مقدمة :

عدد سكان الكوفة ومساحتها وعلاقته بتأسیس المسجد :

أن المعلومات التی نوردها بصدد مساحة الكوفة وعدد سكانها فی حدود الثلاثین عاماَ التی تلت تأسیسها عرضة للمناقشة ، كما أن التقدیرات التی اقترحتها لعدد السكان كانت تقدیریة ، ولذا لا یمكن الجزم بصحتها ، وبالرغم من ذلك فإن إیرادها لا یخلو من فائدة :

أولاً- إن عمر بن الخطاب طلب من القائد سعد أن یختطَّ المسجد الجامع على عدد المقاتلة فخطّ على أربعین ألف إنسان ، فلما قدم زیاد بن أبیه زاد فیه عشرین ألف إنسان وقال الشعبی- كما أسلفنا : “إن أهل الیمن اثنا عشر ألف ، وأن نزار ثمانیة آلاف” .

وروى البلاذری أنه : “كان مع رستم یوم القادسیة أربعة آلاف یسمون جند فاستأمنوا على أن ینزلوا حیث أحبوا … وأنزلهم سعد بحیث اختاروا .. وكان لهم نقیب منهم یقال له دیلم فقیل حمراء دیلم” ، ثم یقول البلاذری :أن جماعة من الأساورة بعد أن فتح المسلمون قزوین ، أتوا الكوفة فأقاموا بها .

وفی روایة أخرى قال البلاذری : إن یوسف بن عمر ، قال “نظرت فی جماعة مقاتلة البصرة أیام زیاد فوجدتهم ثمانین ألفاً ، ووجدت عیالهم مائة ألف وعشرین ألف مقاتل وعشرین ألف عیل ، ووجدت العرب مقاتلة الكوفة ستین ألفاً وعیالهم ثمانین ألفاً ” .

ویبدو من الروایات السابقة أن عدد مقاتلة الكوفة العرب ، فی الفترة موضوع البحث كان ستین ألفاً ، وأن عیالهم ثمانون ألفاً ، وأن حمراء دیلم أربعة آلاف ، ویقدر عدد عیالهم قیاساً على عدد عیال العرب بستة آلاف ، وعلى فرض أن عدد الأساورة الذین جاءوا من قزوین ونزلوا الكوفة یقدر بألفین .

وإذا علمنا أن عدداً من السكان العرب لا یدخلون فی هذا الإحصاء ، لأن الدیوان خاص بالمقاتلة وعیالهم ، أما غیر الصالحین للقتال فلا ینالون عطاء من الدولة ، ولا تدرج أسماؤهم فی الدیوان ، یضاف إلى ذلك أن عدد السكان النصارى الذین لا یدخلون فی عداد المقاتلة یمكن تقدیره بعشرة آلاف ، نظراً لأن معظم سكان الحیرة التی أسست الكوفة على أنقاضها كانوا نصارى ، ویترتب على ما سبق ، یمكن أن یقدر مجموع سكان الكوفة فی الفترة موضوع البحث فی حدود مائتی ألف نسمة ، وإذا أخذنا عدد دور الكوفة مقیاساً لتقدیر سكانها لوجدنا أن الرقم السابق یتضاعف لأن عدد دورها كان على روایة بشر بن عبد الوهاب ثمانین ألفاً مع الافتراض بأن كل دار كان یسكنها خمسة أشخاص ، ونعتقد أن هذا العدد مبالغ فیه للأسباب الآتیة :

أ‌-        یقصد بالمقاتلة العرب أفراد الجیش الذین أنیطت بهم الحروب الداخلیة والخارجیة فی المناطق التابعة للكوفة ، سواء كان ذلك فی حدود العراق الحالیة أو فی خارجها ، ولیس من الضروری أن یسكن جمیع هؤلاء فی العاصمة ، وربما سكن الكثیر منهم فی مدن ومعسكرات قریبة من الكوفة ، وأن إدراجهم بدیوان مقاتلة الكوفة لا یعنی حصراً أنهم سكنوا فیها .

