ابي جعفر محمدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق

وأما غيبة إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تشبه غيبة قائمنا صلى الله عليه وآله وسلم بل هي أعجب منها لأن الله عز وجل غيب أثر إبراهيم عليه السلام وهو في بطن أمه حتى حوله عز وجل بقدرته من بطنها إلى ظهرها ثم أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله.

7-  حدثنا أبي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا حدثنا سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان أبو إبراهيم عليه السلام منجما لنمرود بن كنعان وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه فنظر في النجوم ليلة من الليالي فأصبح فقال لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا فقال له نمرود وما هو فقال رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه فيكون هلاكنا على يديه ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به فعجب من ذلك نمرود وقال له هل حملت به النساء فقال لا وكان فيما أوتي به من العلم أنه سيحرق بالنار ولم يكن أوتي أن الله تعالى سينجيه قال فحجب النساء عن الرجال فلم يترك امرأة إلا جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن الرجال قال ووقع أبو إبراهيم على امرأته فحملت به وظن أنه صاحبه فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شي‏ء إلا علمن به فنظرن إلى أم إبراهيم فألزم الله تعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن ما نرى شيئا في بطنها فلما وضعت أم إبراهيم به أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود فقالت له امرأته لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا تكون أنت تقتل ابنك فقال لها فاذهبي به فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه فجعل الله عز وجل رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبنا وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم إن أمه قالت لأبيه لو أذنت لي حتى أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت قال فافعلي فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم عليه السلام وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبي فقالت له قد واريته في التراب فمكثت تعتل وتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم عليه السلام فتضمه إليها وترضعه ثم تنصرف فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه وصنعت كما كانت تصنع فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها فقالت له ما لك فقال لها اذهبي بي معك فقالت له حتى أستأمر أباك فلم يزل ابراهيم عليه السلام في الغيبة مخفيا لشخصه كاتما لأمره حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره وأظهر الله قدرته فيه ثم غاب عليه السلام الغيبة الثانية وذلك حين نفاه الطاغوت عن مصر فقال (وأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا قال الله عز وجل فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ووَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) يعنى به علي بن ابي طالب عليه السلام لأن إبراهيم قد كان دعا الله عز وجل أن يجعل له لسان صدق في الآخرين فجعل الله تبارك وتعالى له ولإسحاق ويعقوب لسان صدق عليا فأخبر علي عليه السلام بأن القائم هو الحادي عشر من ولده وأنه المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وأنه تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون وأن هذا كائن كما أنه مخلوق  وأخبر عليه السلام في حديث كميل بن زياد النخعي أن الأرض لا تخلو من قائم بحجة إما ظاهر مشهور أو خاف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته وقد أخرجت هذين الخبرين في هذا الكتاب بإسنادهما في باب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من وقوع الغيبة وكررت ذكرهما للاحتياج إليه على أثر ما ذكرت من قصة إبراهيم عليه السلام. ولإبراهيم عليه السلام غيبة أخرى سار فيها في البلاد وحده للاعتبار.

8-  حدثنا أبي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال خرج ابراهيم عليه السلام ذات يوم يسير في البلاد ليعتبر فمر بفلاة من الأرض فإذا هو برجل قائم يصلي قد قطع إلى السماء صوته ولباسه شعر فوقف عليه إبراهيم عليه السلام فعجب منه وجلس ينتظر فراغه فلما طال ذلك عليه حركه بيده وقال له إن لي حاجة فخفف قال فخفف الرجل وجلس إبراهيم فقال له ابراهيم عليه السلام لمن تصلي فقال لإله إبراهيم فقال ومن إله إبراهيم قال الذي خلقك وخلقني فقال له إبراهيم لقد أعجبني نحوك وأنا أحب أن أواخيك في الله عز وجل فأين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك فقال له الرجل منزلي خلف هذه النطفة وأشار بيده إلى البحر وأما مصلاي فهذا الموضع تصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله ثم قال الرجل لإبراهيم لك حاجة فقال إبراهيم نعم فقال الرجل وما هي قال له تدعو الله وأؤمن أنا على دعائك أو أدعو أنا وتؤمن أنت على دعائي فقال له الرجل وفيم ندعو الله فقال له إبراهيم للمذنبين المؤمنين فقال الرجل لا فقال إبراهيم ولم فقال لأني دعوت الله منذ ثلاث سنين بدعوة لم أر إجابتها إلى الساعة وأنا أستحيي من الله عز وجل أن أدعوه بدعوة حتى أعلم أنه قد أجابني فقال إبراهيم وفيما دعوته فقال له الرجل إني لفي مصلاي هذا ذات يوم إذ مر بي غلام أروع النور يطلع من جبهته له ذؤابة من خلفه ومعه بقر يسوقها كأنما دهنت دهنا وغنم يسوقها كأنما دخست دخسا قال فأعجبني ما رأيت منه فقلت يا غلام لمن هذه البقر والغنم فقال لي فقلت ومن أنت فقال أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عز وجل فدعوت الله عز وجل عند ذلك وسألته أن يريني خليله فقال له ابراهيم عليه السلام فأنا إبراهيم خليل الرحمن وذلك الغلام ابني فقال له الرجل عند ذلك الحمد لله رب العالمين الذي أجاب دعوتي قال ثم قبل الرجل صفحتي وجه إبراهيم وعانقه ثم قال الآن فنعم وادع حتى أؤمن على دعائك فدعا ابراهيم عليه السلام للمؤمنين والمؤمنات المذنبين من يومه ذلك إلى يوم القيامة بالمغفرة والرضا عليه السلام نهم قال وأمن الرجل على دعائه قال فقال أبو جعفر عليه السلام فدعوة إبراهيم بالغة للمؤمنين المذنبين من شيعتنا إلى يوم القيامة.


more post like this