الکاتب : د. احسان الأمين     

إهتمّ القرآن الكريم بمعالجة ظاهرة الفساد عموماً والفساد الإقتصادي بشكل خاص، لأنّه الوجه الآخر للفساد في الحكم والسياسة، ولأنّه السبب والهدف لذلك الإنحراف غالباً، فإستضعاف الناس إقتصادياً هو من أوجه الفساد في الحكم، كما هو وسيلة لإضعاف قوّة الشعب والسيطرة عليه، وهو في نفس الوقت هدف للحاكمين الظالمين الجشعين والفاسدين الذين ينهبون ثروات الشعب ليترفوا ويسرفوا فيها إشباعاً لشهواتهم ونزواتهم.
ويعرض القرآن لنا نماذج صارخة للفساد في المال، كما هو الفساد في الحكم والسلوك والأخلاق، سنتعرّض لبعضٍ منها بالدراسة والتحليل:
1- فرعون:
الطاغية المستبد، والمستكبر المتعجرف، والفاسد المُسرف، كان حقَاً مثالاً للشخص الذي اجتمعت في حاله كل خصائص السُّوء والإنحراف عن العدل، واتباع الأهواء، في الفكر والأعمال، فاستحقّ الوقوف لدراسة شخصيّته، كما صوّرها لنا القرآن، لنعرف من خلاله صفات الفاسدين ومظاهر الفساد، ولتكون لنا المعايير والموازين التي نُميِّز بها بين السلوك الصالح القويم، والسلوك الفاسد المريض، وليكون فرعون: تذكرة للحاكمين وللشعوب على السواء، فيتجنّب مسيرته الجميع ويبتعد عن صفاته أُولو الألباب، فكيف كان سلوك فرعون وما هي تصرّفاته وآفاته؟
الأوّل: إنّه كان من المُسرفين، يعيش حالة الترف والبذخ على حساب أموال الناس، وقد بنى هو وأعوانهُ قصوراً وأهراماً وتماثيل وأصناماً على حساب شعبه المحروم، ولم يعش مع معاناتهم ولا شاركهم همومهم.
قال تعالى: (… وإنّ فِرعَونَ لَعالٍ في الأرضِ وإنّه لَمِنَ المُسرفين) (يونس/ 83).
و”الإسراف” شاخص فارق للمفسدين عن غيرهم، قال تعالى: (… وَكُلُوا واشرَبوا ولا تُسرِفوا إنّهُ لا يُحِبّ المُسرفين) (الأعراف/ 31).
ثانياً: إنّه مع إسرافه في المال وتبذيره للثروات، أذاق شعبه الويلات، فلم يستفد من ذلك المال لإسعاد شعبه، بل إستعمله لإستضعافهم وإستغلالهم فعاشوا فقراء محرومين ومستضعفين مستهلكين – يقتل الأبناء ويبقي النِّساء ليُسخِّرهنّ للخدمة والعمل – وقد مات الآلاف منهم في بناء أهراماته، فكلّما زادت ثروات البلد زاد نهب الحاكم الفاسد في حين يبقى الناس على تلك الحال السيِّئة إن لم يزدادوا سوءاً.
قال تعالى: (إنّ فِرعَونَ عَلا في الأرض وجَعَلَ أهلَها شِيَعاً يَستَضعِفُ طائفةً منهم يُذَبِّحُ أبناءَهُم ويَستَحيي نِساءَهُم إنّهُ كانَ من المُفسدين) (القصص/ 4).
ثالثاً: إنّ هذه السلطة وتلك الأملاك والأموال شكّلت حجاباً على عقله وفكره فاغترّ بنفسه ولم يعد يرى الحق، وظنّ أنّ هذه القوّة تعطيه صفة الألوهية وتضفي على معتقداته وآرائه المشروعية، وأنّ الطرف الآخر، موسى، بفقره ووضعه الإجتماعي العادي، يفتقد الحقيقة ولا يحمل الرسالة، وكأنّ الرأي يدور مدار السلطة والمال والجاه.. لا مدار الحقّ والصدق والعدل، وهكذا اتّبعه قومه، فهم أعمتهم المظاهر، رغم سوء أوضاعهم، وأطاعوه رغم إستخفافه بهم وإستضعافه لهم، لأنّهم ممّن يعتقد أنّ: الحق مع الحكومة، و(الناس على دين ملوكهم) كما قيل.
