قصور علمنا

قد يتساءل البعض: هل من الضروري أنَّ يبعث الله الانبياء لهداية الانسان؟ ألا يكفي عقلنا وحكمتنا لادراك الحقائق؟

ألا يساهم تقدم العلوم عند البشر في كشف الاسرار الغامضة وتوضيح الحقائق جميعها؟

ثمّ أنَّ ما يأتي به الانبياء لا يخرج عن حالتين اثنتين: فإمّا أنْ يدركه عقلنا، وإمّا أنّه لا يدركه.

ففي الحالة الاولى، لاحاجة لتجشم الانبياء هذا العناء، وفي الحالة الثانية، لا يمكننا أنْ نتقبل اُموراً هي خلاف ما يراه عقلنا. ومن جهة اُخرى، هل يصح أنْ يضع الانسان نفسه تحت تصرف شخص آخر كلياً ويطيع أوامره دون أي اعتراض؟

أوليس الانبياء بشراً مثلنا؟ فكيف نضع انفسنا تحت تصرف انسان لا يختلف عنّا بشي؟

 

للاجابة عن هذه الاسئلة لابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار النّقاط التّالية التي سوف تبيّن أهمية وجود الانبياء البشرية:

1- علينا أنْ ندرك أنَّ علمنا قاصر ومحدود، فعلى الرّغم من كل هذا التقدم العلمي الذي حققه الانسان في مختلف ميادين العلوم، فإنَّ ما نعلمه بالنسبة لما لا نعلمة لايكاد يبلغ مقدار قطرة الماء بازاء البحر، أوبازاء الجبال، أو كما قال أحد كبار العلماء: إنَّ كل ما نعلمه اليوم لا يزيد على الالف باء في كتاب عالم الوجود العظيم.

وبعبارة اُخرى، إنَّ المساحة التي يحكمها عقلنا وادراكنا مساحة صغيرة تضيئوها أشعة العلم، أمّا ما هو الواقع وراء ذلك فلا علم لنا به إطلاقاً. فيأتي الأنبياء ليلقوا لنا الضوء على مناطق أوسع بالقدر الذى نحتاجه. صحيح أنَّ عقلنا أشبه بكاشف قوي النور، ولكن الأنبياء بما يأتون به من الوحي الالهي يكونون أشبه بالشّمس التي تسطع على الكائنات. أفهناك من يقول: مادمنا نملك هذا الكاشف القوي، فما حاجتنا بالشمس؟

 

وبتعبير أوضح نقول: إنَّ اُمور الحياة يمكن تقسيمها الى ثلاثة أقسام:

“المعقول” و”غير المعقول” و”المجهول”.

والأنبياء لا يمكن انْ يقولوا شيئاً “غير معقول” وخلافاً لما يقول به العقل وتحكم به الحكمة، ثم إنَّ الانبياء يعينوننا على إدراك المجهولات، وهوأمر مهم لنا.

وعليه، فمن يقول: إنَّنا بوجود العقل والحكمة لا نحتاج الى الانبياء مثل الطائفة البرهمية في الهند وفي أماكن اُخرى، أومن يقول: مع العلم وانجازاته وانتصاراته العلمية، لم تعد حاجة الى الأنبياء وتعليماتهم. كلاهما لم يعرفا حدود العلم عند البشر، ولا رسالة الانبياء الإلهية.

فهم أشبه بالصّبي الذي درس الحروف الهجائية في المدرسة ثم قال إنَّه أصبح عالماً بكل شيء ولم يعد بحاجة الى المعلم والاستاذ.

ثم إنَّ الأنبياء ليسوا مجرد معلمين، فإنَّ مركزهم كقادة له حساب خاص .

2- لم يقل أحد إنَّ على المرء أنْ يضع نفسه كلياً تحت تصرف شخص آخر مثله، أمّا الأنبياء الذين ينطقون عن الوحي الالهي، فعلينا أنْ نتأكد من ارتباطهم بعلم الله اللامتناهي عن طريق الادلة الدامغة. ففي هذه الحالة وحدها يمكن أنْ نتقبل أقوال هؤلاء القادة الرّبانيين بمجامع قلوبنا. فلو أنَّ أحداً عمل وفقاً لارشاد طبيب ماهر، فهل يكون عمله هذا مرفوضاً؟

• إنَّ الأنبياء عليهم السلام أطباء روحانيون عظام!

فاذا استوعبت درس معلم ينسجم مع عقلي وفكري، فهل أكون قد أخطأت؟

إنَّ الانبياء عليهم السلام معلمون كبار!

ويحسن بنا أنْ نبحث أدلة ضرورة إرسال الأنبياء من قبل الله عزّ وجلّ.

