عني الاسلام منذ بعث الله به آخر رسله قبل أربعة عشر قرناً من الزمان بحقوق الانسان، كل إنسان، من أي جنس كان، ومن أي دين كان، ومن أي إقليم كان.
وذلك بناء على فلسفته في تكريم الانسان من حيث هو انسان. استخلفه الله في الأرض، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، ومنحه العقل والإرادة، وعلّمه البيان، وأنزل عليه الكتب، وبعث إليه الرسل مبشرين ومنذرين، ليهدوه إلى صراط ربه العزيز الحميد.
وكانت عناية الاسلام بالحقوق مدرجة ضمن عنايته بالواجبات والفرائض، التي ركز عليها أكثر من تركيزه على الحقوق، باعتبار شريعته قائمة على (التكيف) وهو إلزام ما فيه كلفة، ومعنى هذا أنه يتجه لتحريض الانسان لأداء ما عليه، أكثر من تحريضه على طلب ما هو له.
وهنا تختلف فلسفة الاسلام عن فلسفة الحضارة المعاصرة. فالانسان في هذه الحضارة يقول أبداً: ماذا لي؟ أما إنسان الاسلام فيقول قبل كل شيء: ماذا عليّ؟
وهنا نؤكد: أن الانسان إذا راعى ما عليه من واجبات وأداها لأهلها، فقد روعيت الحقوق ولم تضع.
لأن كل حق إنما هو واجب على آخر.
فحق الوالدين في البر هو واجب على الأبناء.
وحق الأولاد في الرعاية هو واجب على الآباء.
وحق الزوجة في الأسرة واجب على زوجها.
وحق الرعية في العدل واجب على الرعاة والحكام.
وحق الفقراء في الكفاية من العيش واجب على الأغنياء.
وهكذا نجد الحقوق في التحليل النهائي، إنما هي واجبات وفروض، فإذا روعيت هذه الواجبات وأديت هذه الفروض لأهلها على وجهها، استقر الأمر، واستقام المجتمع، وهدي سواء السبيل.
ومن الحقوق المقررة في الاسلام: حقوق الأقليات غير المسلمة في المجتمع الاسلامي، وهي حقوق ثابتة ومؤكدة، وان كان هناك ـ للأسف ـ مَن يريد أن يشكك في ذلك من خصوم الاسلام، ليجعل من قضية الأقليات ورقة يلعب بها للوقوف في وجه تحكيم الشريعة الاسلامية في المجتمعات الاسلامية في عصرنا.
كما ان هناك قلة من بعض الشباب، من غير المطلعين على الفقه، يحسبون أن مال غير المسلم، وربما دمه، مباح في الاسلام! وهذا خطأ عظيم، وخطر جسيم.
وقد كتبت منذ نحو ربع قرن كتاباً عن (غير المسلمين في المجتمع الاسلامي) وهم الذين يسمون في العرف الاسلامي (أهل الذمة) وضّحت فيه موقف الاسلام منهم، وعدله وسماحته معهم، في ضوء محكمات النصوص، وحقائق التاريخ.
وقد بينت في كتابي المذكور آنفاً حقوق المواطنين من أهل الذمة من وجوب المحافظة على دمائهم وأعراضهم وأموالهم ومعابدهم، وجميع حرماتهم، واحترام عقائدهم وشعائرهم، والدفاع عنهم تجاه كل عدوان من الخارج، وتجنب كل ما يوغر صدورهم، أو يؤذيهم في أنفسهم أو أهليهم وذراريهم.
حتى أن القرآن ليرتفع بأدب الحوار مع أهل الكتاب إلى أفق رفيع، حين يقول: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون).
فإذا كان هناك طريقتان للحوار أو للجدال أحدهما حسن، والآخر أحسن منه، فالمطلوب هو الحوار بالذي هو أحسن.
ويركز القرآن هنا على ذكر مواضع الاتفاق بين المسلمين وأهل الكتاب، لا على نقاط التمايز والاختلاف: (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد).
