بسم الله الرحمن الرحيم

ما فرض الله الحجّ وما خصّه من جميع الطاعات إلى نفسه بقوله عزّ من قائل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران 97)، إلاّ لجمع الكلمة ، وتوحيد الصفّ ، والتعارف بين المسلمين لتفهّم قضاياهم وتشاورهم فيما يخصّ آخرتهم ودنياهم ، فإنّ في مناسكه شحنة روحية تملأ النفس عطفاً وحناناً ، ويقظة نحو المثل العليا مكاناً وزماناً.

إلاّ أنّ لكلّ منسك من مناسك الحجّ سرّ عظيم يرمز إليه ، وهدف سامي يترتب عليه , فإنّ في الإحرام التبتل لله في الحركات والسكنات , وكفّ النفس عن المدنّسات والموبقات، بنحو يوجب السيطرة على سلطان الهوى ، ويركّز فيها الإيمان والتقوى ، وعند لبس ثوبي الإحرام رمز لخروج الإنسان من حفرة قبره ، مؤتزراًَ بثوبي كفنه ، قد فارق الأهل والأحبة، ومباهج الحياة وموارد الثروة ، فلا المال ينفعه، ولا الأولاد والأحبة تسعده , وفي التلبية نداء يملأ القلب سروراً، وتهتزّ به المشاعر بهجة وحبوراً، تنطلق به ألسنة الحجيج ، عندما يجدّ بها السير نحو المشاعر المشرّفة والبقاع المقدّسة ، معلنة بعظمة الله عزّ وجلّ، خاضعة لجلال قدرته وجمال لطفه ، شاخصة بأبدانها نحو البيت العتيق من كلّ فجّ عميق، وكلّ أرب سحيق , وفي التلبية رمز لإجابة دعوة الله لأداء الحجّ، يوم دعا الله الناس على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوله عزّ من قائل:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج 27).

وفي الطواف حول بيت الله الحرام زيارة لصاحب البيت، حبّاً لذاته المقدّسة، وعشقاً لمقامه العظيم ، وتطلعاً لوجهه الكريم ، وتعلقاً بشخصه الجليل ، بعد أن جرّد الطائف نفسه من كل ّتعلّق سُوى الله تعالى , وقطع كلّ ارتباط بمن عداه، بإحرامه من الملذات ومن فتون الحياة , وهذا أبلغ معنى في الزيارة للمحبوب ، وأقوى ارتباط بين الطالب والمطلوب , وفي الدوران المتكرر سبعاً بالعدد المبارك، رمز لتوجه الزائر لدار المزور بكلتيهِ ، وانقطاع القاصد للمقصود بجملته , وفي استلام الحجر توصّلاً للقرب من المزور , والاتصال به من طريق بيته المعمور , وفيه رمز للمصافحة لربّ البيت ، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (الحجر الأسود يمين الله في خلقه يصافح بها خلقه).

وفي التعلّق بأستار الكعبة، تعلّق من الحاج بربّ البيت والانقطاع إليه , وفيه رمز لتعلق الزائر بالمزور، شوقاً للقياه وحبّاً للتطلع لمحيّاه:

وما حبّ الديار شغفن قلبي         ولكن حبّ من سكن الديارا

وفي السعي نحو الله والتردد في الذهاب والإياب بالأشواط السبعة، لزيارة الشوق والحبّ لذاته ، والقرب لشامخ مقامه، واستهداف البلوغ لعلوّ عظمة شأنه ، والوصول لشعائر جلاله وجماله، بعد الحلول بفناء بيته الحرام ، وتردده في الغدو والرواح، للظفر بالمزور، والتوفيق للمثول بين يديه.

