لا ريب أن جعل قانون كهذا يحتاج إلى توفّر شروط وشروط، تخرج قطعاً عن طاقة الإنسان مهما ترقّى في درجات العلم. واليك ثلاثة من أُمهات تلك الشروط.

 

الشرط الأول: أن يكون المقنّن عارفاً بالإنسان

إنّ أول وأهم خطوة في وضع القانون، معرفة المقنِّن بالمورد الّذي يضع له القانون، كما أشرنا إليه في المثال المتقدم. وعلى ضوء هذا لا بد أن يكون المقنّن عارفا بالإنسان: جسمِهِ وروحِهِ، غرائزه وفطرياته، وما يصلح لهذه الأمور أو يضُر بها، وكلما تكاملت هذه المعرفة بالانسان، كلما كان القانون ناجحاً وناجعاً في علاج مشاكله وإبلاغه إلى السعادة المتوخاة من خلقه ووجوده في هذا الكون.

ومَثَلُ المقنِّن في هذا المقام، مَثَلُ الطبيب، كلما كانت معلوماتهُ حول المريض جسمِهِ وروحِهِ وظروفِهِ المحيطة به، كاملةً، كما كانت الوصفة مفيدةً وناجعة في قَلْعَ المرض.

وهناك وجهة أُخرى لاقتضاء طبيعة التقنين، المعرفة الكاملة بالانسان، وهي أن الإنسان خُلِقَ مع غرائز جامحة لا تعرف لإرضائها قاعدة ولا حدّاً. ومن المعلوم أن تعطيل هذه الغرائز بالكلية ينتهي إلى الفناء، كما أن اطلاق عنانها يؤدي نفس النتيجة. فالطريق الأوسط، كبح جماحها على حد يتم لصالح الإنسان الفرد أولاً، وصالح المجتمع ككلّ ثانيا.

ومن هذا يتبين أن من يريد أن يقنِّن لصالح المجتمع، يجب أن يكون عارفاً بالإِنسان عرفاناً كاملاً، واقفا على زوايا روحه وأعماق ضميره وخصوصيات بدنه وطاقاته، وما يرجع إليه بالصلاح أو الفساد.

 

الشرط الثاني: أن لا يكون المقنِّن منتفعاً بالقانون

وهذا الشرط بديهي، فإن المقنن إذا كان منتفعاً من القانون الّذي يضعه، سواء كان النفع عائداً إليه أو إلى من يمت إليه بصلة خاصة، فإنّ هذا القانون سيتم لصالح المقنِّن لا لصالح المجتمع، ومثل هذا القانون ناكب عن الحق، متردّ في مهاوي التفرقة والتمييز، ونتيجته الحتمية الظلم والإجحاف.

فالقانون الكامل لا يتحقق إلا إذا كان واضعُهُ مجرّداً عن حب الذات وهوى الإنتفاع الشخصي.

 

الشرط الثالث: إصلاح الباطن

إن للعقيدة دورها وأثرها في اختيار الفعل وانتخابه وكلُّ ما يصدر من الإنسان من فعل أو ترك فهو وليد عقيدته وتفكيره فالمؤمن بالله وشرائعه يسعى للإتيان بأعمال يرضي بها ربَّه، كما أنّ الملحد والكافر به وبشرائعه يسعى إلى الأعمال الّتي فيها رضى غرائزه ومتطلبات نفسه.

والقانون مهما بلغ في درجات التكامل، لا يكون ناجحاً ومفيداً إلا إذا كان في جوهره وصميم ذاته، ضمانات لأجرائه وتجسيده في الحياة.

وبضم هاتين المقدمتين إلى بعضهما يتضح أن الضمان الكامل لإجراء القانون لا يتحقق إلا بتوجه المقنن إلى إصلاح الباطن مع إصلاح الظاهر، ولا يكون نظره محصوراً بوضع الضوابط الماديَّة الجافّة.

فالقانون الكامل يبتني على إيجاد عقيدة وإيمان بالغيب، وبقوة قاهرة كبرى، تراقب الإنسان في ليله ونهاره وفي حياته الشخصية وعلاقاته الإجتماعية، بالإضافة إلى ايجاد التنظيمات المادية لمراقبة أعمال الفرد الظاهرية.

واجتماع هذين الأمرين يصنع من الفرد إنساناً إجتماعياً يعيش في ظل القانون مراعياً له ولا ينقضه إلا شاذاً ونادراً.

