تعدد الأنبياء

مع ملاحظة قصور المعرفة البشرية من الوصول لكل المعلومات والمعارف المؤثرة في السعادة الدنيوية والاخروية، فإن الحكمة الإلهية تقتضي تعيين نبي أو أنبياء يتم تعليمهم ببعض الحقائق الضرورية ليبلغها اولئك لسائر البشر بصورة سليمة، دون أن تتعرض لأي تشويه وتلاعب. ومن ناحية أخرى، على الرسل إبلاغها للآخرين بصورة تتم الحجة عليهم، وأفضل الطرق وأكثرها شمولية في هذا المجال هو إظهار المعجزة. وقد أثبتت هذه المفاهيم بالبراهين العقلية، ولكن هذه البراهين لا تدل على ضرورة تعدد الأنبياء والكتب والشرائع السماوية. فإذا افترضنا أن ظروف الحياة البشرية بالصورة التي يمكن فيها لنبي ما أن يبين كل ما يحتاج اليه البشر، حتى نهاية العالم، بحيث يتمكن كل فرد أو جماعة عبر التاريخ من التعرف على وظيفته من خلال رسالة هذا النبي فإن ذلك لا يكون مخالفا لهذه البراهين. ولكننا نعلم:

أولاً: إن عمر الإنسان أي إنسان كان ومنهم الأنبياء محدود وقصير، ولا تقتضي حكمة الخلق بقاء النبي الأول حيا حتى نهاية العالم، ليهدي جميع البشر بشخصه.

ثانياً: الملاحظ عدم اتحاد وتشابه ظروف الحياة البشرية في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهذا الإختلاف والتغير في الظروف، وخاصة مع ملاحظة التعقيد التدريجي الذي تتعرض له العلاقات الإجتماعية، يمكن أن يكون له تأثيره في كيفية الأحكام والقوانين الإجتماعية وكميتها، وربما تطلب ذلك أحيانا تشريع قوانين جديدة، وإذا فرض بيان مثل هذه القوانين وإبلاغها بواسطة نبي مبعوث قبل آلاف السنين، لكان مثل هذا البيان والإبلاغ عبثا ولغوا، كما يشق الحفاظ عليها، ويعسر تنفيذها في مجالاتها الخاصة.

ثالثاً: في الكثير من الأزمنة والعصور السابقة، لم تكن وسائل الإعلام وإمكانات النشر متوفرة لدعوة الأنبياء بالصورة التي يمكن للنبي إيصال رسالته لجميع البشر في العالم.

رابعاً: إن تعاليم النبي قد تتعرض في وسط الأمة التي تلقت هذه التعاليم منه وبمرور الزمن، ونتيجة لشتى العوامل إلى التحريف1. والى تفسيرات منحرفة خاطئة لها، وبعد فترة من الزمن ربما تتحول إلى دين مشوه ومنحرف، كما هو الملاحظ في دين عيسى عليه السلام التوحيدي حيث تحول لدين التثليث.

مع ملاحظة قصور المعرفة البشرية من الوصول لكل المعلومات والمعارف المؤثرة في السعادة الدنيوية والاخروية، فإن الحكمة الإلهية تقتضي تعيين نبي أو أنبياء يتم تعليمهم ببعض الحقائق الضرورية ليبلغها اولئك لسائر البشر بصورة سليمة، دون أن تتعرض لأي تشويه وتلاعب. ومن ناحية أخرى، على الرسل إبلاغها للآخرين بصورة تتم الحجة عليهم، وأفضل الطرق وأكثرها شمولية في هذا المجال هو إظهار المعجزة.

ومن خلال هذه الملاحظات تتضح الحكمة في تعدد الأنبياء عليهم السلام وإختلاف الشرائع السماوية حول بعض الأحكام العبادية والقوانين الإجتماعية ?وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ?(المائدة:48)”. بالرغم من إتحادها في أصول العقائد والأسس الأخلاقية، وإشتراكها في أصول الأحكام الفردية والإجتماعية “?إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ?(آل عمران:19-20)”. فالصلاة مثلاً مشرعة في جميع الأديان السماوية، وإن إختلفت الامم في طريقة أدائها أو في قبلتها، وكذلك الزكاة والانفاق، فهي مشرعة في كل الشرائع، وإن إختلفت في مقدارها ومواردها.

