مسألة 84 ـ قال في العروة : ( ويشترط أيضاً الاستطاعة الزمانية ، فلو كان الوقت ضيقاً لا يمكنه الوصول إلى الحج أو أمكن لكن بمشقة شديدة لم يجب، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب، وإلاّ فلا ) .
أقول : إن كان المراد بالاستطاعة الزمانية استطاعة أزيد مما يتوقف عليه الحج ، بأن يكون بحيث لا يقع من جهة الزمان في الحرج والمشقة فاعتبارها في الاستطاعة المشروطة عليها وجوب الحج وجيه مقبول ، وذلك لما قلنا وكررنا التصريح به : إن الإستطاعة المشروط عليها وجوب الحج ليست الاستطاعة اللُغوية والعقلية التي هي شرط عام لجميع التكاليف، بل هي نحو من الاستطاعة العرفية التي يكون المكلف عند العرف غير مستطيع لإتيان العمل ، كأن يقع في الحرج والمشقة الشديدة .وأما إذا كان الوقت ضيقاً بحيث لا يمكنه الوصول عادة أو عقلا إلى الحج
فوجوب الحج وإن كان مشروطاً بعدم مثل هذا الضيق إلا أنه من الشرائط العامة للتكاليف لا تندرج تحت الاستطاعة العرفية المأخوذة في لسان الدليل والاستطاعة العرفية والشرعية ما يدور مدار وجودها وجوب الحج على القادر على الحج بالقدرة العقلية . فذكر مثل هذه الاستطاعة هنا لا ينبغي إلا استطراداً، ولا حاجة إلى نسبته إلى علمائنا على ما حكي من التذكرة، ولا بالإجماع كما حكي عن كشف اللثام .
نعم، نسبته إليهم باشتراط الاستطاعة الزمانية لنفي حصولها إذا وقع في الحرج والضيق الشديد في محله .
ثم إنه لا يخفى عليك أنه قد عنون العلامة هذا الفرع في مسألة مستقلة، وقال في ضمنه : ( فلو حصلت الشرايط وقد ضاق الوقت بحيث لو شرع في السير لم يصل إلى مكة لم يجب الحج في ذلك العام عند علمائنا، وبه قال أبوحنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ; لأنّ الله إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطاً كالزاد والراحلة. وقال أحمد ـ في الرواية الثانية ـ : إنه ليس شرطاً في الوجوب وإنما هو شرط للزوم الحج ، لأنه فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وهو ضعيف ) .
وفي كلامه الشريف مواقع للتأمل والنظر ، غير أن الظاهر أنه عنون الفرع للإشارة إلى خلاف أحمد فيه .
ثم إنه هل يجب عليه حفظ الاستطاعة إلى العام القابل ؟ فيه تردد ، وإن قلنا بوجوب حفظ الاستطاعة المالية في سنتها إلى أوان الحج إذا كانت مقرونة بالاستطاعة البدنية والسربية ، والأقوى عدم الوجوب .
الاستطاعة السربية
مسألة 85 ـ من جملة ماقالوا باشتراط وجوب الحج عليه الاستطاعة السربية ، فلا يجب الحج إذا كان في الطريق مانع من الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال، سواء كان الطريق منحصراً بواحد أو كان أكثر وكان جميعه كذلك .
أقول : الظاهر أن هذا أيضاً داخل في ما هو شرط لعامة التكاليف وهوالقدرة العقلية .
نعم، إذا كان المانع بحيث لا يمكن معه الوصول إلاّ بتحمل الحرج والمشقة الشديدة يمكن أن يقال : إنّ انتفاءه شرط لحصول الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج .
لا يقال : إن الاستطاعة المعتبرة في لسان الدليل فسِّرت بالزاد والراحلة وكون الشخص ذا مال ، لا ما هو الأعم منه ومن انتفاء الحرج، وإنما ينفى الوجوب بالحرج بالتمسك بالقاعدة .
فإنه يقال : الظاهر أن مورد السؤال والجواب عن الاستطاعة في الأخبار هو الاستطاعة المالية ، فليس المراد في تفسير الآية قصر اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة المالية ، بل الآية ظاهرة في مضمونها وهوالاستطاعة العرفية التي يكون معها الفعل مستطاعاً عند العرف، ومن ذلك ـ أي الاستطاعة المشروط عليها وجوب الحج وتحقق السبيل إليه ـ كون الطريق مأموناً عليه من جهة النفس والعرض والمال .