وأهل الذمة من أهل الكتاب لهم وضع خاص، والعرب منهم لهم وضع أخص، لاستعرابهم وذوبانهم في أمة العرب، وتكلمهم بلغة القرآن، وتشربهم الثقافة الاسلامية، واشتراكهم في المواريث الثقافية والحضارية للمسلمين بصورة أكبر من غيرهم، فهم مسلمون بالحضارة والثقافة، وإن كانوا مسيحيي بالعقيدة والطقوس، وهذا ما قلته منذ سنوات للدكتور لويس عوض حين زار قطر واشترك في ندوة (نادي الجسرة) الثقافي، وطلب مني التعقيب عليها.
والحقوق التي قررها الاسلام ليست مجرد حبر على ورق، بل هي حقوق مقدسة قررتها شريعة الله، فلا يملك أحد من الناس أن يبطلها، وهي حقوق تحوطها وتحرسها ضمانات متعددة: ضمانة العقيدة في ضمير كل فرد مسلم، يتعبد بامتثال أمر الله، واجتناب نهيه، وضمان الضمير الاسلامي العام، الذي يتمثل في المجتمع كله، وخصوصاً الفقهاء الأصلاء من حراس الشريعة، والقضاة العدول الأقوياء، الذين رأينا منهم من حكم على الأمراء والخلفاء لحساب من ظلم من أهل الذمة.
– موقف الاسلام من غير المسلمين:
قبل أن نتحدث عن حقوق الأقليات غير المسلمة في المجتمع الاسلامي، أريد أن أبين موقف الاسلام بصفة عامة من غير المسلمين.
فبعض المبشرين والمستشرقين، قد زعموا أن الاسلام لا يعرف مع غير المسلمين إلا السيف، به انتصر، وبه انتشر، فهو لا يؤمن بقوة المنطق، بل بمنطق القوة.
وربما ساعدهم على ذلك فهم بعض المسلمين، الذين قد يأخذون ببعض النصوص من القرآن أو الحديث، ولا يجمعون النصوص كلها، بل يفككون بعضها عن بعض. وهذه آفة خطيرة، يجب التنبيه عليها.
ومن المعروف: أن أصحاب الأديان المخالفة للاسلام صنفان:
صنف هم أصحاب الديانات الوثنية أو الوضعية. مثل: المشركين عبّاد الأوثان، والمجوس عبّاد النار، والصابئين عباد الكواكب، وغيرهم من الهندوس والبوذيين وأمثالهم.
وصنف هم أصحاب الديانات السماوية أو الكتابية، وهم الذين لهم دين سماوي في الأصل، ولهم كتاب منزل من عند الله ـ وإن حرّفوا فيه وبدّلوا ـ كاليهود والنصارى، وهم الذين يسميهم القرآن (أهل الكتاب) تلطفاً بهم، وإيناساً لهمز
وهؤلاء الكتابيون لهم معاملة متميزة في الاسلام، فقد أباح مؤاكلتهم واعتبر طعامهم حلالاً طيباً، كما أباح مصاهرتهم والتزوج منهم، كما قال تعالى في سورة المائدة: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم..).
والمصاهرة أحد الرابطين الأساسيين اللذين يربطان البشر بعضهم ببعض، وهما النسب والصهر، كما قال تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً).
كما أن الزواج في نظر الاسلام يقوم على السكون والمودة والرحمة، وهي دعائم الحياة الزوجية في القرآن: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).
ومعنى زواج المسلم من كتابية أن يكون أصهاره وأجداد أولاده وجداتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم من أهل الكتاب، وهؤلاء لهم حقوق صلة الرحم وذوي القربى التي يفرضها الاسلام.
ولا نجد في السماحة مع المخالف في الدين أرحب ولا أعلى من هذا الأفق الذي وجدناه في شريعة الاسلام.
وهناك تقسيم آخر للمخالفين في الدين، من حيث موقفهم من دولة الاسلام وأمة الاسلام. فهم إما محاربون، وإما مسالمون معاهدون.
