الکاتب : حسن السعيد     

الأُمّة الإسلامية لا تنقصها الخيرات ولا الثروات ولا الطاقات المتعددة والمتجددة، بل إنّ لديها الفائض في كل ذلك. فطاقاتها هي التي تحرّك العالم اليوم، وتمدّه بأسباب القوّة والتقدم في الوقت الذي تقف فيه الأُمّة نفسها – في غالبيتها – في عداد المحرومين والمحتاجين والفقراءة المتخلفين:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمولُ
إنّ الأسباب الرئيسية في هذه الحالة لا شك أنها من اجتراحنا، ذاتية من كسب أيدينا كل على حسب علمه وموقعه ومسؤوليته، ولكن تكريس الحالة واستمرارها يسهم فيه إلى حد كبير دهاقنة الاستعمار العالمي الجديدة من خلال الثغرات التي نوفرها لهم، وهو ما يتجلّى في المستويات التالية:
– مستوى نهب الخيرات والثروات التي تزخر بها الأُمّة؛ وعلى رأسها الثروات المعدنية والفلاحية والغابية والسمكية وغيرها من الثروات الغزيرة التي تحوّل لدهاقنة النظام العالمي الجديد بأثمنة رمزية تسمح لهم بتحقيق فوائض مالية هامة على حساب المنتج الأصلي والمستهلك الفرعي (الذي قد يكون هو كذلك من الأُمّة). هذا فضلاً عن ضمان تحريك دواليب اقتصادهم، وتوفير المواد الاستهلاكية لأسواقهم بجودة أحسن وأثمان أنسب.
– مستوى فرض التبعية الاقتصادية والمالية لأقطاب النظام الاستعماري الجديد ومؤسساته؛ سواء المواد الاستراتيجية كالمواد الغذائية أو الأدوية أو الطاقة!! أو قطع الغيار.. أو بفرض وجهة الاقتصاد والأسعار والأجور، عن طريق مؤسساتهم المالية، أو بتكييف سياساتنا الاستيرادية والتصديرية مع متطلباتهم ورغباتهم، أو بفرض أنماطهم ومناهجهم ورؤاهم وبالنتيجة أدواتهم ورجالهم.
– مستوى تعويق الانطلاق الاقتصادي وفرض استمرار التخلّف؛ بمحاربة أية سياسة للتوجيه والتخطيط والتحرر المالي، أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، أو التصنيع الداخلي، وذلك بفرض مناهج استرخائية تواكلية استهلاكية تتنعم بالمظاهر ولا تهتم بالجواهر، أو بفرض طرائق القروض المالية المرفقة بسياسات التدبير والتسيير التي تعيق التقدم الحقيقي، مكتفية بتقدم مظهري خادع مثقل بالديون مقيّد بالتوجيهات والتعليمات، وحتى بعض البلدان الإسلامية التي حققت معدلات هامة في النمو مثل أندونيسيا وماليزيا، فقد خُطّط لاقتصادها أن يدور في فلك محدود يحقق أهدافاً معينة، ويسهم في ضخ المواد والخيرات والفوائض والفوائد إلى جهات معلومة ولا يأس بعد ذلك أن ينعم بالفتات.
وما تزال الذاكرة تحتفظ بنتائج الأزمة الطاحنة التي عصفت باقتصادات دول النمور الآسيوية عام 1997م، والتي توجهت أصابع الاتهام خلالها إلى؛ صندوق النقد الدولي، والملياردير اليهودي الأمريكي “جورج سوروس” ذي الصلات الوثيقة مع المخابرات المركزية الأمريكية، والملقّب بساحر البورصة ورجل الأزمات الماليّة في العالم، الأمر الذي حدا برئيس الوزراء الماليزي “محاضير محمد” – والذي كانت بلاده أكثر دول النمور تضرراً – إلى توجيه اتهامه إلى اليهود بشكل صريح محمّلاً ايّاهم مسؤولية بعض ما حدث، ولا ننسى ما للعولمة من دور في الدمار الذي تعرضّت له دول جنوب شرقي آسيا، وهو ما ذكره محاضير محمد في كتابه “صفقة جديدة لآسيا”.
وقد ظهرت “العولمة Globalization” ومثلها “النظام العالمي الجديد” في قاموس الحضارة المادية المعاصرة للتعبير عن اتجاه جديد في التعامل الدولي، يهدف إلى تعميم النموذج الغربي؛ سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، وعلمياً.. ويسعى إلى اختراق الغير، وطمس السمات والقسمات التي تتشكل منها خصوصيات الأُمم. والشعوب، خاصة المستضعفة منها، واعادة رسم العالم بتقسيمه إلى نوعين: (الغرب.. والباقي)..
وفي ضوء هذا الخطر الكبير الذي يتحرّك في الفضاء الكوني، يجب أن ندرك بداية أن تحديات المرحلة القادمة لن تختلف جوهرياً عن تحديات المرحلة السابقة، وذلك ما دام الغرب عموماً، وأمريكا خصوصاً، يفرضان على العالم النظام القائم على الامبريالية والسيطرة وفرض التبعية على الشعوب الأخرى. وهذا يعني أن نفهم العولمة التي تشكل أولى تحديات القرن الجديد باعتبارها امتداداً لمراحل الاستعمار والامبريالية والهيمنة الغربية بل دافعة كل ذلك إلى مستوى أعلى يُراد له أن يصل حد فرض ثقافة واحدة على العالم كلّه، وجعله سوقاً واحداً تتحكّم بها الشركات متعددة الحدود والجنسية تحت هيمنة عسكرية أمريكية – أطلسية، وفي منطقتنا عسكرية صهيونية كذلك.
إنّ الترويج للعولمة على أساس حريّة حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات يحمل خدعة تاريخية كبرى تتستر بها أمريكا لضمان سيطرتها على العالم، كما أن تفسير العولمة تفسيراً اقتصادياً فحسب – كما يحاول كبار منظريها – مغالطة كبرى كذلك، بالنظر إلى نسقها الايديولوجي والنفسي والاعلامي الذي يقول على أساس فكرة اكتساح كل ثقافات واقتصادات وسياسات العالم وبُناه الاجتماعية تحت الشعار نفسه، وغطاءات الديمقراطية، وحقوق الإنسان وحماية الأقليات، وبرامج الشراكة من أجل السلام، ضمن مقولة الحضارة المنتصرة بغية تنميط العالم في القالب الأمريكي. انّ العولمة ترمي إلى اعادة صياغة جديدة للعالم بهراوة أمريكية. وبالامكان الرجوع إلى الكتاب القيّم “فخ العولمة” للكاتبين الألمانيين: هانس – بيتر مارتين، وهارالد شومان اللذين اختزلا العنوان بـ”الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية”.

المصدر: كتاب حضارة الأزمة ماذا قبل الإنهيار؟
http://www.balagh.com


more post like this