إذا مات الحاج في الطريق
مسألة ـ من خرج حاجاً فمات في الطريق فإما أن يموت قبل الوصول إلى الميقات، وإما أن يموت بعدوصوله إلى الميقات وعبوره منه ناسياً، فيموت قبل دخوله في الحرم أو بعده، وإما أن يحرم من الميقات فيموت قبل دخول الحرم أو بعده، وفي جميع هذه الصور إما يكون الحج مستقراً عليه، أو يكون ذلك في سنة استطاعته . ثم إما يكون الحج لنفسه، أو يكون نائباً عن غيره .
وقبل بيان حكم هذه الصور ينبغي أولا بيان ما هو مقتضى الأصل عند الشك، ثم ملاحظة روايات الباب ومقدار دلالتها على حكم هذه الصور .
فنقول : أما مقتضى الأصل فيما إذا كان الحج مستقراً عليه أو كان نائباً عن غيره فهو عدم إجزاء ذلك عن الحج المستقر عليه، ولا عن حج المنوب عنه، فيجب أن يقضى عن المستقر عليه من ماله ويجدد الاستنابة عن المنوب عنه إن كان الحج واجباً عليه .
وإذا كان الحج لم يستقر عليه وكان سنة استطاعته فمقتضى الأصل عدم وجوب القضاء عنه، لكشفه عن عدم قدرته وعدم كون الحج واجباً عليه .
وأما الروايات الشريفة :
فمنها: صحيح ضريس الذي رواه الكليني ـ رحمه الله تعالى ـ عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : « في رجل خرج حاجاً حجة الإسلام فمات في الطريق ؟ فقال : إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، وإن ( كان ) مات دون الحرم فليقضِ عنه وليه حجة الإسلام » . ورواه أيضاً في الفقيه عنه .
أقول : ظاهر هذا الحديث بقرينة قوله (عليه السلام) : « فليقض عنه وليه حجة الإسلام » كون مورد السؤال من استقر عليه الحج . وأما قوله (عليه السلام) : « إن مات في الحرم » وإن كان يشمل بإطلاقه من دخل في الحرم بدون الإحرام ناسياً له ، إلاّ أنّ الظاهر من عبارة السؤال والجواب أن موردهما من أحرم ومات في الطريق، ولذا قوله (عليه السلام): « إن مات دون الحرم » أيضاً ظاهر في من مات دون الحرم بعد الميقات والإحرام منه .
اللهمّ إلاّ أن يقال بإطلاق السؤال والجواب ، لأن الخروج حاجاً أعم من أن يكون أحرم من الميقات أو مادونه أو نسي الإحرام ، فما يستفاد من هذا الصحيح أن من استقر عليه الحج إن أحرم أو نسي الإحرام وخرج حاجاً فمات في الحرم يجزيه عن حجة الإسلام ، ومن مات دون الحرم فلايجزيه، وإطلاقه يشمل أن من مات بين الإحرامين إن مات في الحرم يجزيه عن حجة الإسلام .
وأما القول بدلالة الصحيح على وجوب القضاء عنه إن مات دون الحرم مطلقاً وإن كان خرج من سنة استطاعته في غاية الإشكال . ويبعده لزوم الفرق بينه وبين من مات في بيته فإنه لايقضى عنه بالاتفاق .
اللهمّ إلا أن يقال : لابأس بذلك; لاحتمال أن يكون الحكم بالقضاء عنه إن مات في الطريق مبنياً على تحصيل نيته .
وبالجملة، فبمثل هذا الفرق لا يجوز رفع اليد عن ظاهر الدليل .
ومنها : ما أخرجه أيضاً الكليني(: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد، عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إذا اُحصر الرجل بعث بهديه، فإذا أفاق ووجد من نفسه خفة فليمضِ … قلت : فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة ؟ قال : يحج عنه إن كانت حجة الإسلام ويعتمر إنما هو شيء عليه » .
وظاهر هذا الحديث عدم الإجزاء قبل أن ينتهي إلى مكة وإن كان قد دخل في الحرم، فيقع التعارض بينه وبين صحيح ضريس، فإن مقتضاه إجزاء حجه إن مات في الحرم ولو لم يصل إلى مكة .
واختار بعض الأعاظم تقديم سائر الروايات عليه لكونها أقوى منه ، لأن دلالتها بالمنطوق ودلالة خبر زرارة يكون بالمفهوم، ولاريب أن دلالة المنطوق أقوى .
وفيه: أنّ دلالة صحيح زرارة على عدم الإجزاء قبل أن ينتهي إلى مكة سواء دخل في الحرم أم لم يدخل أيضاً يكون بالمنطوق كدلالة صحيح ضريس، فيتعارضان في الداخل في الحرم ولم يدخل مكة ، فإن مقتضى صحيح ضريس إجزاؤه عن حجة الإسلام، ومقتضى صحيح زرارة عدم إجزائه فيتساقطان بالتعارض; حيث لاترجيح لأحدهما على الآخر ، إلاّ إعراض المشهور عن ظاهر صحيح زرارة .
