كان الوقتُ صباحاً ، والغابةُ الجميلةُ ما تَزالُ غافِيَة ، عِندما ارتَفَعَ لَحنُ زَهرةِ عَرف الدِيك : ( قُوقُولي قُوقُو ) ، ( قُوقولي قُوقُو ) .
راحَ الصَوتُ يَعلُو ويَعلو : ( قُوقولي قُوقُو ) ، وأخَذ يَلِفُّ في كلِّ مكانٍ مِن الغابة .
وَصَلَ إلى الأشجار فأفاقَت ، وبَلَغَ الأزهارَ ، فتَفتّحَتْ أوراقُها المُلَوَّنة ، والفُطرُ اللاّصِقُ بالأرضِ بلا جُذور هُو وَحدَهُ الذي ما كانَ راضياً ، كانَ يَغيظُهُ أنْ تَشعُرَ الأزهارُ بالبَهجَةِ والسُرور ، ولا يُحِبُّ لِلغابةِ أنْ تَستَيقظَ ، فكان يتَمنّى دائماً للغابةِ الإبادةَ والفَناء .
وفي ذلكِ اليوم ضَحِك بَغتَةً بَعدَ مُدّةٍ طويلةٍ مِن السُكوت ، تُرى ما الذي جَعلَهُ راضِياً مَسروراً ؟!
لَم يَفطِنْ أحدٌ إلى ضِحكتِه ، فالغابةُ كانَت مَلآى بالفَرَحِ والابتِهاج ، والزَهرةُ ذاتُ البُوقِ كانَت ما تَزالُ في هُدوءٍ واطمِئنان .
وفجأةً صَمَتَتِ الأشجار ، ولَملَمتِ الأزهارُ أوراقَها الملوَّنة ، فالوردُ الأحمرُ أيقَظَ – بقَلَقٍ وعَجَل – الزَهرَةَ ذاتَ البُوق : الفأس !! الفأس المُدمِّرة آتِيَة ، الفأسُ آتيَة .
أفاقَت الزَهرةُ ذاتُ البُوق مَرعُوبة ، وبسُرعَةٍ أخَذَت تَنفخُ في بُوقِها : خَطَر ، خَطَر ، استَعِدّوا .
ولكنْ قد فاتَ الوقت والأشجارُ والأزهارُ كلُّها قد فُوجِئتْ على حِينِ غَفلَة ، فالفأسُ وَصَلتْ إلى الغابة ، وامتَلأت الغابةُ بالرُعب والصَمت .
فسَمِعَتِ الفأسُ صَوتَ ارتِجافِ الشجَر ، وتَقَدّمتْ بِصَدرٍ مرُتَفعٍ وخُطُوات واثِقة ، وقَطَعَتْ إحدى الشَجَرات .
وبَعدَها مَضَتْ نحوَ شجرةِ تفّاحٍ عَتيقة ، وضَرَباتُ الفأس القويّة جَعَلتْ بَدَنَ شجرةِ التفّاح يَهتزّ ، فانهَمَرَ مَطَرُ التفّاح .
والفُطرُ الخَبيثُ الذي كانَ يَتفَرّجُ على إبادةِ شجرةِ التفّاح فَرِحاً ، واندَفنَ تحتَ التفّاح .
ثم هَوَتْ شجرةُ التفّاح القديمةُ المُعمَّرةُ على الأرض ، فاهتَزَّتِ الغابة ، واشتَدَّ خَوفُ الأشجارِ والأزهار ، وكانَتِ الفأسُ فَرِحَة في غايةِ الفَرَح .
ثم هَجَمَتْ على الأشجارِ – المُسِنَّة منها والشابّة ، الطويلة والقصيرة – وألقَتها على التراب ، وكلُّ الأشجارِ كانت خائفة ، أما الأزهارُ فكانَتْ تَرتَجِف .