ب‌-      من المحتمل أن أسماء وهمیة كانت تسجل بالدیوان لغرض سحب العطاء ، لذا یصعب أخذ العدد المسجل بالدیوان أساساً لمعرفة سكان المدینة .

ج- إن مشكلات التموین والإسكان خاصة فی فترة تأسیس المدینة تجعل القیام بسد الحاجات الضروریة لعدد كبیر من السكان أمراً بالغ الصعوبة ، لذا لا نحتمل وجود العدد المذكور فی مدینة الكوفة فی الفترة موضوع البحث .

أما مساحة الكوفة فتقدرها الروایة التی أوردناها عن بشر بن عبد الوهاب قبل قلیل بستة عشر میلاً وثلثی المیل .

ولا نستطیع أن نحدد بالضبط السنة التی جرى فیها التقدیر المذكور ، ولكننا مع ذلك نعلم أن بشراً هذا كان من موالی بنی أمیة  والحالة هذه معاصر لهم ، ومن المعلوم أن المیل یساوی (1069) متراً أو (3000) ذراع بالمقیاس القدیم .

المسجد ودار الإمارة :

أولاً- المسجد :

كان المسجد أول بناء خطط ثم شُیّد فی الكوفة ، ویبدو أن المسجد أقیم فی موضع مرتفع من المدینة .

ویحدد البلاذری موضع المسجد ، بقوله :

“ثم وضع سعد مسجدها ودار إمارتها فی مقام العالی وما حوله “.

ثم یبین البلاذری : أن مخططی المسجد بدأوا بتعیین جدار القبلة أولاً.

وتعیین الجدار المذكور أمر ضروری ، لأن تعیین جدار القبلة من شأنه أن یسهل تخطیط بقیة الجدران ، وكان المسجد مربع الشكل یساوی ضلعه رمیة سهم – حسب روایة البلاذری السابقة وروایة الطبری – .

وفی معرض الكلام عن شكل بناء المسجد یقول الطبری : “فترك المسجد فی مربعة علوه من كل جوانبه ، وبنی ظلة فی مقدمة لیست لها مجنبات ولا مواخیر والمربعة لاجتماع الناس لئلا یزدحموا … وكانت ظلته مائتی ذراع ، على أساطین رخام كانت للأكاسرة سماؤها كأسمیة الكنائس الرومیة ، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا یقتحمه أحد ببنیان ” .

ویبدو أن موقع المسجد تغیر بعد فترة قلیلة من تخطیطه لأول مرة ، وذلك على أثر حصول سرقة ببیت المال الذی كان جزء من دار الإمارة الواقعة على مقربة من المسجد ، وبعد أن أخبر عمر بن الخطاب بحصول السرقة كتب إلى سعد : “أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جانب الدار ، واجعل الدار قبلته .. فنقل المسجد وأراغ بنیانه ” .

ویذهب الطبری إلى أن سعداً طلب من أحد المعماریین الفرس أن یتولى بناء دار الإمارة والمسجد ، فقال المعمار لسعد : “أنا أبنیه لك وأبنی لك قصراً فأصلهما ویكون بنیاناً واحداً ، فخط قصر الكوفة على ما خط علیه ، ثم أنشأه من نقض آجر كان للأكاسرة فی ضواحی الحیرة على مساحته الیوم ” .

ونفید من الروایات السابقة أن المسجد الذی بناه سعد یتصف بما یأتی :

أولاً : كان المسجد مربع الشكل ذا ظلة أو جزء مسقوف لإیواء المصلین ، ولیس له مجنبات ولا مؤخرة ، وإن قبلته منحرفة قلیلاً عن الاتجاه الذی یحدده علم الهیئة القدیم .

