“عالم الذر” أو “عالم الميثاق” عبارة عن زمان أو مرحلة أو ميدان أو موطن أو عالم قبل هذا العالم و فيه أخرج الله جميع الناس من صلب آدم(ع) على هيئة الذر و بعد أن تعلقت الأرواح بهذا الذر أخذ الله سبحانه منهم العهد و الميثاق على ربوبيته و نبوة أنبيائه و ولاية الأئمة المعصومين(ع).

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}. (سورة الأعراف الآية 172).

وجاءت الروايات لتؤيد ذلك وتشرحه وتبين: أن الله سبحانه وتعالى قد أخذ من بني آدم في عالم الذر ذريتهم، وأشهدهم على ألوهيته، ونبوة نبينامحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وولاية مولانا علي أمير المؤمنين (عليه السلام). وقد شهدوا بذلك. وأخذ الله عليهم الميثاق به. وأشهد الملائكة على قبولهم لهذا الميثاق.

وقد صرحت الآية الشريفة أيضاً بأنهم سيعتذرون يوم القيامة، بأنهم قد نسوا في دار الدنيا ميثاقهم هذا، وعملوا بخلافه.

وبعد: ذكرت الروايات الشريفة أن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام أو أكثر، وانه سبحانه جعل الأبدان كالذر وامتحنهم في ذلك العالم، فقد ورد في رواية علي بن معمّر عن أبيه قال:

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى) الطور:56، قال: «إن الله تبارك وتعالى لمّا ذرأ الخلق في الذرّ الأول فأقامهم صفوفاً قدّامه، بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله فآمن به قوم وأنكره قوم، فقال الله: (هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى)، يعني به محمداً صلى الله عليه وآله حيث دعاهم الى الله عز وجل في الذرّ الأول»(1).

قال الإمام الشيرازي: فالامتحان هناك كان بالنسبة إلى الألوهية، وبالنسبة إلى النبّوة، وبالنسبة إلى الولاية، ولعله كان ايضاً بالنسبة إلى المعاد.

وظاهر بعض الروايات إن الدنيا مبنية على ذلك العالم ـ ولو بنحو المقتضي ـ حيث أن الله تبارك وتعالى ابتلى الخلق في بدء الخلقة في عالم الذرّ قبل ابتلائهم في هذه الدنيا.

وفي روايات متعددة إشارة الى هذا الإمتحان هناك في عالم الذرّ، فقد ورد في زيارة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: «يا ممتحنة، امتحنك الله الذي خلقك قبل ان يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة». (2)

عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جاء رجل إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : والله يا أميرالمؤمنين إني لاحبك ، فقال : كذبت .

فقال الرجل : سبحان الله ! كأنك تعرف مافي قلبي .

فقال علي عليه السلام : إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ثم عرضهم علينا ، فأين كنت لم أرك. (3)

كيفية الإمتحان:

الروايات مختلفة فيه ولعله كانت هناك امتحانات متعددة كما أن البشر في الدنيا يمتحن بامتحانات مختلفة: امتحان بالإيمان وبالصوم وبالصلاة وبالخمس والزكاة وبالحج والجهاد وغير ذلك، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) البقرة:155.

ففي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لو علم الناس كيف كان ابتداء الخلق لما اختلف اثنان، فقال: ان الله تبارك وتعالى قبل ان يخلق الخلق قال: كن ماءً عذباً اخلق منك جنتي واهل طاعتي، وقال: كن ماءاً ملحاً أجاجاً أخلق منك ناري واهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافراً ويلد الكافر مؤمناً، ثم اخذ طين آدم من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً فإذا هم في الذرّ يدبون، فقال لأصحاب اليمين: الى الجنة بسلام، وقال لأصحاب النار: الى النار ولا أبالي: ثم أمر ناراً فأسعرت فقال لأصحاب الشمال ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها، فقال: كوني برداً وسلاماً فكانت برداً وسلاماً، فقال اصحاب الشمال: يا رب اقلنا، فقال قد اقلتكم فادخلوا فذهبوا فهابوها، ثم ثبتت الطاعة والمعصية فلا يستطيع هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء ولا أن يكونوا من هؤلاء». (4)

سؤال و تعقيب:

اذا کان الإنسان هو من اختار حياته في عالم الذر، مثلا التاجر هو من اختار أن يكون تاجراً والنبي هو من اختار ذلك، وابن الزنا هو من اختار أن يكون كذلك، وإنما الحياة الدنيا هي دار تطبيق لما اخترناه هناك في عالم الذر.

وقد استدل على قوله من أنه لا يمكننا أن ننسب كون ابن الزنا ابن زنا من الله تعالى، لأن الله تعالى لا يأتي بالقبيح، ثم لكي لا تكون لنا حجة على الله يوم القيامة.

فبما أننا لا ننسب هذا الاختيار القبيح إلى الله تعالى لعلمنا بعدله، نسبنا هذا الاختيار القبيح إلى أنفسنا.

