ـ القسم الأول ـ

* معنى الكفر :

حدَّد الإمام الصادق (عليه السلام) معنى الكفر أفضل تحديد ، بقوله : ( كلّ معصية عُصي الله بها بجهة الجَحد والإنكار والاستخفاف والتهاون ، في كلِّ ما دقّ وجلّ ، وفاعله كافر ، ومعناه معنى كُفر ، من أيّ ملّةٍ كان ، ومن أيّ فرقة كان ، بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات ، فهو كافر… ) (1) .

ويرسم لنا الإمام الباقر (عليه السلام) قاعدة عامة في مسألة الإيمان والكفر ، هي : ( كلّ شيء يجرّه الإقرار والتسليم فهو الإيمان ، وكلّ شيء يجرّه الإنكار والجحود فهو الكفر ) (2) .

ومَن يستقرئ موجبات الكفر في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ، يجد أنّها تتمحور ـ أساساً ـ حول الفقرات التالية :

أولاً : الشك في الله تعالى ورسوله : يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : ( مَن شكَّ في الله وفي رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فهو كافر ) (3).

وعن منصور بن حازم قال : قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) مَن شك في رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ، قال : ( كافر ) (4).

ثانياً : ترك العمل بالفرائض الواجبة أو جحدها : وحول هذه الفقرة يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : (.. إنَّ الله عزَّ وجلَّ فرض فرائض موجبات على العباد ، فمَن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافراً) (5) . وعن جابر عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) : ( بين الإيمان والكفر ترك الصلاة ) (6) .

ثالثاً : الانحراف العقائدي : وقد يتمثّل في تشبيه الله بخلقه وإطلاق صفات المخلوقين عليه ، يقول الإمام الرضا (عليه السلام) : ( مَن وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر ) (7) .

ومن مظاهر الانحراف الأخرى الموجبة للكفر القول بالجبر والتفويض ، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنَّ : (.. القائل بالجبر كافر ، والقائل بالتفويض مشرك ) (8) .

كما ورد عنه (عليه السلام) أنّ القول بالتناسخ موجب ـ أيضاً ـ للكفر ، قال : ( مَن قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم ، مكذِّب بالجنة والنار ) (9) .

رابعاً : إدعاء الإمامة : فقد جاء عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : ( مَن ادّعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر ) (10) .

خامساً : بغض أهل البيت (عليهم السلام) : وهو من الموارد التي تُؤدِّي إلى الكفر ، قال الإمام الباقر (عليه السلام) لزيد الشحام : ( يا زيد حُبُّنا إيمان وبغضنا كفر ) (11) .

وعن عبد الله بن مسعود قال : سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول : ( مَن زعم أنّه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليّاً (عليه السلام) ، فهو كاذب ليس بمؤمن ) (12) .

وقد تقدّم ما يدل عليه في حب أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً .

* وجوه الكفر وحدوده :

ما أكثر وجوه الكفر وألوانه وما أكثر الطُرق المؤدِّية إليه ، بعضها واضحٌ جلي ، وبعضها غامضٌ خفي ، يسير عليها الإنسان ولا يعلم أنّه صائر إلى الهاوية .

وقد كشف لنا الإمام الصادق (عليه السلام) بما امتاز به من نظرة قرآنية عميقة ، عن وجوه الكفر في القرآن .

عن أبي عمرو الزبيدي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قلتُ له أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، قال (عليه السلام) : (الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه فمنها : كفر الجحود ـ والجحود على وجهين ـ والكفر بترك ما أمر الله ، وكفر البراءة ، وكفر النعم .

فأمَّا كفر الجحود ، فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول مَن يقول : لا ربّ ولا جنّة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزّنادقة يقال لهم : الدّهرية ، وهم الذين يقولون : (… وما يُهلِكُنا إلاّ الدَّهرُ ) (13) ، وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان ، على غير تثبُّت منهم ولا تحقيق لشيء ممّا يقولون .. وقال : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (14) ، يعني : بتوحيد الله تعالى . فهذا أحد وجوه الكفر .

وأمَّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة ، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ : ( وجَحَدُوا بِها واستَيقَنتها أنفُسهم ظُلماً وعُلُّواً.. ) (15) ، وقال الله عزَّ وجلَّ : (.. وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (16) فهذا تفسير وجهَي الجحود .

والوجه الثالث من الكفر : كفر النعم ، وذلك قوله تعالى يحكي قول سلمان (عليه السلام) : (.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (17) ، وقال : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (18) ، وقال : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) (19) .

والوجه الرابع من الكفر : ترك ما أمر الله عزَّ وجلَّ به ، وهو قول الله عزَّ وجلَّ : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ) فكفّرهم بترك ما أمر الله عزَّ وجلَّ به ، ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ، ولم ينفعهم عنده ، فقال : ( فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (20) .

والوجه الخامس من الكفر : كفر البراءة ، وذلك قوله عزَّ وجلَّ يحكي قول إبراهيم (عليه السلام) : (.. كَفرَنا بِكُم وبَدا بَيننَا وبَينَكُم العَداوَةُ والبَغضَآءُ أبَداً حتّى تُؤمِنُوا باللهِ وحدَهُ.. ) (21) يعني تبرَّأنا منكم . وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الإنس يوم القيامة : (..إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) (22) ، وقال : (.. إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.. ) (23) يعني يتبرّء بعضكم من بعض ) (24) .

ومن الكفر العظيم ما يتصل بإنكار الأنبياء أو تكذيبهم فيما ينقلون عن الله تعالى ، ممَّا وصل إلينا بطريق التواتر ، أو التفريق بينهم ، أو الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعض ، قال تعالى : ( إنَّ الَّذينَ يكفُرُونَ باللهِ ورُسلِهِ ويُريدُونَ أن يُفرّقوا بَينَ اللهِ ورسُلِهِ ويقُولُونَ نؤمِنُ بِبعضٍ ونكفُر بِبعض .. أولئكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقاً ) (25) .

ويدخل في زمرة الكافرين أهل الأديان الأخرى الذين يُنكرون نبوة محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعموم رسالته وأنّه خاتم النبيِّين ، فالقرآن يقول عن اليهود الذين عرفوا أنّ نبوة محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حق في عصره ثم أنكروها إستكباراً وعناداً : ( فَلمَّا جآءهُم ما عَرفُوا كَفَرُوا بِهِ فلعنَةُ اللهِ على الكَافِرينَ ) (26) .

ويدخل ـ أيضاً ـ في زمرة الكافرين الذين أنكروا كون القرآن الكريم من عند الله تعالى : ( قُل أرَيتُم إن كانَ مِن عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفرتُم بِهِ .. ) (27) .

ولا بدَّ من التنويه على أنّ الكفر ليس ذاتياً في الإنسان ، بل هو عارض يضعف ويقوى ، فإذا قوى حجب الإيمان وستره ، ولكن لا ينفيه ولا يبطله ؛ بدليل أنّ مَن يكفر قد يعود بالتوبة أو بالهداية من الله إلى الإيمان بعد الكفر (28) قبل أن يموت ، فإذا مات فحكمه أنّه كافر .

ومن الشواهد الدالة على ازدياد الكفر ، ما ورد عن محمد بن مسلم ، قال : قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) : ( عُتُلٍّ بعدَ ذلكَ زنيمٍ ) (29) ، قال : ( العُتُلُّ : العظيم الكفر ، والزنيم : المستهتِر بكفره ) (30) .

من جانبٍ آخرٍ نجد نمطاً من الناس قد أسرُّوا الكفر ، ولكن أظهروا الإيمان نفاقاً ، فهم كالحرباء التي تتأقلم مع الظروف وتتمحور حول المصالح الذاتية ، وكنموذج من أولئك المنافقين في تاريخنا الإسلامي ، ممَّن انطلى نفاقهم وكفرهم على شريحة واسعة من المسلمين لتستُّرهم بظاهر الإسلام : معاوية بن أبي سفيان وحزبه .