فالمحاربون هم الذين يعادون المسلمين ويقاتلونهم، وهؤلاء لهم أحكامهم التي تنظم العلاقة بهم، وتفرض أخلاقاً وآداباً معينة في معاملتهم حتى في حالة الحرب، فلا عدوان، ولا غدر، ولا تمثيل بجثة، ولا قطع لشجر، ولا هدم لبناء، ولا قتل لصبي ولا امرأة ولا شيخ، وإنما يقتل مَن يقاتل .. إلخ ما هو مقرر ومتصل في كتب (السير) أو (الجهاد) في الفقه الاسلامي.
والمسالمون أو المعاهدون، يوفى لهم بعهدهم، ويعطون حقهم من البر والقسط والصلة.
ومن الخطأ والخطر هنا: الخلط بين الصنفين على اعتبار أنهم جميعاً كفار، لا يؤمنون برسالة محمد خاتم رسل الله (ص)، ولا يصدقون بالقرآن آخر كتب الله.
وقد فرّق القرآن بين الصنفين تفريقاً واضحاً، في آيتين كريمتين تعتبران دستوراً محكماً في تحديد العلاقة بغير المسلمين، يقول تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومَن يتولهم فأولئك هم الظالمون). والبر هو: الخير والقسط: هو العدل، وقد نزلت هاتان الآيتان في شأن المشركين، كما دلت على ذلك أسباب نزول السورة. فأهل الكتاب أولى بالبر والقسط.
ثم إن المعاهدين صنفان:
مَن لهم عهد مؤقت، وهؤلاء يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم.
والثاني مَن لهم عهد دائم ومؤبد، وهم الذين يسميهم المسلمون (أهل الذمة) بمعنى أن لهم ذمة الله تعالى، وذمة رسوله (ص)، وذمة جماعة المسلمين، وهم الذين قال فيهم الفقه الاسلامي: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، أي في الجملة إلا ما اقتضته طبيعة الاختلاف الديني.
وأهل الذمة يحملون (جنسية دار الاسلام) وبتعبير آخر: هم مواطنون في الدولة الاسلامية.
فليست عبارة (أهل الذمة) عبارة ذم أو تنقيص، بل هي عبارة توحي بوجوب الرعاية والوفاء، تديناً وامتثالاً لشرع الله.
وإذا كان الإخوة المسيحيون يتأذون من هذا المصطلح، فليغير أو يحذف، فإن الله لم يتعبدنا به، وقد حذف الخليفة الثاني ما هو أهم منه، وهو لفظ (الجزية)، رغم أنه مذكور في القرآن، وذلك استجابة لعرب بني تغلب من النصارى، الذين أنفوا من هذا الاسم، وطلبوا أن يؤخذ منهم ما يؤخذ باسم الصدقة، وإن كان مضاعفاً. فوافقهم عمر، ولم ير في ذلك بأساً، وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا بالمعنى، وأبو الاسم.
وهذا تنبيه منه على أصل مهم، وهو النظر إلى المقاصد والمعاني، لا إلى الألفاظ والمباني، والاعتبار بالمسميات لا الأسماء ومن هنا نقول: إنه لا ضرورة للتمسك بلفظ (الجزية) الذي يأنف منه إخواننا النصارى في مصر وأمثالهم في البلاد العربية والاسلامية، والذين امتزجوا بالمسلمين، فأصبحوا يكونون نسيجاً قومياً واحداً. فيكفي أن يدفعوا (ضريبة) أو يشتركوا بأنفسهم في الدفاع عن الأمة والوطن فتسقط عنهم.
وقد رأينا الإمام الأوزاعي يقف مع جماعة من أهل الذمة في لبنان ضد الأمير العباسي قريب الخليفة.
وقد رأينا ابن تيمية يخاطب تيمور لنك في لفكاك الأسرى عنده، فيفرض عليه أن يفك أسرى المسلمين وحدهم، فيأبى إلا أن يفرج عن أهل الذمة معهم.
– درجات التسامح عند المسلمين:
للتسامح الديني والفكري درجات ومراتب، هي:
فالدرجة الدنيا من التسامح: أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك، بحيث إذا أبى حكمت عليه بالموت أو العذاب أو المصادرة أو النفي، أو غير ذلك من ألوان العقوبات والاضطهادات. فتدع له حرية الاعتقاد، ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية التي تفرضها عليه عقيدته، والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه.