وعلى كل حال، يجب على كل إنسان الإيمان بجميع الأنبياء، وعدم التفريق بينهم، في مجال الإعتقاد والتصديق بالنبوة، وكذلك التصديق بكل الرسالات والتعاليم النازلة عليهم “?شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ?(الشورى:13)”. وعدم التفريق بينها، ولا يحق تكذيب أي نبي منهم، أو تكذيب أي حكم من أحكامهم، بل إن تكذيب واحد منهم، بمثابة تكذيب لجميعهم، وإنكار حكم إلهي واحد يعتبر إنكارا لجميع أحكام الله “?إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً?(النساء:150)2″. وبطبيعة الحال فإن الوظيفة العملية لكل امة، في أي زمان، إتباع التعاليم العملية، لنبي تلك الأمة وذلك الزمان.

والملاحظة التي يلزم التأكيد عليها هنا: أن العقل الإنساني وإن أمكنه التوصل من خلال الملاحظات السابقة إلى إدراك الحكمة في تعدد الأنبياء والكتب السماوية، والإختلاف بين الشرائع السماوية، بحيث يمكنه الحكم بالتحديد وعلى ضوء ذلك في أي زمان أو مكان يلزم بعثة نبي جديد، أو شريعة جديدة، وكل ما يمكنه فهمه عدم الضرورة لبعثة نبي آخر، فيما لو كانت الظروف التي يعيشها البشر بالصورة التي تصل معها دعوة الأنبياء لجميع البشر، وتبقى معها الرسالة سليمة ومصونة للمستقبل، وعدم حدوث تغير كبير في الظروف الإجتماعية يفرض تشريعات أساسية جديدة، وتغيرا في الأحكام والقوانين الموجودة.

 

عدد الأنبياء

إن العقل لا يملك طريقاً يثبت من خلاله عدد الأنبياء والكتب السماوية، ولا يتيسر إثبات أمثال ذلك إلا من طريق الدليل النقلي. والقرآن الكريم وأكّد أن الله تعالى بعث لكل أمة نبياً ?إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ?(فاطر:24). ولكنه لم يحدد عدد الأمم وأنبيائهم، وإنما اقتصر على ذكر أسماء عشرين أو أكثر بقليل، من الأنبياء عليهم السلام واشار لقصص وحكايات بعض منهم دون ان يصرح بأسمائهم “?أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ?(البقرة:246)، ?وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ?(البقرة:248)”. ولكن ورد في بعض الروايات عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام3. أن الله بعث مئة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء، وأن سلسلة الأنبياء تبدأ من آدم أبي البشر عليه السلام وتختم بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

وبالإضافة لإطلاق تسمية (النبي) على أنبياء الله، وهو يدل على هذا المنصب الإلهي الخاص، فإنهم يمتلكون صفات أخرى أمثال (النذير) و(المنذر) و(المبشر) “?كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ?(البقرة:213)” وإعتبروا من (الصالحين) و(المخلصين) وقد بلغ بعضهم مقام (الرسالة) وورد في بعض الروايات أن عدد الرسل الإلهيين ثلاثمئة وثلاثة عشر4.

ولذلك يقع البحث هنا عن مفهوم النبوة والرسالة، والفرق بين النبي والرسول.

*دروس في العقيدة الاسلامية

————————————————————-

الهوامش:

1- للتعرف على نماذج من هذه التحريفات يراجع كتاب (الهدى إلى دين المصطفى) العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي.

2- البقرة:85.

3- يلاحظ كتاب الاعتقادات للصدوق، وبحار الأنوار، ج‏11، ص‏28 و32 وص‏41 من الطبعة الجديدة.

4- بحار الأنوار، ج‏11، ص‏32 من الطبعة الجديدة.


المسلمون ووحي القرآن (6)

المسلمون ووحي القرآن (5)

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة؟ (1)

هل الإعجاز يخالف أصل العليّة؟

الفرق بين المعجزةُ و السحر؟

ضرورة بعثة الأنبياء

عقيدتنا في النبوّة

http://www.tebyan.net


more post like this