ولا نقول ذلك اجتهاداً منّا ، بل لتواتر التصريح به ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقد حلف بأغْلَظ الإيمان لأصحابه الذين صفَّهم في صِفِّين ، على نفاق وزيف إيمان أعدائهم ، بل وكفرهم ، قائلاً : ( .. فو الذي فلق الحبَّة ، وبرأ النسمة ، ما أسلموا ولكن استسلموا ، وأسرُّوا الكفر . فلمَّا وجدوا أعواناً عليه ، أظهروه ) (31) .

فهذا نموذج من الناس يعيش حالة الفصام بين الظاهر والباطن ، فيظهر الإيمان ويبطن الكفر ، وهو ـ بلا شك ولا شبهة ـ من أخطر حالات الكفر ضرراً على الإسلام .

إنَّ الإسلام ركّز على التلازم بين الظاهر والباطن ، ومِثْل هذه الرؤية تتوضّح خطوطها فيما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) : عن الهيثم التميمي ، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ( يا هيثم التميمي ، إنَّ قوماً آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء ، وجاء قوم من بعدهم آمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً ، ولا إيمان بظاهر إلاّ بباطن ، ولا بباطن إلاّ بظاهر ) (32) .

وبطبيعة الحال يُحمل قوله (عليه السلام) : (.. وجاء قوم من بعدهم آمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً ) على عدم القيام بلوازم الإيمان من عبادات ومعاملات ، بتعبيرٍ آخر يراد منه : (كفر الطاعة) ، المتمثِّل بعدم أداء الواجبات وعدم الابتعاد عن المحرمات ، وإلاّ فهناك شواهد قرآنية قوية على إيمان مَن كفر ظاهراً تقيةً من الكفار ، يقول تعالى : ( مَن كَفرَ باللهِ مِنْ بَعدِ إيمانِهِ إلاّ مَن أُكرِهَ وقلبُهُ مُطمئنٌ بالإيمان.. ) (33) .

ولا خلاف أنّها نزلت في عمّار بن ياسر وجماعته إذ أكرههم مشركوا قريش على كلمة الكفر ، فاستجاب بعضهم وأبى بعض ، ونزل القرآن بعذر مَن استجاب وقلبه مطمئن بالإيمان .

وانسجاماً مع هذه النظرة القرآنية الأرحب ، دفع آل البيت (عليهم السلام) شبهة كفر أبي طالب (عليه السلام) ، تلك الشبهة التي أثارها معاوية وتمسّك بها فيما بعد خلفه وأنصاره ، وفي هذا الصدد قال الإمام الصادق (عليه السلام) : ( إنَّ مَثَل أبي طالب مثل أصحاب الكهف ، أسرّوا الإيمان ، وأظهروا الشرك فأتاهم الله أجرهم مرّتين) (34) .

هذا ، وقد أُلّفت في إيمان أبي طالب (عليه السلام) عشرات الكتب .

* منازل الكُفر :

للكفر منازل ودرجات ، فمن الكفّار مَن يسد منافذ العقل والبصيرة التي منحها الله تعالى له ، ويتمسّك بقوة بمتبَّنياته العقيدية الباطلة كما هو حال الإنسان الجاهلي الذي تمسّك بالأصنام التي صنعها بيده من الحجر أو التمر ! كما تمسّك بظنونه بقوى الجن والسحر ، وشبَّ على شهواته لاهياً عمّا يصير إليه ، قال تعالى : (.. وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) (35) .

ومن الكفّار مَن يُؤمن بالله تعالى ، ولكن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ، ويلبسون الحق بالباطل ، ويبادرون الكفر بما جاء به خاتم الرسل (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كحال بني إسرائيل الذين بلغت قلوبهم درجة التحجُّر ؛ لذلك خاطبهم تعالى مستنكراً : ( .. أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ ) (36) .