والدرجة الوسطى من التسامح: أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب، ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته. فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت، فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم؛ لأنه لا يفعله إلا وهو يشعر بمخالفة دينه.
وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، فلا يجوز أن يمنع ذلك في هذا اليوم.
والدرجة التي تعلو هذه في التسامح، ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حلّه في دينهم أو مذهبهم، وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك.
وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة، إذا ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح.
فقد التزموا احترام كل ما يعتقد غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم، وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك، مراعاة الشريعة الدولة ودينها، ولا يتهموا بكثير من التعصب أو قليل؛ ذلك لأن الشيء الذي يحله دين من الأديان ليس فرضاً على أتباعه أن يفعلوه.
فإذا كان دين المجوسي يبيح له الزواج من أمه أو أخته فيمكنه أن يتزوج من غيرهما ولا حرج، وإذا كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير، فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير، وفي لحوم البقر والغنم والطير متسع له.
ومثل ذلك الخمر، فإذا كان بعض الكتب المسيحية قد جاء بإباحتها، أو إباحة القليل منها لإصلاح المعدة، فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر.
فلو أن الاسلام قال للذميين: دعوا زواج المحارم، وشرب الخمر، وأكل الخنازير، مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين، لم يكن عليهم في ذلك أي حرج ديني؛ لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكراً، ولا أخلوا بواجب مقدس، ومع هذا لم يقل الاسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون!
– روح التسامح عند المسلمين:
هناك شيء آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات ذلك هو (روح السماحة) التي تبدو في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الانسانية من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغنى فيها قانون ولا قضاء. وهذه روح لا تكاد توجد في غير المجتمع الاسلامي.
تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً).
وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين كما في آية الممتحنة.
وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المصرّين: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي مَن يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).
وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدون مذهبه: أن النبي (ص) بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا ليوزع على فقرائهم، هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.
وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي (ص) فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟! قال: (نعم، صلي أمك).
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول (ص) لأهل الكتاب يهوداً كانوا أن نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.
وذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران ـ وهم من النصارى ـ لما قدموا على رسول الله (ص) بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله (ص): (دعوهم) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وعقب ابن القيم على هذه القصة في (الهدى النبوي) فذكر مما فيها من الفقه: (جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين .. وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضاً، إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك).
وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله (ص) تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم.
وروى البخاري عن أنس: أن النبي (ص) عاد يهودياً، وعرض عليه الاسلام، فخرج وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار).
وروى البخاري أيضاً: أن النبي (ص) مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا ليضنوا عليه بشيء، ولكنه أراد أن يعلّم أمته.
وقبل النبي (ص) الهدايا من غير المسلمين، واستعان في سلمه وحربه بغير المسلمين، حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شراً ولا كيداً.
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين.
فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم يقول: قال الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين). وهذا من مساكين أهل الكتاب.
ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.
وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة ـ أبي لؤلؤة المجوسي ـ فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده وهو على فراش الموت فيقول: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً، بأن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم).
وعبدالله بن عمر يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة، حتى دهش الغلام وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي؟ قال ابن عمر: إن النبي (ص) قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية، فشيّعها أصحاب رسول الله (ص). وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيباً من صدقة الفطر لرهبان النصارى ولا يرون في ذلك حرجاً، بل ذهب بعضهم ـ كعكرمة وابن سيرين والزهري ـ إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: (أنه سأل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم..).
وذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك (قال: حديث الدارقطني أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به. فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين وهو سفير بيننا وبين المعتضد.. وهذا من البر).
وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين، وقد ذكرنا مثلاً لذلك موقف الإمام الأوزاعي، وابن تيمية.
ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحاً بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم. فذكر من ذلك: (الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم ـ على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذمة ـ واحتمال أذيتهم في الجوار ـ مع القدرة على إزالته ـ لطفاً منا بهم، لا خوفاً ولا طمعاً، والدعاء لهم بالهداية، وان يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم .. الخ.
– الأساس الفكري لتسامح المسلمين:
وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الاسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأهمها:
1 ـ اعتقاد كل مسلم بكرامة الانسان، أياً كان دينه أو جنسه أو لونه. قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم).
وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
ومن الأمثلة العملية ما ذكرناه من قبل، وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبدالله: أن جنازة مرت على النبي (ص) فقام لها واقفاً، فقيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي! فقال: (أليست نفساً؟!). بلى ولكل نفس في الاسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!
2 ـ اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع: (فمن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر). (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين).
والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب، كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة، علم الناس ذلك أو جهلوه، ولهذا لا يفكر المسلم يوماً أن يجبر الناس ليصيروا كلهم مسلمين كيف وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: (ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
3 ـ إن المسلم ليس مكلفاً أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين، قال تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) .. وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير).
وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
4 ـ إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويجب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم لكافر. قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
وقال (ص): (دعوة المظلوم ـ وإن كان كافراً ـ ليس دونها حجاب).
إن سماحة الاسلام مع غير المسلمين سماحة لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، وخصوصاً إذا كانوا أهل كتاب، وبالأخص إذا كانوا مواطنين في دار الاسلام، ولا سيما إذا استعربوا وتكلموا بلغة القرآن.
– وصايا نبوية بأقباط مصر خاصة:
وأما أقباط مصر فلهم شأن خاص ومنزلة متميزة، فقد وصى بهم رسول الله (ص) وصية خاصة، يعيها عقل كل مسلم، ويضعها في السويداء من قلبه.
فقد روت أم المؤمنين أم سلمة (رض) أن رسول الله (ص) أوصى عند وفاته فقال: (الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله).
وفي حديث آخر عن أبي عبدالرحمن الحبلي ـ عبدالله بن يزيد ـ وعمرو بن حريث أن رسول الله (ص) قال: (… فاستوصوا بهم خيراً، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله) يعني قبط مصر.
وقد صدق الواقع التاريخي ما نبأ به الرسول (ص)، فقد رحب الأقباط بالمسلمين الفاتحين، وفتحوا لهم صدورهم، رغم أن الروم الذين كانوا يحكمونهم كانوا نصارى مثلهم، ودخل الأقباط في دين الله أفواجاً، حتى ان بعض ولاة بني أمية فرض الجزية على مَن أسلم منهم، لكثرة مَن اعتنق الاسلام. وغدت مصر بوابة الاسلام إلى إفريقيا كلها، وغدا أهلها عدة وأعواناً في سبيل الله.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر (رض) أن رسول الله (ص) قال: (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً).
وفي رواية: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً) أو قال: (ذمة وصهراً).
قال العلماء: الرحم التي لهم: كون هاجر أم إسماعيل (ع) منهم، والصهر: كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله (ص) منهم.
ولا غرو أن ذكر النووي هذا الحديث في كتابه: (رياض الصالحين) في باب (بر الوالدين وصلة الأرحام) إشارة إلى هذه الرحم التي أمر الله ورسوله بها أن توصل بين المسلمين وبين أهل مصر، حتى قبل أن يسلموا.
وعن كعب ابن مالك الأنصاري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم دماً ورحماً)، وفي رواية: (إن لهم ذمة ورحماً) يعني أن أم إسماعيل منهم.
والرسول يجعل للقبط هنا من الحقوق أكثر مما لغيرهم، فلهم الذمة أي عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين، وهو عهد جدير أن يرعى ويصان. ولهم رحم ودم وقرابة ليست لغيرهم، فقد كانت هاجر أم إسماعيل أبي العرب المستعربة منهم، بالاضافة إلى مارية القبطية التي أنجب منها عليه الصلاة والسلام ابنه إبراهيم.

http://www.erfan.ir


more post like this