وفي الوقوف بعرفات؛ بلوغ الشوق لذات الله القدسية أسمى مراتبه وأعلى أنواعه، فإنّه بعد أن طاف حول البيت، طوفان العاشق الولهان، وسعى نحو الله، سعي المحبّ الضمآن، شحنت نفسه بشدّة الشوق والاشتياق ، وامتلأت بالعشق والهيام ، هام نحو البراري والقفار , وشقّ الصحراء والوديان نحو عرفات ، طلباً للقرب لذاته المقدّسة، وتطلعاً لأنواره المتلألئة ، وفي ذلك رمز لهيام العاشق في طلب معشوقه , وتركه ملذات الحياة في سبيل الظفر بمطلوبه , فإنّ الشوق إذا اشتدّ، والحبّ إذا بلغ نهاية الحدّ، انحصر بالمحبوب وانصرف المحب عمّا سواه , وكره الطالب عمّا عداه , فيفرّ للفضاء المطلق، حيث الصحارى والوديان والجبال , حيث لا أنس هناك ولا أنيس ولا سمير هناك ولا جليس.

وفي الوقوف بالمشعر، الدخول في الحرم في أسر من العبودية والطاعة، بعد الخروج عنه في عرفات , فإنّ المشعر من الحرم دون عرفات ، وفيه رمز لعود العاشق الولهان لديار المحبوب، ليحظى بالعطف والحنان عليه ، والتوجّه والالتفات إليه.

وفي الرمي الرجم لتمثال الشيطان ، إعلاناً للحرب على الشيطان، الداعي لعبادة غير الرحمان ، والموسوس في الصدور بالدعوة للعصيان ، تصديقاً من الحاج لما سبق منه من الإخلاص لله تعالى في العبادة، والانقياد له وحده في الطاعة ، بنبذه للمضلين وحربه للشياطين , فالجمرات رمز للشياطين، الرادعين من الفضيلة والداعين للرذيلة.

وفي الذبح إراقة الدم قرباناً لله تعالى، تصديقاً آخر من الحاج، لما سبق منه من الإخلاص في العبودية، والاعتراف لله وحده بالربوبية ، حيث قدّم قربانه لذاته تعالى، لا لغيره من أصنام كيّفها الهوى، ونحتها الخيال ، ففيه الرمز للتضحية بما يملك في سبيل الله، خالصة لوجهه الكريم من دون فائدة دنيوية، سوى الإطاعة له تعالى والانقياد له.

لبيك اللهم لبيك:

نداء نادتك به أوّل البصائر، من يوم كانوا في أصلاب الرجال، وأرحام النساء ، معلنة في هذا اليوم لعظمتك، خاضعة لجلال قدرتك وجمال لطفك , مادّة أعناقها نحو شامخ مقام قدسك , شاخصة بأبدانها نحو البيت العتيق، من كلّ فجِّ عميق، ذلك البيت الذي من حجّ إليه نال السعادة بغفران ذنوبه ، وكان كيوم ولدته أمّه، تبارك الله أحسن الخالقين.

لبيك اللهم لبيك:

كلمة تملأ القلوب نوراً، والنفس سروراً ، وتهتزّ بها المشاعر بهجة وحبوراً , تنطلق بها ألسنة الحجيج، عندما يجدّ بها السير نحو الرحمة المطلقة، والشعائر المشرفة، والبقاع المقدسة, فهناك وهناك السعادة الأبدية ، والتجليات الإلهية، تقف دونها الأفكار حائرة، والألباب متحيرة , وتضعك فيها الأنوار القدسيّة، وتنعشك الألطاف الربانية , فتمتلىء منك الجوانب والجوانح خشية وروعة ، منادية من مستسر سرّها: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران 191).

لبيك اللهم لبيك:

أداء لما فرضته على العباد من عبادتك ، من حجّ بيتك الحرام، للغرض الذي يرمي إلى اجتماع عام ، في حشد سنوي ضخم، يجمع على صعيد واحد مختلف الطوائف الإسلامية، في إطار ديني تزكّى فيه روح الأخوة، ومشاعر المودّة ، ويحيا به الشعور الديني ، ويبعث العواطف نحو مثلها العليا، وبنور الفكرة الإسلامية بأسمى أهدافها، وأوسع نطاقها.

 

الدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء

————————————————

مراجعة وصبط النص شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي .


more post like this