معنى «لا يستطيع» أي ان اهواءهم لا تتركهم هكذا وإلا فلهم الاختيار والإرادة، وحيث ان لهم الإرادة يثاب ويعاقب، وإلّّا فما لا إرادة له لا ثواب ولا عقاب له، وهذا ما يشار إليه من الاقتضاء لا العلية التامة، وتفصيل الكلام في علم الكلام.

وفي حديث جابر عن الإمام الباقر عن أمير المؤمنين عليه السلام: «قال تبارك وتعالى للملائكة: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) الحجر:28ـ29، قال: وكان ذلك من الله تعالى في آدم قبل ان يخلقه واحتجاجاً منه عليهم، قال: فاغترف ربنا عز وجل غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين».

قال الإمام الشيرازي قدس سره: والظاهر أن المراد من (اليمين) اليمن لأن الله منزّه عن الجسم والجسمانيات، فلذا قال: (كلتا يديه يمين) أي انه لا شؤم في الله سبحانه وتعالى كما في الإنسان حيث يمينه أفضل من شماله أو ما شابه.

قال عليه السلام: «فصلصلها في كفّه حتى جمدت فقال لها: منك اخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين ولأئمة المهتدين والدعاة الى الجنة واتباعهم الى يوم القيامة ولا ابالي ولا أسأل عمّا أفعل وهم يُسألون».

المراد بـ(كفه) أي بقدرته كما لا يخفى، ووجه ان الله لا يسأل عما يفعل: انه يفعل كل شيء حسب العلم والحكمة والمصلحة، أما الإنسان فيسأل لأنه يفعل بعض الأشياء حسب الحكمة والمصلحة وبعض الأشياء حسب الجهل والمفسدة أو مع الشك أو ما شابه ذلك، وإنما يسأل النبيون عليهم السلام كما في القرآن الحكيم حيث قال: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) الأعراف:6، لأن الحكم لما جاء يجب ان يكون عاماً، كما أشار الى ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام بأنه انما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الموت لا لأنه تنجّس جسمه الشريف ـ والعياذ بالله ـ بل لجريان السنة(5)

وفي رواية زرارة: «إن رجلاً سأل أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الأعراف:172، فقال ـ وأبوه عليه السلام يسمع ـ: حدّثني أبي ان الله عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم عليه السلام، فصبّ عليها الماء العذب الفرات ثم تركها أربعين صباحاً ثم صبّ عليها الماء المالح الأجاج فتركها أربعين صباحاً فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركاً شديداً، فخرجوا كالذّر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعاً ان يقعوا في النار فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم برداً وسلاماً، وأبى اصحاب الشمال ان يدخلوها». (6)

عالم ذر

وعن ابن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كنا عنده فذكرنا رجلاً من أصحابنا فيه حدة فقال: إن الله تبارك وتعالى في وقت ما ذرأهم أمر أصحاب اليمين ـ وأنتم هم ـ أن يدخلوا النار فدخلوها فأصابهم وهج فالحدة من ذلك الوهج، وأمر أصحاب الشمال ـ وهم مخالفون ـ أن يدخلوا النار فلم يفعلوا فمن ثم لهم سمت ولهم وقار. (7)

ولعل المراد بالحدة في مثل هذه الرواية: إن أهل الحق مصرّون على حقهم ويرون أن مخالفيهم لا يتكلّمون بمنطق وتعقل وإنما بتهريج وما أشبه ذلك.

وقد يكون من باب قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح:29.

وأما أهل الباطل فحيث يعلمون ـ عادة ـ ببطلان طريقتهم فيتسمون بالوقار الظاهري وما أشبه ذلك حتى يخفوا في ذلك الظاهر المليح الواقع القبيح…(ومثل هذا ما ذكره علماء النفس والإجتماع في سبب اتصاف الأقليات عادة ببعض المحاسن وذلك ليغطوا ضعفهم في الكم بقوة في الكيف).

فهناك أصل خلقة أولي، وأصل خلقة ثانوي في عالم الذرّ، وهناك تقدم الارواح خلقة على الاجساد، وهناك امتحان وهناك اصول تقتضي الطاعة واصول تقتضي المعصية، وهناك مكالمة بين الله وبين المخلوقات، وهناك طاعة وعصيان، وهناك …وهناك.. مما يعلمه الله تبارك وتعالى وكل ذلك لا يوجب حتماً بالنسبة الى هذا العالم، بأن يكون المطيع هناك مطيعاً هنا أو العاصي هناك عاصياً هنا، كما سبقت الإشارة بكونها الى محتوى الإنقضاء لا العلّة التامة، لأن لله البداء بمعناه المعروف عند المتكلمين الذي يرجع الى الإبداء حيث ان الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ولا سابقاً ولا لاحقاً ولا حالاَ.

المصادر:

1- بحار الأنوار: ج5ص234ب10ح7

2- التهذيب ج6ص9ب16ح12

3-البصائر87

4-المحاسن: ص282باب بدء الخلق ح412، وبحار الأنوار: ج5ص252ب10ح48

5- تهذيب الأحكام: ج1ص469ب23ح186

6-الكافي: ج2ص7ح2

7-بحار الأنوار ج5ص241ب10ح27

 


تعريف البداء

حقيقة البداء في ضوء الكتاب والسُّنة

http://www.tebyan.net


more post like this