ثانیاً : لم یكن المسجد مسوراً لذلك أعلموا على الصحن بخندق لئلا یقتحمه أحد ببنیان ، هذا من جهة ومن جهة أخرى ، أن الطبری روى عن عطاء مولى إسحاق ن طلحة ، أنه قال : “كنت أجلس فی المسجد الأعظم قبل أن یبنیه زیاد ، ولیست له مجنبات ولا مواخیر ، فأرى منه دیر هند وباب الجسر ” .

ومن الجدیر بالذكر أن الموضعین الواردین فی النص السابق یقعان بالقرب من الفرات كما یظهر على الخریطة التی تخیلها ماسنیون لمدینة الكوفة .

ثالثاً : یبدو أن ضعفاً ظاهراً فی روایة الطبری السابقة القائلة : “بأن المسجد والقصر بنیا من نقض آجر كان مستعملاً ببناء الأكاسرة یقع فی ضواحی الحیرة ، ویعود ذلك الضعف لأسباب :

أ‌-        بعد المسافة بین الكوفة والحیرة ، كانت المسافة بین موضع المدینة الجدیدة والحیرة تبلغ ثلاثة أمیال .

ولاشك أن كلفة نقل الأنقاض من مسافة كهذه تكون كبیرة .

ب‌-      إن كلفة نقض الآجر من بناء قائم ، ثم كلفة تنظیفه لیكون صالحاً للاستعمال مجدداً ربما تزید على كلفة عمل آجر جدید ، لاسیما إذا علمنا أن الحطب الذی یشوى به اللبن لیصبح آجراً ، متوفر فی الكوفة حیث أقیم البناء .

ج- إن الطابوق المنقوض من بناء قدیم یتعرض للكسر فی الغالب ، ثم یصعب استعمال الجص كمادة لاصقة له بعد نقضه .

یضاف إلى ذلك أن آجراً بهذه الصفة لا یصلح أن یستعمل لإقامة بناء ذی أهمیة كما هی الحال فی بناء المسجد ودار الإمارة فی الكوفة .

د- إن التنقیبات الأثریة التی أجرتها مدیریة الآثار العراقیة تؤید ما ذهبت إلیه بخصوص مواد البناء المستعملة فی مسجد الكوفة ودار إمارتها .

قال الدكتور الجنابی : ” أثبت البحث الأثری أن مادة البناء المستعملة هی الآجر والجص ، وبعد الفحص الدقیق ثبت لدینا أن الآجر المستعمل فی بناء الدار جمیعه من صنع محلی غیر مختلف ولا مهشم ولا منزوع أو منقول من محل آخر وبقیاس متناسب .. وهذا بخلاف ما زعمه الرواة من أن سعد بن أبی وقاص قد بنى دار الإمارة فی الكوفة بآجر انتزعه من بنیان للأكاسرة فی الحیرة ” .

ثانیاً : دار الإمارة :

كانت دار الإمارة التی بناها سعد واقعة على مقربة من المسجد الجامع وكانت تلك الدار تضم بین محتویاتها بیت مال الكوفة .

قال الطبری عند كلامه عن بناء مسجد الكوفة فی عهد سعد : “وبنوا لسعد داراً بحیاله (المسجد) بینهما طریق منقب مائتی ذراع ، وجعل فیها بیوت الأموال وهی قصر الكوفة الیوم ، بنى ذلك له روزبة من آجر بنیان الأكاسرة بالحیرة ” .

ویبدو أن المسجد والدار كانا وسط میدان حظرت السلطات البناء فیه ، ولكنها سمحت للناس أن یتخذوا مواضعهم فی المیدان المذكور لغرض البیع والشراء .

ویظهر أن الأوضاع التی وصفنا استمرت طیلة حكم عمر ، قال الطبری أیضاً : فكان الصحن على حاله زمان عمر كله لا تطمع فیه القبائل ، لیس فیه إلا المسجد والقصر والأسواق فی غیر بنیان ولا أعلام ، وقال عمر : “الأسواق على سنة المساجد من سبق إلى مقعد فهو له حتى یقوم منه إلى بیته أو یفرغ بیعه ” .