أُنظر إليه كيف يتصرّف: (ونادى فِرعَونُ في قَومِهِ قالَ يا قومِ أليسَ لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهارُ تجري من تَحتي أفلا تُبصِرون * أمْ أنا خَيرٌ من هذا الذي هوَ مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِين * فلولا ألقِي عليهِ أسوِرَةٌ من ذهبٍ أو جاءَ معهُ الملائكةُ مُقتَرنين * فاستَخَفَّ قَومَهُ فأطاعوهُ إنّهم كانوا قَوماً فاسقين * فلمّا آسَفُونا انتَقَمنا مِنهُم فأغرَقناهُم أجمعين * فجَعَلناهُم سَلَفاً ومَثَلاً للآخرين) (الزُّخرف/ 51-56).
رابعاً: إنّ فرعون إستخدم هذه القوة وهذا المال لإضلال الناس، والصدّ عن سبيل الله، كما يستخدم الكثير من الفاسدين الأموال في التضليل الإعلامي وشراء الذمم الرخيصة والرشوة والوشاية.. ومن ثمّ إستخدام القوة في قمع المعارضين.
فلم تكن السلطة والقوّة والمال عند فرعون وسيلة تقدّم وإزدهار وتنمية وإعمار، بل كانت وسيلة قمع وإستبداد وإستضعاف، نقرأ في القرآن: (وقال مُوسى ربّنا إنّك آتَيتَ فِرعَونَ ومَلأهُ زينَةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربّنا لِيُضِلّوا عن سَبيلكَ ربّنا اطمِس على أموالهم واشدُد على قُلُوبهم فلا يؤمنوا حتى يَرَوا العذاب الأليم * قال قد أُجيبَت دَعوَتُكُما فاستَقِيما ولا تَتَّبِِعانِ سبيلَ الذين لا يَعلَمون) (يونس/ 88-89).
وهكذا كانت الأموال وزينة السلطان.. حاجزاً عن معرفة الحق وإتباعه.. فجعل فرعون ملأه من الجاهلين: الذين لا يعلمون.
خامساً: إنّ الفساد والإنحراف والطغيان يؤدي إلى ذهاب البركة ونقص الثروات، لأنّ الإنسان هو الذي يُعمِّر البلاد ويُطوِّر الزراعة ويُنمِّي الإقتصاد، وإذا ما فقد الإنسان في أي مجتمع عزّته وكرامته وسلبت حقوقه وإمتيازاته، فإنّه لا يمكن لهذا الإنسان المسحوق أن يصنع حضارة أو يشارك في نهضة أو تنمية، لأنّه يكون قد فقد في وجوده الروح الخلاّقة المُبدعة وماتت فيه الحوافز الدافعة والمُحرِّكة.
وبالعدل يدوم الحكم وبالإنصاف تزيد البركة، والإنفاق يزيد الرِّزق، وحيثما يكون الظلم والكفر والإسراف والإستضعاف، فإنّ الله يسلب من ذلك المجتمع السعادة ويبتليه بشتّى الإبتلاءات والمحن، وهكذا كان حال مجتمع فرعون، يقول تعالى: (ولقد أخَذنا آلَ فِرعَونَ بالسِّنينَ ونَقصٍ من الثَّمَراتِ لعلّهم يَذَّكَّرون… فأرسَلنا عليهمُ الطوفانَ والجَرَادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاستكَبَروا وكانوا قَوماً مُجرمين) (الأعراف/ 130-133).
