قال أمير المؤمنين عليه السلام: ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب، وحبنا رضا الرب تبارك وتعالى(1).

الشرح:- قوله (ذكرنا) المراد من الذكر في الرواية هو الوقوف على الجزئيات المحيطة بأهل البيت عليهم من حيث حياتهم ومن حيث حركاتهم وسكناتهم، إذ أن حياتهم عليهم السلام بجزئياتها المتنوعة تصب في رافد الله تبارك وتعالى، وبما أن الإنسان مخلوق تدخل مسألة النسيان في ضمن آلية خلقه نتيجة انجرافه في ملذات الحياة وبهرجتها فإن الأمير سلام الله عليه أراد أن ينوه على التذكر الدائم لأهل البيت عليهم السلام وبما في هذا التذكر من فوائد ترجع على نفس الفرد، فالتذكر عموما حالة صحية إذا أخذها الإنسان من جهة استخلاص العبر والدروس وعدم التمادي في الطغيان والغفلة التي تقوده إلى الهلاك، ولذا وردت آيات كثيرة تحض المؤمنين على التذكر فقد قال تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) فالتذكر أشارة إلى عدم النسيان والتغافل عنهم عليهم السلام ولاشك ولا ريب أن تذكرهم عليهم السلام فيه من الفائدة الشيء العظيم مما يعود نفعه على الدين والدنيا، فنستخلص منهم عليهم السلام العبر والدروس التي تقودنا إلى رضا الله سبحانه وتعالى وهو إشارة إلى قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

 

وأما قوله (شفاء) الشفاء هو البرء من المرض.

وقوله (الوعك) وهو الحمى، وقيل: ألمها، وقد وعكه المرض وعكا ووعك، فهو موعوك. والوعك: مغث المرض، وقيل: أذى الحمى ووجعها في البدن. ووعكته وعكا: دكته. والوعك: الألم يجده الإنسان من شدة التعب. ورجل وعك ووعك: موعوك، وهذه الصيغة على توهم فعل كألم، أو على النسب كطعم. والموعوك: المحموم، وقد وعكته الحمى تعكه. والممغوث والممعوك: المحموم.

 

وأما قوله (الأسقام) وهو المرض.

وأما كيف يكون ذكرهم عليهم السلام شفاء من الأمراض والأسقام؟

فإن هذا الأمر ليس بالعزيز إذ أن ذكرهم كما أسلفنا يهب للنفس الطمائنينة التامة باعتبارهم طريق معبد يقودنا إلى رحمة الله الباري عز وجل فإننا بهم عليهم السلام قد عرفنا المولى سبحانه وتعالى وبهم نتقرب إليه، ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يكون قريبا من الله سبحانه وتعالى يكون في غاية الراحة التي تبعده عن المرض والعلل، فالقلق النفسي الذي ينتاب الفرد نتيجة ابتعاده عن الله تعالى يؤدي بطبيعة الحال إلى انعكاسات غاية في السلبية على النفس الأمر الذي يُترجم على البدن على صورة أمراض وأسقام وعلل، قال تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وأيضا قال سبحانه (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).

ومن هنا نعلم أن ذكر أهل البيت عليهم السلام بالصورة الشمولية والاستشرافية لحياتهم لا تنفك عن معرفة الله ومعرفة الإسلام الكامل الذي يُبعد الإنسان عن الفوضى الفكرية والعقائدية والنفسية، ومن الضروري أن ينعكس هذا التذكر على حياة الفرد نفسيا وجسدياً قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) وأيضا قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) فهم القرآن الناطق وهم عِدله

.

ولعل مراد الأمير سلام الله عليه من الوعك والأسقام ما يصيب النفس من أمراض كالقلق والحسد والنفاق والكذب والصفات السلبية التي تصنع من الفرد حالة مرضية في محيطه الاجتماعي فيكون عنصراً موصوفاً بالتوتر ضارباً بكل الثوابت الدينية والإنسانية عرض الجدار مخلفاً وراءه حالة من التشرذم الاجتماعي بين أفراد مجتمعه، فهذا اللون من الأمراض أخطر بكثير مما يصيب البدن إذ من الصعب أن يُعالج إلا أن يكون نفس الفرد له الاقتضاء التام والرغبة الحقيقية نحو التغير قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)

 

وأما قوله (وسواس الريب) فإن الوسواس بالفتح: هو الشيطان. وكل ما حدثك ووسوس إليك

فالوسوسة تصيب الإنسان في جوانب مختلفة فمنها ما يصيب الإنسان بالعبادة ومنها ما يصيبه بالطهارة والنجاسة وأيضا ما يصيبه في عقيدته ومعتقداته فيلقي عليه الشيطان أفكاراً تزرع في نفسه الشك والريبة الأمر الذي يقوده بنهاية المطاف إلى الكفر والارتداد قال تعالى (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، ومن هنا أشار الأمير سلام الله عليه إلى أن ذكر أهل البيت عليهم السلام أمان من هذا اللون من الوسوسة وهو وسواس الريب باعتبار أن ذكرهم والأخذ بأقوالهم يقطع الطريق أمام الشيطان ويحول دون الوصول إلى نفس الفرد وتمكنه منه والسيطرة عليه.

وأما قوله (وحبنا رضا الرب تبارك وتعالى) فهو أشارة إلى قوله تعالى (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)

كما قد ورد في الخبر (عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل ” قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ” فقال: هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد صلى الله عليه وآله في أهل بيته)(2).

فحبهم عليهم السلام امتثال لأمر المولى سبحانه وتعالى كامتثال المكلفين لباقي الفرائض التي أوجبها تعالى على الناس.

والحمد لله رب العالمين.

 

(1) المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقى ج 1 ص 62.

(2) المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقى ج 1 ص 144.

http://alqazweeni.com


more post like this