النبوة والرسالة      

إن لفظة (الرسول) بمعنى (حامل الرسالة)، ولفظة النبي إذا كانت مشتقة من مادة (نبأ) فالنبي بمعنى (صاحب الخبر المهم)، وإذا كانت مشتقة من مادة (نبو) فهو بمعنى: (صاحب المقام الرفيع والشريف). وإعتقد البعض أن مفهوم النبي أعم من مفهوم الرسول وذلك لأن النبي هو الذي نزل عليه الوحي من الله، سواء كان مأمورا بالإبلاغ للآخرين أم لم يكن، بينما الرسول هو المأمور بإبلاغ الوحي أيضا، ولكن هذا التفسير غير صحيح، وذلك لأنه ذكرت بعض الآيات الكريمة صفة (النبي) بعد صفة (الرسول) “(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا)(مريم:51)، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا)(مريم:54). مع أنه وفق التفسير المذكور، يلزم أن تذكر الصفة التي تتضمن المفهوم العالم وهي (النبي) قبل ذكر الصفة الخاصة (الرسول) اضافة إلى عدم وجود دليل على اختصاص الأمر بإبلاغ الوحي بالرسل.

وورد في بعض الروايات أن مقتضى مقام النبوة أن يرى صاحبها ملك الوحي في النوم، وأن يسمع صوته فحسب في اليقظة، بينما صاحب مقام الرسالة يشاهد ملك الوحي في اليقظة أيضا1.

ولكن هذا الفرق لا يمكن حمله على مفهوم اللفظ، وعلى كل حال فالذي يمكن تقبله أن النبي من حيث المصداق (لا المفهوم) أعم من الرسول، أي أن الأنبياء جميعا كانوا يملكون مقام النبوة. وأما مقام الرسالة فهو مختص بجماعة منهم، وعدد الرسل وفق الرواية السابقة (ثلاثمئة وثلاثة عشر) وبطبيعة الحال يكون مقامهم أسمى من مقام سائر الأنبياء كما أن الرسل لم يكونوا متساوين من حيث الدرجة والفضيلة (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(البقرة:253)”. وقد نال بعضهم مقام (الإمامة) أيضاً “(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(البقرة:124)”.

يستفاد من روايات أهل البيت عليهم السلام أن عدد الأنبياء أولي العزم خمسة، وهم بحسب الترتيب الزمني: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد بن عبد الله عليهم الصلاة والسلام2.

 

الأنبياء أولو العزم‏

عبر القرآن الكريم عن جماعة من الأنبياء بأنهم (أولو العزم) “(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)(الأحقاف:35)”. ولكن لم يحدد خصائصهم. ويستفاد من روايات أهل البيت عليهم السلام أن عدد الأنبياء أولي العزم خمسة، وهم بحسب الترتيب الزمني: نوح و إبراهيم، و موسى، و عيسى و محمد بن عبد الله عليهم الصلاة والسلام2. والميزة التي يتميزون بها، إضافة للصبر والإستقامة المتميزة التي تمتعوا بها، وأشير اليها في القرآن الكريم هي: إن لكل واحد منهم كتابا وشريعة مستقلة، وقد إتبع شريعته الأنبياء المعاصرون له، أو المتأخرون عنه، حتى يبعث نبي آخر من أولي العزم بالرسالة، ويأتي بكتاب وشريعة جديدة.

ومن خلال ذلك إتضح أن من الممكن إجتماع نبيين في زمان واحد، كما عاصر لوط إبراهيم عليه السلام وهارون موسى عليه السلام ويحيى عيسى عليه السلام، في زمان واحد.

 

ملاحظات‏

في نهاية هذا المقال نشير بإيجاز إلى بعض الملاحظات ونقتصر على ذكر عناوينها، دون إطالة البحث عنها:

أ- إن أنبياء الله يصدق بعضهم بعضاً، ويبشر السابق منهم ببعثة النبي اللاحق “(وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)(آل عمران:81)”.

ومن هنا، فإن مدعي النبوة الذي يكذبه الأنبياء السابقون أو المعاصرون له يعتبر كاذباً.

ب- إن أنبياء الله لم يطلبوا الأجر على ممارسة وظائف النبوة ومهامها من الناس3، ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله لم يطلب من أمته أجراً لرسالته إلا ايصاءهم بالمودة لأهل بيته “(ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(الشورى:23)”. ليؤكد أكثر على إتباعهم والتمسك بهم، وفي الواقع إن فوائد ومعطيات هذه الوصية تعود للأمة نفسها “(قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(سبأ:47)”.

ج- كان لبعض أنبياء الله مناصب الهية أخرى أمثال القضاء والحكم، ويمكن أن نذكر من جملة هؤلاء الأنبياء السابقين داوود وسليمان عليهم السلام، ويمكن أن يستفاد من الآية (64) من سورة النساء التي فرضت الإطاعة لكل رسول بصورة مطلقة أن الرسل جميعا كانوا يتمتعون بمثال هذه المناصب.

والميزة التي يتميزون بها، إضافة للصبر والإستقامة المتميزة التي تمتعوا بها، وأشير اليها في القرآن الكريم هي: إن لكل واحد منهم كتابا وشريعة مستقلة، وقد إتبع شريعته الأنبياء المعاصرون له، أو المتأخرون عنه، حتى يبعث نبي آخر من أولي العزم بالرسالة، ويأتي بكتاب وشريعة جديدة.

د- إن بعض الجن وهم نوع من المخلوقات المختارة والمكلفة، ولا يمكن للبشر رؤيتهم في الظروف العادية إطلعوا على دعوة بعض الأنبياء الإلهيين، وقد آمن بهم بعض صلحائهم وأتقيائهم، وكان من بينهم أتباع لموسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله “(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)(الأحقاف:29-32)”. كما أن بعضهم كفروا بأنبياء الله إتباعاً للشيطان “(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)(الجن:1-14)”.

*دروس في العقيدة الاسلامية

——————————————————————————–

الهوامش:

1- أصول الكافي، ج‏1، ص‏176.

2- بحار الأنوار، ج‏11، ص‏33 34، ومعالم النبوة، ص‏113.

3- الأنعام:90، ويس:21، والطور:40، والقلم:46، ويونس:72، وص:86، وهود:29 و51، والفرقان:57، والشعراء:109 و127 و145 و164 و180، ويوسف:104.


قرائن والشواهد النبي الصادق 

القرآن والدّعوى الكاذبة (1) 

الإعجاز شبهات وحلول 

صدق دعوى الأنبياء

خصائص الأنبياء (1) 

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة؟ (1) 

هل الإعجاز يخالف أصل العليّة؟ 

http://www.tebyan.net


more post like this