وردت البدعة بمعناها اللغوي والاصطلاحي الشرعي في عدة مواضع من القرآن الكريم.

والملاحظ أنّها وردت في بعض المواضع من القرآن الكريم بصورة مباشرة، وبعضها الآخر ورد من خلال دلالة الجملة القرآنية على مفهوم (التغيير في الدين) زيادة وإنقاصاً، وسنورد أمثلةً عن كلا الصورتين.

الصورة الاُولى

1 ـ (… ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتِغَآءَ رِضوَانِ اللهِ فَمَا

رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا…)(1).

الآية الشريفة هنا توضح أنَّ «الرهبانية» كانت من مبتدعات الرهبان، وأنّها لم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم.

2 ـ (قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُسُلِ ومَآ أدرِي مَا يُفعَل بِي وَلا بِكُم…) (2).

وهناك اتجاهان في تفسير الآية الشريفة، يذهب أحدهما إلى أنّ المقصود هو أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس أول رسول يرسله الله إلى قومه برسالته.

ويذهب الآخر إلى أنّ المراد: ما كنتُ مبدِعاً في أقوالي وأفعالي مالم يسبقني إليه أحد من الرسل.

وقد ذهب العلاّمة الطباطبائي في تفسيره «الميزان» إلى ترجيح الاتجاه الثاني بقوله: (والمعنى الاَول لا يلائم السياق… فثاني المعنيين هو الاَنسب، وعليه فالمعنى: لستُ أُخالف الرُسل السابقين في صورة أو سيرة وفي قول أو فعل، بل أنا بشر مثلهم فيَّ من آثار البشرية ما فيهم وسبيلهم في الحياة سبيلي) (3).

3 ـ قوله تعالى: (بَديِعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ وإذَا قَضَى أمراً فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (4).

4 ـ وقوله تعالى: (بَدِيعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ أنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ..) (5).

والآيتان المتقدمتان تفيدان معنى الخلق لا على مثال سابق وهو المعنى اللغوي لكلمة «بَدَع»، التي مرّت الاشارة إليها فيما تقدم.

الصورة الثانية

أما ما ورد في القرآن الشريف من إشارة إلى البدعة بمعنى «التغيير في الدين» فهو كثير، لكننا نشير إلى بعض الآيات الشريفة:

1 ـ (قُلْ أرَأيتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلتُم مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُل ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفتَرُونَ) (6).

والآية واضحة في دلالتها على التحريف زيادة أو إنقاصاً، وقد وردت الآية في وصف عمل المشركين حين حرّموا بعض ما أنزل الله عليهم من الرزق وحلّلوا البعض الآخر، فقد حرّموا السائبة والبَحيرة والوَصيلة من غير أن يأتيهم بذلك أمر إلهي، ويوضح هذه الحقيقة قوله تعالى في ذيل الآية المتقدمة: (ءَآللهُ أذِنَ لَكُم أمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).

2 ـ كما جاء ما يدل على التحريف في قوله تعالى: (ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ السِنَتُكُم الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ) (7).

والآية الشريفة واضحة الدلالة مثل سابقتها على مفهوم التحريف

والافتراء كذباً على الله سبحانه وتعالى شأنه.

3 ـ إنّ تحريف النصّ الالهي أمر خطير حتى جاء في القرآن الشريف على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (… قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلقَآء نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحَى إليَّ إنّي أخَافُ إنْ عَصيْتُ رَبّي عَذَابَ يَومٍ عَظيمٍ) (8).

وفي الآية الشريفة دلالة واضحة وصريحة على قُدسية الاَمر الالهي الوارد عبر الوحي، وأنَّ تحريف هذا النصّ أو تبديله أمرٌ خطير يورد صاحبه موارد الهلكة والخسران المبين إلى الدرجة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنِّي أخَافُ إنْ عَصَيتُ رَبّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ).

4 ـ وجاء في القرآن الكريم ما يدل على تحقّق الابتداع بدعوى الزيادة أو النقصان في الاَحكام الاِسلامية كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أظلَمُ مِمِنَّ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظَّالِمُون) (9).

إنَّ الكذب من المحرمات والموبقات التي وعد الله عليها النار، والبدعة من أفحش الكذب، لاِنّها افتراء على الله ورسوله، والمفتري مبتدع لاَنه يريد أن يقول عن شيء ليس من الدين إنّه من الدين، فيزيد فيه ما ليس منه، أو يقول عن شيء إنّه ليس من الدين وهو من الدين، فينقص من الدين شيئاً هو منه.

____________

(1) الحديد 57: 27.

(2) الاحقاف 46: 9.

(3) الميزان في تفسير القران، للطباطبائي 18: 190.

(4) البقرة 2: 117.

(5) الانعام 6: 101.

(6) يونس 10: 59.

(7) النحل 16: 116.

(8) يونس 10: 15.

(9) الانعام 6: 21.


more post like this