قال الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمً﴾1.

سبب النزول:

نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية من بني واقف،حيث تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم تَبُوك، وعذَرَ اللهُ أوليْ الضرر منهم، وهو عبد الله بن أم مكتوم2.

توضيح المعاني:

﴿أُوْلِي الضَّرَرِ﴾: المصابين بما يمنع من القيام بأمور الجهاد كالعمى، والعرج، والمرض.
﴿دَرَجَةً﴾: منزلة.

الإشارات والمضامين:

1- تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على المؤمنين القادرين القاعدين في بيوتهم:
الضرر هو النقصان في الوجود المانع من القيام بأمر الجهاد والقتال كالعمى، والعرج، والمرض، فالمقصود من ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ المؤمنين السالمين القادرين على الجهاد، وجملة ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً…﴾ في مقام التعليل لجملة ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾3.

2- الجهاد بالمال والنفس من أفضل القيم في الإسلام4:
المراد من “الجهاد بالأموال”، إنفاق المال للظَّفر على أعداء الدِّين، والمراد من “الجهاد بالأنفس”، القتال. وفي هذه الآية بيان لتفضيل الجهاد على القعود، وللجهاد هذه الأفضلية لأمرين:
أولاً: إذا كان في سبيل الله لا في سبيل هوى النفس.
ثانياً: بالجود بأعزّ الأشياء عند الإنسان وهو المال وبما هو أعزّ منه وهو النفس5.

3- الجهاد بالمال والنفس معيار منح المناصب للأفراد:
بما أن الله فضّل المجاهدين على القاعدين، لذلك يجب على المجتمع أيضاً أن يقول بهذا التفضيل، وأن يجعل لهم اعتباراً خاصاً في الحياة الاجتماعية، والاختيار، والمنح، والمعاملة6.

4- الجهاد من الواجبات الكفائية7:
بما أنّ الله في جملة: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ قد وعد المجاهدينَ وأيضاً المؤمنين القادرين القاعدين بالثواب الحسن، يتّضح أنّ الآية تتعلّق بالحالة التي لا يجب فيها خروج القاعدين، بسبب كفاية من خرج من المسلمين للقتال8. وكذلك يُفهم من الآية أنّ الجهاد من الواجبات الكفائية، لأنّه لو كان من الواجبات العينية، لما وُعِدَ المؤمنون القاعدون بالحسنى9.

5- الإيمان شرط شمول القاعدين القادرين بالثواب الإلهي:
كون جملة: “من المؤمنين”، حال لكلمة ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، يفهم منها أنّ مقارنة القاعدين عن القتال (وشمولهم بالثواب الإلهي) مع المجاهدين ممكنة إذا كان إيمانهم محفوظ، أي أن لا يكون قعودهم عن الجهاد نابعاً من عدم إيمانهم بأوامر الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم10.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾11.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾، والمراد بهم المهاجرين وقد وصفهم الله: بالإيمان، والهجرة، والجهاد. ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُو﴾، المراد بهم الأنصار، وقد وصفهم الله بصفتين: الإيواء، والنصرة. وقد جعلت هذه الآية الجميع مسؤولين بعضهم عن بعض، ويتعهد كل بصاحبه بقولها: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾.

الإشارات والمضامين:

1- أفضلية المهاجرين المجاهدين والأنصار على المؤمنين المهاجرين:
عبارة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ … أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تبيّن تفضيل صنفين من مؤمني صدر الإسلام، وهم المهاجرين والأنصار على غيرهم، وشهادة من الله تعالى لهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله دون غيرهم من المؤمنين الذين أقاموا في دار الشرك مع حاجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى هجرتهم12.

2- الجهاد في سبيل الله، ونصرة المؤمنين، ميدان تجلّي الإيمان الحقيقي:
الإيمان الحقيقي يتجلّى في الهجرة، وفي الجهاد، ونصرة المسلمين المجاهدين13. والمهاجرون والأنصار كانوا من الذين تحقّق إيمانهم بالهجرة والنصرة14.

3- قيمة الجهاد في كونه في سبيل الله:
قيمة الأعمال، – ومنها الجهاد -، تكون عندما تكتسب دافعاً إلهياً15.

4- عمل الأنصار (النصرة) في سبيل الله له نفس قيمة الهجرة والجهاد16:
يُفهم من خلال عطف عبارة ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُو﴾ على عبارة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ ومن خلال بيان أنّهم هم المؤمنون حقاً، والرزق الكريم لهم في الآخرة، أنّ نصرة المهاجرين والمجاهدين في سبيل الله لها نفس قيمة الهجرة والجهاد.

5- تقدير الله للمهاجرين المجاهدين والمناصرين لهم:
أثنى الله تعالى في هذه الآية على المهاجرين المجاهدين والأنصار من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّ﴾ قضاء من الله بثبوت الإيمان حقاً لهم، وثانياً: ﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ من الله لذنوبهم، وثالثاً: لهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مع الكرامة في الدنيا والآخرة17.

6- آثار الهجرة والجهاد في سبيل الله:
الهجرة والجهاد من أسباب المغفرة والرزق الإلهي18.

* كتاب آيات الجهاد، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة النساء، الآية 95.
2- تفسير مجمع البيان، ج3-4، ص147.
3- تفسير الميزان، ج5، ص 45-46.
4- تفسير راهنما، ج3، ص528.
5- تفسير الميزان، ج5، ص 45-47.
6- تفسير راهنما، ج3، ص528.
7- م. ن، ج 3، ص 528.
8- تفسير الميزان، ج5، ص46.
9- تفسير مجمع البيان، ج3، ص148.
10- تفسير راهنما، ج 3، ص 528.
11- سورة الأنفال، الآية 74.
12- تفسير المنار، ج10، ص 113.
13- تفسير نور، ج 4، ص 389.
14- تفسير مجمع البيان، ج 3-4، ص 864.
15- تفسير نور، ج 4، ص 389.
16- تفسير راهنما، ج 6، ص 581.
17- تقريب القرآن إلى الأذهان، ح 2، ص 361.
18- تفسير نور، ج 4، ص 389.

http://almaaref.org


more post like this