2- قارون:
الغنيُّ المُتكبِّر، صاحب الثروة الكبيرة المتغطرس، وعلى الرغم من أنّه كان من قوم موسى، وقيل أنّه كان إبن عمه، وكان ذا صوت حسن بتلاوة التوراة.. إلا أنّه اغترّ وتجبّر عندما أثرى واستغنى، وبلغت ثروته بحيث أن مفاتيح خزائن أمواله، تعجز عن حملها المجموعة الكبيرة من الرجال الأقوياء، فكم كانت خزائنه؟! كان من أصحاب “المليارات”، ولكنه كان يخرج على قومه أشراً بطراً متكبراً عليهم، غير ذاكرٍ لآلاء الله، غير شاكر لنعمته عليه، وكأنّ المال هو أكثر كل شيء قيمة لديه، وكأنّه يعطيه القوّة والبقاء..
وذكّره قومه بأنّ الله لا يُحبُّ الفرحين: المُتكبِّرين، وقالوا له: استمتع بمالك ولكن لا تَنسَ الله، ولا تنس الدار الآخرة بأن تُقدِّم لنفسك عملاً صالحاً وصدقة جارية تنفعك هناك، وأحسن كما أحسن الله إليك: أنفق من مالك على المحتاجين، ممّا أعطاك الله، ولا تبغ الفساد، لا تتطاول بمالك على الناس بأنواع البغي والظلم.. ولكنّ غروره أعماه، وقال: ما أوتيت من مال فهو بقدرتي، بذكائي وفهمي وعلمي.. فكان ما كان من عاقبته السيِّئة التي قصّها لنا القرآن، والتي أكّد فيها على نفي قيمة المال المعنوية والإجتماعية ما لم ينفق منها في سبيل الله بالأعمال الصالحة وخدمة المجتمع، وأنّ العلو والإستكبار من الأغنياء وإستغلال الثروة لإستعباد الناس وظلمهم هو نوع من البطر والتجبُّر ونكران أنعم الله ونسيان ذكره وشكره، وهو نوع من الفساد الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، فيقول تعالى: (إنّ قارونَ كان من قَومِ مُوسى فَبَغى عليهم وآتَيناهُ من الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصبَةِ أولي القُوّةِ إذ قالَ لهُ قَومُهُ لا تَفرَح إنّ الله لا يُحِبّ الفَرِحِين * وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولا تَنسَ نَصيبَكَ من الدنيا وأحسِن كما أحسَنَ اللهُ إليك ولا تَبغِ الفَسادَ في الأرض إنّ الله لا يُحِبّ المُفسدين * قالَ إنّما أُوتِيتُهُ على عِلمٍ عندي أوَلَم يَعلَم أنّ اللهَ قد أهلك من قَبلِهِ من القُرُونِ مَن هو أشدّ منهُ قُوّةً وأكثرُ جَمعاً ولا يُسأَلُ عن ذُنُوبهم المُجرمون * فَخَرجَ على قومِهِ في زِينَتِهِ قال الذين يُريدُونَ الحياة الدنيا يا لَيتَ لَنا مِثلَ ما أوتِيَ قارونُ إنّهُ لَذُو حظِّ عظيم * وقالَ الذين أُوتُوا العِلمَ وَيلَكُم ثَوَابُ اللهِ خيرٌ لمَن آمَنَ وعملَ صالحاً ولا يُلَقّاها إلاّ الصابرون * فَخَسَفنا بهِ وبِدارهِ الأرضَ فما كان لهُ من فِئةٍ يَنصُرُونهُ من دونِ اللهِ وما كان من المُنتصرين * وأصبح الذين تَمَنّوا مَكانَهُ بالأمسِ يقولون وَيْكَأنّ اللهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لمَن يَشاء من عبادهِ ويَقدِرُ لولا أنْ مَنَّ اللهُ علينا لَخَسَفَ بنا وَيْكَأنّهُ لا يُفلِحُ الكافرون) (القصص/ 76-82).