وهناك فريق من المسلمين قد يتسافل فيصل إلى أقرب المنازل من الكفر وإن لم يسمَّ كافراً ، وذلك في الحالات التالية :

أولاً : التعصُّب للبدع : وذلك عندما يبتدع شيئاً مخالفاً لقواعد الشرع ومتبنَّياته ، فيتعصَّب لِمَا ابتدعه ويعتبره من المسلَّمات التي لا تقبل نقاشاً ولا جدلاً ، ومن الشواهد الدالة على هذا النمط ، ما ورد عن الحلبي قال : قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) ما أدنى ما يكون به العبد كافراً ؟ قال : ( أن يبتدع به شيئاً فيتولَّى عليه ويتبرَّأ ممَّن خالفه ) (37) .

ومن خطورة التعصُّب للبدع أنَّه يجرّ صاحبه إلى الكذب على الشرع الحنيف ؛ وذلك بأن يتخبّط تخبّطاً عشوائياً فيقلب الحقائق الشرعية الواضحة ، فيعتبر المنهي عنه مأموراً به ! ويتخذ موقفاً معادياً لمَن يخالفه . ويكشف لنا الإمام علي (عليه السلام) عن هذا النمط من الانحراف عن جادّة الصواب بقوله : ( … أدنى ما يكون به العبد كافراً ، مَن زعم أنَّ شيئاً نهى الله عنه أنّ الله أمر به ونصبه ديناً يتولّى عليه ، ويزعم أنّه يعبد الذي أمره به ، وإنّما يعبد الشيطان ) (38) .

كما ورد عن الإمام الرّضا (عليه السلام) : ( مَن شبّه الله بخلقه فهو مشرك ، ومَن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر ) (39) .

ثانياً : الخروج عن قواعد الأخلاق : لا يمكن التفريق بين الإيمان والأخلاق ، وعليه فكل مَن فقد الخُلق الحسن ، لا بدَّ وأن يقترب من الكفر وإن نطق الشهادتين . فمَن يتَّصف بالكذب والخيانة وخلف الوعد ، ويقوم بهتك حرمات الناس ، وإحصاء عثراتهم ، فسوف يتسافل إلى أسفل السافلين ، وتكون منزلته أدنى منازل الكفر وإن لم يكن كافراً ، وفي هذا الإطار ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) : ( إنَّ أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يُؤاخي الرّجل الرّجل على الدّين فيحصي عليه زلاَّته ليُعيِّره بها يوماً ما ) (40) .

* أصول الكفر وعلامات الكافر :

أولاً : أصول الكفر .

إذا تتبّعنا أصول الكفر وأركانه في مصادرنا المعرفية ، فسنجد أنّه يتمثّل في ثلاثة خصال تشكّل ثالوث الكفر ، وهي : الاستكبار ، والحرص ، والحسد .

أمَّا الاستكبار ، فقد أدَّى إلى امتناع إبليس (لعنه الله) من السجود لآدم (عليه السلام) ، وعصى ـ بذلك ـ الأمر الإلهي ، بعد أن ( اعترته الحمية ، وغلبت عليه الشقوة ، وتعزَّز بخلقة النار ، واستهون خلق الصّلصال ، فأعطاه الله النّظرة استحقاقاً للسُّخطة ، واستتماماً للبليَّة ، وإنجازاً للعدة … ) (41) .

أمَّا الحرص ، فهو السبب المباشر في تكالب الناس في كلِّ عصر وجيل على حطام الدنيا ومتاعها القليل ، وهو من أخس الرذائل المؤدِّية إلى كفران النعم ، والشك بعد اليقين ، والوهن بعد العزيمة ، والوجل بعد الجذل . وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الحرص وضرورة الابتعاد عنه ؛ لِمَا فيه من نتائج وخيمة في دنيا الفرد وآخرته .

فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : ( قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : من علامات الشقاء : جمود العين ، وقسوة القلب ، وشدة الحرص في طلب الدنيا ، والإصرار على الذنب ) (42) .

كما أنّ هناك أحاديث كثيرة تبيّن دعائم الكفر التي تتكيء على أصوله أو تتظافر معها ، وكلّها ترجع إلى أمراض نفسية خطيرة تبعد الإنسان عن دائرة الإيمان .

ثانياً : علامات الكافر .