 

إنَّ هناك ثلاثة أدلة حيّة تؤكد حاجتنا الى هداية الأنبياء:

1 – الحاجة الى التعلم

لوأنَّنا امتطينا سفينة وهميّة مصنوعة من أمواج النور، تنطلق بسرعة ثلاثمائة الف كيلومتر في الثّانية في هذا الفضاء اللامتناهي، فإنَّنا سوف نحتاج الى الآلاف من مثل عمر نوح حتى نستطيع أنْ نستكشف زاوية من هذا الكون الواسع المترامي الاطراف.

إنَّ هذا الكون باتساعه المخوف لم يخلق عبثاً حتماً. أنَّ خلق هذا العالم لا ينفع الله بشيء، لانَّه كامل، وغير محتاج، ولانهاية له، فليس به نقص لكي يسعى لسدّه عن طريق خلق العالم والبشر.

نستنتج من هذا أنَّ هدفه هوأن يفيض على البشر من جوده ورحمته، ليوصل الكائنات الاخرى الى التكامل، كالشمس التي تشرق بنورها على أهل الارض بغير أنْ تكون محتاجة اليهم، بل نحن الذين نحتاج الى ضوئها، وإلاّ فما ذا نستطيع فعله لصالح الشمس؟

ثمّ، من جهة اُخرى، هل تكفي معلوماتنا وحدها للسير بنا في طريق التكامل وايصالنا الى مرحلة الانسان الكامل من جميع الوجوه؟

تُرى كم نعرف من أسرار العالم؟ ما هي حقيقة الحياة؟ متى وجد هذا العالم؟ إنَّ أحداً لا يعرف الجواب القاطع عن هذه الأسئلة.

حتى متى سنبقى؟ لا أحد يعرف الجواب كذلك.

ومن حيث الحياة الاجتماعية والاقتصادية كل عالم من علماء البشر له رأى أو نظرية. فبعض يوصون بالرأسمالية، وفريق آخر يرتأون الاشتراكية والشيوعية، وآخرون يرفضون هذا وذاك.

وفي مسائل الحياة الاخرى تجد مثل هذا الاختلاف قائماً وبكثرة، ويصاب الانسان بالحيرة، ترى أيّها يختار؟

هنا لابدّ لنا من الاعتراف بأنَّنا ولكي نصل الى هدف الخلق الأصيل وهو”نمو الانسان وتكامله وتربيته على جميع المستويات” نحتاج الى مجموعة من التّعليمات الصّحيحة والسّليمة والخالية من كل خطأ، والمستندة الى حقائق الحياة الواقعية، تمكّن الانسان من السير في الطريق الطويل الموصل الى هدف الخلق الاصيل.

وهذا لا يكون إلاّ عن طريق العلم الإلهي، أي الوحي السماوي الذي ينزل على الانبياء. ولهذا فإنَّ الله الذي خلقنا لكي نسير في هذا الطريق لابدّ له أنْ يتيح لنا مثل هذا العلم وهذه المعرفة.

 

2- الحاجة الى القائد اجتماعياً واخلاقياً

إنَّ فينا كما نعلم إضافة الى العقل، غرائز وميول قوية، مثل غرائز حبّ الذّات، والغضب، والجنس، وغرائز اُخرى كثيرة.

إنَّنا إذا لم نكبح جماح غرائزنا وتركناها تسيطر علينا، فإنَّ عقلنا سيكون مقيداً محجوراً عليه ويكون الانسان كجبابرة التّاريخ وطغاته وأشد خطراً من ذئاب الصحاري المفترسة.

لذا فنحن بحاجة الى التربية الاخلاقية على يد مرّب، والى “الأسوة” الذي نحاكيه في الاقوال والافعال ونحذو حذوه.

إنَّ أسوة كهذا يجب أن يكون ذا تربية كاملة من جميع الجهات بحيث يستطيع أنْ يأخذ بيدنا في هذا الطريق الكثير المنعطفات وينقذنا من طغيان غرائزنا، ويزرع في نفوسنا اُصول الفضائل والاخلاق بأعماله وأقواله، ويربّينا على الشجاعة وحبّ البشر، والمروءة، والتضيحة، والوفاء، والصدق، والامانة، وطهارة الرّوح.

فمن هوالحقيق بأنْ يكون قدوة واُسوة غير نبي معصوم؟ ولهذا فإنَّ الله القادر الرحيم لايمكن أنْ يحرمنا من أمثال هؤلاء الانبياء المربين الهداة .

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي


النبي والنبوة 

المسلمون ووحي القرآن (3) 

المسلمون ووحي القرآن (2) 

المسلمون ووحي القرآن (1) 

النبوه العامة – الفرق بين المعجزة والكرامة (4) 

اللطف الإلهي (2)

الظاهرة العامّة للنبوّة 

http://www.tebyan.net/


more post like this