ولكنّ إحدى الشَجَرات عَزَمَتْ أنْ تَقِفَ في وَجهِ الفأس وكانَت تُريدُ أن تُحطِّمَ الفأس ، فهَجَمَتْ على الفأس ، فخافَت الفأس كثيراً ، ولكنّها تَذكّرتْ في تلكَ اللَّحظةِ أنّ الشَجَرةَ مَهما كانت قويّة فإنّها وَحيدة .
وعاوَدَها الأمَل ضَرَبَتِ الشجرةَ ضَربة ، فَسَقَطَ أحدُ أغصانِها ، ضَربَةٌ أُخرى قَضَتْ على بَقيّةِ الغُصُون .
ثم هَجَمَتْ الفأسُ على بَدَنِ الشجرة ، وبِضَربَتَينِ أخيرتَينِ انتهى الأمر ، ووَقَعَتِ الشجرةُ على التُراب .
فماذا يُمكِنُها أن تَفعَل ؟! لَقد كانت وَحيدة ، حياةُ الكثيرِ من الأشجار انطَفأتْ ، وكانت الفأسُ ظافِرة ، ولم يَعُد في الغابةِ لا بُكاء ولا خوف ، والغابةُ كانَت قد ماتَت .
أما الفأسُ فضَحِكَتْ بِفَرحٍ وغُرور ، وفكّرتْ في نفسِها : سأُبِيدُ كلَّ الغابات ، سأقطَعُ كلَّ الشَجَر ، أنا الفأس ، الفأس ، الفأس .
ثم مَشَتْ إلى غابةٍ أخرى ، وكان وَقعُ أقدامِها يُجَلجِلُ في الطريق ، الفأس ، الفأس ، الفأس .
أما الأزهارُ ذَواتُ الأبواقِ في الغابةِ المُجاوِرَة – وهي حَذرِة دائماً ومُتَيقِّظةٌ ولها سَمع مُرهَف – سَمِعَتْ وَقعَ أقدامِ الفأس ، فصاحَتْ : اِستَعدُّوا ، فَمَلأت صَيحَتُها أرجاءَ الغابة ، وسَمِعَتها الأشجارُ والأزهار .
وعندها استَعدَّتْ أغصانُ الأشجارِ ، فأمسَك بَعضُها بيدِ بَعض ، واحتَضَنَ كلٌّ مِنها الآخرَ بمحبّةٍ كالأصدقاء ، وتَجَمّعَتْ سِيقانُها وانجَدَلَتْ كالضَفائر ، واقتَربَ وَقعُ الأقدامِ أكثر ، فالغابةُ كلُّها كانَت على استِعداد .
وَبعدَ ذَلكَ وَصَلَتِ الفأسُ إلى الغابة ، ولكنْ ماذا وَجَدَت ؟ جَميعُ الأشجارِ والأزهار والجُذوِر قد صارَتْ واحدة ، والغابةُ تَحَوّلتْ إلى شجرةٍ واحدةٍ ، شجرةٍ كبيرةٍ كبيرة .
فخافَتِ الفأسُ ، لأنَّهُ ما كانَ في وُسعِها أنْ تَعملَ شيئاً ، فأرادَتْ – مِن الخَوفِ – أن تَفِرَّ ، ولكنّ الوقتَ كانَ مُتأخِّراً ، حيث التَفَّتِ الأغصانُ على يَدَي الفأسِ ورِجلَيها وأَسَرَتها ، وأنغامُ النَصر مَلأتْ أرجاءَ الغابة .
وبَعدَ هذا حَمَلتِ الرِيحُ نَشيدَ انتصارِ الغابةِ إلى البَعيد ، وأوصَلَته إلى بَقيّةِ الطُيورِ والأشجارِ والأزهار .
ومُنذُ ذلك الوقتِ صارَت هذهِ كُلُّها تَفهم أنّ انتصارَها ممكنٌ فقط عندما يكونُ بعضُها مع بعض .


more post like this