لقد رسم القرآن لنا بدِّقة علامات الكافر ، ويمكن التطرُّق إليها ضمن الفقرات التالية :

1 ـ الجهل :

وهو أصل كلّ شر ومنبع كل رذيلة ، والكافر جاهل لا تُرجى هدايته بالحجة والبرهان ، ولا بالموعظة والنصيحة .. ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (43) .

فالجهل هو السبب الرئيسي وراء الكفر ، قال : أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( لو أنَّ العباد حين جهلوا وقفوا ، لم يكفروا ولم يضلّوا ) (44) .

ولأنَّ الكفّار قد تبلّدت عقولهم ، فهم يعيشون حالة الخواء من الداخل كجذوع نخل خاوية ، لا روح فيها ولا ثمر . لذلك أمر نبينا الكريم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالإعراض عنهم بقوله تعالى : ( خُذِ العَفوَ وأمُر بالعُرفِ وأعرِض عن الجَاهِلينَ ) (45) .

 

قسم المقالات في شبكة الإمامين الحسنين (عليها السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المصدر كتاب : ” الإيمان وعلامات المؤمن ” ، مركز الرسالة ،  ص51 ــ 76 .

(1) تحف العقول : 330 . وأيضاً الوسائل 1 : 24 ـ 25 .

(2) أصول الكافي 2 : 387 | 15 كتاب الإيمان والكفر .

(3) أصول الكافي 2 : 386 | 10 كتاب الإيمان والكفر .

(4) المصدر السابق 2 : 387 | 11 كتاب الإيمان والكفر .

(5) المصدر السابق 2 : 383 | 1 كتاب الإيمان والكفر .

(6) كنز العمال 7 : 279 | 18869 .

(7) وسائل الشيعة 18 : 557 .

(8) وسائل الشيعة 18 : 557 باب : جملة ما يثبت به الكفر والارتداد .

(9) المصدر السابق .

(10) وسائل الشيعة 18 : 560 .

(11) المصدر السابق 18 : 561 .

(12) المناقب للخوارزمي : 35 .

(13) سورة الجاثية 45 : 24 .

(14) سورة البقرة 2 : 6 .

(15) سورة النمل 27 : 14 .

(16) سورة البقرة 2 : 89 .

(17) سورة النمل 27 : 40 .

(18) سورة إبراهيم 14 : 7 .

(19) سورة البقرة 2 : 152 .

(20) سورة البقرة 2 : 84 ـ 85 .

(21) سورة الممتحنة 60 : 4 .

(22) سورة إبراهيم 14 : 22 .

(23) سورة العنكبوت 29 : 25 .

(24) أصول الكافي 2 : 389 ، 391 | 1 كتاب الإيمان والكفر .

(25) سورة النساء 4 : 150 ـ 151 .

(26) سورة البقرة 2 : 89 .

(27) سورة فصلت 41 : 52 .

(28) ولا بدَّ أن نميّز هنا بين مَن كفر بعد الإيمان ومَن كان كافراً أصلاً ؛ للفرق بين الحالتين وحكمهما ، وتفصيل ذلك تجده في كتب الفقه بعنوان : ” حكم المرتد ” .

(29) سورة القلم 68 : 13 .

(30) معاني الأخبار : 149 .

(31) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 374 | كتاب 16 .

(32) بصائر الدرجات : 536 .

(33) سورة النحل 16 : 106 .

(34) معاني الأخبار : 285 ـ 286 .

(35) سورة محمد 47 : 12 .

(36) سورة البقرة 2 : 87 ـ 88 .

(37) معاني الأخبار : 393

(38) أصول الكافي 2 : 414 ـ 415 / 1 كتاب الإيمان والكفر.

(39) وسائل الشيعة 18 : 557 باب جملة ما يثبت به الكفر والارتداد.

(40) أصول الكافي 2 : 355 / 6 كتاب الكفر والإيمان.

(41) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 42 | خطبة 1 .

(42) أصول الكافي 2 : 290 | 6 باب أصول الكفر وأركانه من كتاب الإيمان والكفر .

(43) سورة البقرة 2 : 6 .

(44) غرر الحكم .

(45) سورة الأعراف 7 : 199 .


more post like this