واستقر موضع القصر قبلة المسجد وذلك على أثر تغییر أجری فی ذلك الموضع بعد حصول سرقة فی بیت المال ، وعندما أخبر الخلیفة بذلك كتب إلى سعد قائلاً: “أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار ، واجعل الدار قبلته … فنقل المسجد ” .

ویظهر أن سعداً أحكم بناء القصر وحصنه من الناحیة العسكریة ، ومنع الناس من الدخول إلیه بمحض إرادتهم ، وأغضب الناس إجراء الأمیر ، فرفعوا الأمر للخلیفة الذی ما لبث أن أرسل رسولاً یحمل كتاباً إلى سعد ، قال فیه : ((بلغنی أنك بنیت قصراً اتخذته حصناً ویسمى قصر سعد ، وجعلت بینك وبین الناس باباً ، فلیس بقصرك ولكنه قصر الخبال )) .

وقد أوضح سعد وجهة نظره لرسول الخلیفة ، ووصف الأخبار التی وصلت العاصمة بأنها مبالغ فیها .

ونختم الحدیث عن دور تأسیس المسجد وقصر الإمارة بما یأتی :

أولاً: إن مواد البناء التی استعملت فی بناء دار الإمارة شأنها شأن التی استعملت فی بناء المسجد ، كانت مستحدثة ولیست منقوضة من أبنیة إیرانیة قدیمة ، وقد فصّلنا ذلك عند كلامنا عن المسجد .

ثانیاً: إن وصف الخلیفة لدار الإمارة بأنها قصراً ، وأنها حصن ، یدل على أن النواحی العسكریة ومقتضیات الأمن كانت موضع الاهتمام عند تخطیط تلك الدار وبنائها .

ثالثاً: إن تحویرات أدخلت على موضع المسجد وقبلته حتى تتوفر مستلزمات الأمن لبیت مال الدولة والسلامة والراحة لممثلها فی الكوفة .

أما مساحة مسجد الكوفة فلیس لدینا عنها إلا روایة واحدة متأخرة ، لذا لا نستطیع الجزم فیما إذا كانت تلك المساحة أخذت للمسجد عند تأسیسه أو بعد إعادة بنائه من قبل زیاد كما سنشیر فی الصفحات التالیة .

قال یاقوت : أن الشعبی ، قال : “مسجد الكوفة ستة أجربة وأقفزة ، وقال زاد نفروخ : هو تسعة أجربة …” .

والجریب والقفیز كمقیاسین للطول یساویان على التوالی 3917م2 و391,7م2 .

ومن الجدیر بالذكر أن طائفة من الكتاب یشكون فی صحة الاتجاه القائم لقبلة مسجد الكوفة ، وقد تطرق إلى ذلك السید البراقی فی كتابه تاریخ الكوفة ، ونقل روایة عن المجلسی مفادها ، أن محراب مسجد الكوفة منحرف یمین نصف النهار نحواً من أربعین درجة ، وهو قریب من قبلة أصفهان .

وعلل المجلسی أمر الأئمة (ع) لشیعتهم بالتیاسر اتجاه القبلة المتعارف علیه فی مسجد الكوفة بأنه ناتج عن تحدید اتجاه القبلة لم یجر بصورة صحیحة عند بناء عدد من المساجد القدیمة فی العراق بما فیها مسجد الكوفة ، ونمیل إلى أن انحراف القبلة فی المسجد ناتج عن التغیرات التی أجراها سعد فی بناء المسجد لیناسب قصر الإمارة كما جاء فی روایة الطبری التی أشرنا إلیها فیما سبق من البحث ، وتؤكد البحوث الأثریة وجود انحراف فی قبلة المسجد قدره سبع عشرة درجة .

http://shia-info.mihanblog.com/


more post like this