فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الأبدية ، ورذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية ، فالتخلى عن الثانية والتحلى بالأولى من أهم الواجبات والوصول إلى الحياة الحقيقية بدونهما من المحالات ، فيجب على كل عاقل أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق التي هي الأوساط1 المثبتة من صاحب الشريعة والاجتناب عن رذائلها التي هي الأطراف ، ولو قصر أدركته الهلاكة الأبدية ، إذ كما أن الجنين لو خرج عن طاعة ملك الأرحام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى الدنيا سوياً سميعاً بصيراً ناطقاً ، كذلك من خرج عن طاعة نبي الأحكام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى عالم الآخرة كذلك .
( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) سورة الإسراء :72 .

ثم ما لم تحصل التخلية لم تحصل التحلية ولم تستعد النفس للفيوضات القدسية ، كما أن المرأة ما لم تذهب الكدورات عنها لم تستعد لارتسام الصور فيها ، والبدن ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إفاضة الصحة ، والثوب ما لم يُنقّ عن الأوساخ لم يقبل لوناً من الألوان فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا تنفع ما لم تتطهر النفس من الصفات المذموية كالكبر والحسد والرياء ، وطلب الرياسة والعلى وإرادة السوء للأقران والشركاء . وطلب الشهرة في البلاد وفي العباد ، وأي فائدة في تزيين الظواهر مع إهمال البواطن .

وَمَثلُ من يواظب على الطاعات الظاهرة ويترك تفقد قلبه كقبور الموتى ظاهرها مزينة وباطنها جيفة ، أو كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهره وباطنه مظلم ، أو كرجل زرع زرعاً فنبت ونبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه عن أصله فأخذ يجز رأسه ويقطعه فلا يزال يقوى أصله وينبت ، فأن الأخلاق المذموية في القلب هي مغارس المعاصي فمن لم يطهر قلبه منها لم تتم له الطاعات الظاهرة ، أو كمريض به جَرب وقد أُمر بالطلاء ليزيل ما على ظهره ويشرب الدواء ليقلع مادته من باطنه فقنع بالطلاء وترك الدواء متناولاً ما يزيد في المادة فلا يزال يطلى الظاهر والجرب يتفجر من المادة التي في الباطن .

ثم إذا تخلت عن مساوئ الأخلاق وتحلت بمعاليها على الترتيب العلي استعدت لقبول الفيض من رب الأرباب ، ولم يبق لشدة القرب بينهما حجاب ، فترتسم فيها صور الموجودات على ما هي عليها ، على سبيل الكلية ، أي بحدودها ولوازمها الذاتية لأمتناع إحاطتها بالجزئيات من حيث الجزئية ، لعدم تناهيها ، وأن علمت في ضمن الكليات لعدم خروجها عنها ، وحينئذ يصير موجوداً تاماً أبدى الوجود سرمدي البقاء ، فائزاً بالرتبة العليا ، والسعادة القصوى ، قابلاً للخلافة الإلهية ، والرئاسة المعنوية ، فيصل إلى اللذات الحقيقية ، والإبتهاجات العقلية التي ما رأتها عيون الأعيان ، ولم تتصورها عوالى الأذهان .

ـــــــــ

1ـ جامع السعادات : 9 .


more post like this