3- المخلّون بالإقتصاد من قوم شعيب:
والصورة الثالثة صورة القوم الذين يخلّون بالنظم الإقتصادية ولا يلتزمون بالمعاملات الصحيحة: إنّهم ينقصون الوزن ويبخسون الناس في المكيال، فيأكلون حقّهم ويعبثون بالوضع الإقتصادي للبلد والناس.. فلا تكون هناك ثقة ولا إطمئنان في المجتمع فضلاً عن ضياع الحقوق والإثراء بالحرام، وذلك عين الفساد.
ولأنّ الأنبياء يُذكِّرونهم بالحق، والمؤمنون ينهونهم عن الباطل، فإنّهم وزيادة في غيّهم وتعنّتهم، كانوا يروِّعون المؤمنين ويُخوِّفون الناس من اتباع الرسالة.. ولمّا لا ينفع ذلك هدّدوا النبي وأتباعه بالتهجير والإبعاد إن لم يرتدُّوا عن دين الحق.
وهذه صورة من الصور التي تُبيِّن إمتداد الفساد المالي إلى الجوانب الإجتماعية الأخرى، فكان فساد الحكم والظلم والبغي لغرض قمع المصلحين وصدّهم عن معارضة خطواتهم الفاسدة وعبثهم بمقدرات الناس وسرقة أموالهم.
وهكذا كانت دعوة شعيب الإصلاحية: دعوة لإصلاح الأوضاع الإقتصادية ومكافحة الفساد، قائمة على الإيمان والدين، كعامل للتقوى والإمتناع عن الجرائم الإقتصادية.
يقول تعالى: (وإلى مَديَنَ أخاهُم شُعَيباً قال يا قومِ اعبُدُوا اللهَ ما لكم من إلهٍ غَيرُهُ قد جاءَتكُم بَيِّنةٌ من ربِّكُم فأَوفوا الكَيلَ والميزانَ ولا تَبخَسوا الناسَ أشياءَهم ولا تُفسِدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كُنتُم مؤمنين * ولا تَقعُدوا بكلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدّونَ عن سبيلِ اللهِ مَن آمنَ بهِ وتَبغُونها عِوَجاً واذكروا إذ كنتم قليلا فَكَثّركُم وانظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المُفسدين) (الأعراف/ 85-86).
(قال المَلأُ الذينَ استَكبَروا من قَومِهِ لَنُخرجَنّكَ يا شُعَيبُ والذين آمنوا معكَ من قَريَتِنا أو لَتَعودُنَّ في مِلّتِنا قال أوَلَو كُنّا كارهين) (الأعراف/ 88).
وبذلك يعطينا القرآن في قصة النبي شعيب مع قومه، صورة متكاملة من رسالة الإصلاح التي حملها الأنبياء، في بُعدها الديني العقائدي: في الدعوة إلى عبادة الله: (… يا قوم اعبدوا الله…) (هود/ 84)، وفي بُعدها الإصلاحي الإقتصادي: في الدعوة إلى رعاية الموازين ورعاية حقوق الناس المالية والتقيُّد بالنظم والقوانين الإقتصادية، لا كما كانوا يريدون العمل دون حدٍّ أو ضابط: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) (هود/ 78)، وفي بُعدها الحقوقي بالتنويه إلى حرِّية الناس في الإعتقاد ورفض الإكراه فيه: (أو لتعودنّ في ملّتنا قال أوَلو كُنّا كارهين) (الأعراف/ 88)، وفي بُعدها السياسي: في فضح إستخدام القوّة للإرعاب والإرهاب لقمع الصوت المعارض والمصلح، وفي مجال إصلاح العادات والتقاليد الموروثة (قالوا يا شُعيب أصلاتك تأمُرُك أن نترك ما يعبدُ آباؤنا…) (هود/ 78).. وبيان العلاقة بين أنواع الفساد، الثقافي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي، وهناك دروس أخرى تحملها الآيات المباركات، فلتراجع في مظانها من التفسير.

المصدر: كتاب نظرية الإصلاح من القرآن الكريم

http://www.balagh.com


more post like this