، وقبل هذا الزمن بفترة ليست بالقصيرة . ولقد اقترنت اهتمامات الامام الراحل بموسم الحج باهتماماته الرامية الى إصلاح أوضاع المسلمين ، وتغيير ما هم عليه من ركود وخنوع وذل واستكانة . الامام أكّد دوماً على ضرورة استثمار هذه الفرص التي وفّرها الاسلام للمسلمين من أجل إعادة الاسلام الى مسرح الحياة ، وإعادة تكوين الأمة المسلمة الفاعلة على الساحة التاريخية .

يقول الامام(قدس سره) في بداية نفيه الى النجف الأشرف: «في الدول غير الاسلامية تنفق الملايين من ثروة البلاد وميزانيتها ، من أجل عقد مثل هذه الاجتماعات ، وإذا انعقدت فهي في الغالب صورية شكلية تفتقر الى عنصر الصفاء وحسن النية والاخاء المهيمن على الناس ، في اجتماعاتهم الاسلامية ، ولا تؤدي بالتالي الى النتائج المثمرة التي تؤدّي إليها اجتماعاتنا الاسلامية .

وضع الاسلام حوافز ودوافع باطنية تجعل الذهاب الى الحج من أغلى أماني الحياة ، وتحمل المرء تلقائياً الى حضور الجماعة والجمعة والعيد بكلّ سرور وبهجة . فما علينا إلاّ أن نعتبر هذه الاجتماعات فرصاً ذهبية لخدمة المبدإ والعقيدة; لنبيّن فيها العقائد والأحكام والأنظمة على رؤوس الأشهاد وفي أكبر عدد من الناس .

علينا أن نستثمر موسم الحج ، ونجني منه أطيب الثمار في الدعوة الى الوحدة والدعوة الى تحكيم الاسلام في الناس كافة ، علينا أن نبحث مشاكلنا ونستمد حلولها من الإسلام . علينا أن نسعى لتحرير فلسطين وغيرها .

المسلمون الأوائل كانوا يجنون من جماعاتهم وجمعاتهم وأعيادهم ومواقف حجهم أحسن الثمار» (4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د . حسن الضيقة; مقاله الآنف الذكر : 284 .
(2) الاستاذ محمد علي حسين: مقال «الفهم الواعي الأصيل للحج في أحاديث الامام الخميني» المنشور ضمن كتاب «مجموعة مقالات في الحج» م . س: 19 ـ 32 .
(3) من نداء الامام الى الحجاج عام 1399هـ .
(4) من محاضرات الامام في منفاه بالنجف الأشرف عام 1389هـ . (نقلا عن مقال الاستاذ محمد علي حسين المذكور اعلاه): 23
http://www.erfan.ir


more post like this