ولو كان المقِّنن ناظراً إلى الجهات الظاهرية فقط ومكتفياً في ضمانات الإِجراء بالتنظيمات الرائجة، لكان خاسراً في تقنينه، ولن يَرى له تجسّداً إلا في وضح النهار وأمام أعين القوى البشرية المُجْرِية.

هذه أبرز الجهات الوافية بكمال القانون فهلمّ نرى أين تتحقق هذه الشرائط، وعند مَنْ؟.

أما الشرط الأول، فإنا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالإنسان من خالقه، فإن صانع المصنوع أعرف به من غيره. يقول سبحانه: ?أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ?(المُلْك:14).

واما الشرط الثاني، فلن نجد أيضا موجوداً مجرداً عن أي فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك أن الإنسان مجبول على حب الذات، فهو مهما جردّ نفسه من تبعات غرائزه، لن يستطيع التخلص من هذه النزعة، وإلا لزم أن ينسى نفسه، ويَخْرُجَ بالتالي من عداد البشر.

وأما الشرط الثالث، أي تشريع القانون على صرح الإيمان والإعتقاد بصحة التشريع، فلن نجده أيضاً في غيره سبحانه، لأنه يدعو إلى ربوبية نفسه وعبوديّة غيره، ويبين للناس أن صلاحهم في إطاعته وشقاءهم في مخالفته وبهذا يسري قانونُه وتشريعُه في الحياة والمجتمعات البشرية سريان الماء في الشجر والنبات، ويكون مضمون الإجراء والتطبيق.

أضف إلى ما ذكرنا، ان التبدل الدائم في القوانين، والنقض المستمر الّذي يورد عليها، بحيث تحتاج في كل يوم إلى استثناء بعض التشريعات وزيادة أخرى، إضافة إلى تناقض القوانين المطروحة في العالم من قبل البشر، كل ذلك دالّ على قصورها عنه الوفاء بحاجة المجتمعات إليها، وما ذلك إلا لقصورهم عن معرفة الإنسان حقيقة المعرفة، سائر الشروط في واضعيها.

فتلخص من هذا الدليل أُمور

الأول: أَنَّ الأنسان يميل إلى الحياة المدنية، إما لكونه “مدنياً بالطبع” أو لكونه “مستخدماً بالطبع”.

الثاني: أَنَّ الحياة الإجتماعية لا تستقر إلا بتعرف أعضاء المجتمع على وظائفهم وحقوقهم، وهذا لا يتسنى الا بالتقنين.

الثالث: أَنَّ مهمة التقنين الشاقة لا يقوم بها إلا من اجتمعت فيه عدّة شروط أهمها: معرفته الكاملة بالإنسان، وعدم انتفاعه من القانون الّذي يجعله، وأن يبني قانونه على صَرْح الإِيمان.

الرابع: أنّ تلك الشروط لا توجد على وجه الكمال إلاّ في الله سبحانه خالق البشر.

فإذا كان استقرار الحياة الاجتماعية للبشر متوقفاً على التقنين الإلهي، فالواجب في حكمته تعالى إبلاغ تلك القوانين إليهم عبر واحد منهم يرسله إليهم، ليوقفهم على ما في سعادتهم. والحامل لرسالة الله سبحانه هو النبي المنبئ عنه والرسول المبلغ إلى الناس، ويَثْبُتُ بذلك أنّ بعث الانبياء واجب في حكمته تعالى حفظاً للنظام المتوقف على التقنين الكامل.

 

إشارة إلى هذا الدليل في الذكر الحكيم

إنّ في الكتاب الحكيم ما يشير إلى هذا الدليل، وهو قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(الحديد:25).

فجعل القيام بالقسط الّذي هو عبارةٌ أخرى عن ضبط المجتمعات بالنظم والقوانين ليحصل التآزر والتآلف المطلوبين لتأمين الأرضية الصالحة لسلوك الإنسان إلى معين السعادة، جعله علةً وغايةً لإرسال الرسل، فالقسط لا يتحقق إلا بالتسنين الصحيح والتقنين الكامل الّذي لا يقوم به إلا خالق الإنسان وبارئه.

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.

——————————————————————————–

1- استدل المتكلمون بأدلة تقارب العشر على لزوم البعثة، فلاحظ تجريد الإعتقاد وشروحه.


حاجة المجتمع الى النبوة (1)

حاجة المجتمع إلى المعرفة (1)

بعثة الأنبياء أولى من الكماليات

حاجتنا الى القادة الالهيين

النبي والنبوة

النبوة العامة – طُرُق معرفةِ الاََنبياءِ

الظاهرة العامّة للنبوّة

http://www.tebyan.net


more post like this