ولكن يمكن أن يقال : إنّ المراد بمكة ما يعم نفس البلد والحرم الذي يكون قريباً منه أو يحسب منه، كما يقال: قم ويراد منه البلد ورساتيقه ومزارعه وقراه التي تحف به ، وبناءً عليه فمدلول الروايتين واحد ، لدلالة صحيح زرارة على هذا على وجوب الحج عنه إن مات قبل أن ينتهي إلى الحرم ( مكة)، وهذا مايدل عليه ذيل صحيح ضريس : « إن مات دون الحرم » .
ومنها: مرسلة المفيد ـ رحمه الله تعالى ـ وهي مارواه في المقنعة على ما أخرج عنه في الوسائل والحدائق قال : « قال الصادق (عليه السلام) : من خرج حاجاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج وليقض عنه وليه » . وهي أيضاً تدل على الإجزاء إن كان مات في الحرم، وعلى عدمه إن كان مات قبل الدخول فيه .
ومنها: مارواه في الكافي في الصحيح: عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بريد العجلي قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق؟ قال : إن كان صرورةً ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الإسلام، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته ومامعه في حجة الإسلام، فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة » الحديث .
ورواه الشيخ في التهذيب مع تقديم وتأخير في بعض الكلمات، ورواه الصدوق في الفقيه ، وإطلاق السؤال فيه يشمل من استقر الحج عليه ومن لم يستقر عليه وكان سنة استطاعته، إلاّ أن يقال بقرينة الجواب وترك الاستفصال : إنّ السؤال أيضاً كان عمّن استقر عليه الحج، فلا وجه لاستنابة الحج عمن مات قبل الإحرام فتأمل .
وهذا الحديث مفاد صدره مفاد حديث ضريس . نعم، قوله : « قبل أن يحرم » يدل بمفهومه على أنه إن مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم يجزيه، فيقع التعارض بين مفهوم الشق الأول من الجواب : « إن كان صرورة ثم مات في الحرم » وبين شقه الثاني : « إن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم » في من أحرم ومات قبل الدخول في الحرم .
واحتمل في المستند دفعاً لهذا التعارض أن يكون معنى قوله : « قبل أن يحرم » قبل أن يدخل الحرم من باب أيمن وأنجد لمن دخل اليمن والنجد ، وهو خلاف الظاهر لايعتمد عليه .
وقد أنكر بعض الأعاظم دلالة الصحيح بمفهومه على الإجزاء ، فقال : ( إن صحيح بريد لايدل بمفهومه على الإجزاء إن مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم، وإنما يدل على أنه لو مات قبل الإحرام جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الإسلام، وأما إذا مات بعد الإحرام فهذا الحكم وهو جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الإسلام مرتفع. وبعبارة اُخرى : يدل الصحيح على أنه لو مات في الطريق قبل الإحرام يصرف أمواله التي معه في حجة الإسلام ، وأما لو مات بعد الإحرام فلادلالة له على الإجزاء، وإن لم يكن له مال ولاجمل ولانفقة وإنما غايته أن الحكم بصرف الأموال في حجة الإسلام مرفوع . وأما الإجزاء بعد الإحرام أو عدمه فهو ساكت عنه فلم ينعقد له إطلاق من هذه الناحية، فلابد من الرجوع إلى مايقتضيه القاعدة والأدلة الأولية، وهو إخراج حجه من صلب ماله ومن أمواله الاخر غير ما أخذ معه في الطريق ) .
وفيه : أنه كيف لايستفاد حكم ما لو مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم ويحكم بسكوت الحديث عن الإجزاء، وأن غاية ما يستفاد منه أن الحكم بصرف الأموال مرفوع؟ فإنه إما أن يكون ارتفاع الحكم بصرف الأموال لإجزاء إحرامه عن الحج وهو عين تعارضه مع الصدر . وإما أن يقال بعدم إجزائه ومع ذلك يقال بارتفاع الحكم المذكور، وهذا أمر لايقبله الوجدان; لأولوية هذه الصورة لصرف المال فيه من صورة موته قبل الإحرام .
وبالجملة : فرفع التعارض بين الصدر والذيل مشكل ، والظاهر أن بعض رواة الحديث لم يضبطه ولم يحفظه حق الضبط والحفظ ، وعلى هذا يسقط الاحتجاج به على الإجزاء لو مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم.
وأما دلالة الصدر على الإجزاء بعد دخول الحرم فهو باق على حاله . نعم، لايستفاد منه عدم الإجزاء لومات قبل الحرم ، غير أنه يكفينا في ذلك الأصل لو كنا وهذا الحديث . والله تعالى هوالهادي إلى الصواب ومافيه الرشاد والسداد .
ثم إنه قد ظهر مما ذكر حكم فروع :
– الأول : ما إذا مات بعد الإحرام في الحرم، ولاريب في إجزائه .
– الثاني : ما إذا مات بعد الإحرام خارج الحرم قبل الدخول فيه . وهذا لايجزي وحكي أن عليه المشهور ، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من الشيخ في الخلاف وابن إدريس .
– الثالث : ما إذا مات بين الإحرامين، والظاهر فيه أيضاً الإجزاء .
– الرابع : ما إذا مات بعد الإحرام والدخول في الحرم ، خارج الحرم كما لو خرج من إحرامه للعمرة المتمتع بها ثم خرج من الحرم ومات في خارجه، وفي إجزائه إشكال.
إلا أن يقال : إنه ليس للموت في الحرم دخل في الإجزاء والتعبير بأنه « إن مات في الحرم » يكون باعتبار مدخلية الدخول فيه في الإجزاء، وإلاّ هل ترى من نفسك أنه إن دخل في الحرم ورجع لأمر إلى خارجه فمات فيه لايجزيه ؟ وعلى هذا فمن خرج حاجاً ودخل في الحرم يجزيه عن حجة الإسلام ، سواء مات في الحرم أو في خارجه .
ويؤيد ذلك قوله في صحيح زرارة : « فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة » وقوله في مرسلة المفيد : « فإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج » فإنه يستفاد من الأول أن للانتهاء إلى مكة دخل في سقوط الحج عنه .ومن مفهوم الثاني أن الموت بعد دخول الحرم موضوع للحكم بالإجزاء سواء مات فيه أو في غيره .
– الخامس : ما إذا نسي الإحرام للحج فمات بعد الدخول في الحرم فالظاهر أنه لايجزي عنه، وذلك لظهور قوله : « خرج حاجاً » في من تلبس بالحج، وهو لايتحقق إلاّ بدخوله في أفعال الحج التي أولها الإحرام من الميقات ،وكون المراد منه الخروج مريداً للحج وقاصداً له حتى يشمل من نسي الإحرام من الميقات ومن خرج قاصداً للحج من منزله ومات في الطريق قبل الوصول إلى الميقات خلاف الظاهر ، وحمل اللفظ الظاهر في معناه الحقيقي على المعنى المجازي بلا قرينة خلاف الظاهر لايجوز .
– السادس : لافرق بين حج التمتع والقران والإفراد في الحكم المذكور .
– السابع : يكفي في الإجزاء عن حج التمتع الموت بعد دخول الحرم في عمرته .
– الثامن : في إجزاء الموت أثناء حج القران والإفراد عن عمرتهما وبالعكس إشكال; لأّن كلاً منهما وعمرتهما واجبان مستقلان . نعم إذا مات أثناء العمرة الواجبة الظاهر إجزاؤه عنها .
– التاسع : لا يجري هذا الحكم في الحج الواجب بالعرض مثل النذر والإفساد، وفي العمرة المندوبة والواجبة بالعرض لاختصاص الحكم حسب النصوص بحجة الإسلام . نعم، لو قلنا في الحج الواجب بالإفسادأنه حجة الإسلام يجري الحكم فيه. وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ حكم الحج النيابي على جميع أقسامه .
– العاشر : هل الحكم المذكور مختص بمن استقر عليه الحج، أو هو أعم منه وممن لم يستقر عليه ؟ قولان :
من أن الموت يكشف عن عدم الاستطاعة وعدم وجوبه عليه فلا موجب للقضاء، ويستكشف من حكم الإمام (عليه السلام) بالقضاء كون مورد السؤال من استقر عليه الحج ، أو يحمل قوله (عليه السلام) : « فليقض عنه وليه » على مجرد الرجحان الجامع بين الوجوب والاستحباب ، والالتزام بوجوب القضاء عمن استقر عليه يكون بدليل آخر.
ومن أن قوله : « خرج حاجاً » مطلق ليس دلالته على من استقر عليه الحج أظهر ممن لم يستقر عليه لو لم يكن هذا أظهر منه . فلا وجه لرفع اليد عن هذا الإطلاق المعتبر بترك استفصال الإمام (عليه السلام) بعد كون الحكم تعبدياً، وبعد دلالة النص على وجوب القضاء يكون القول بعدم وجوبه لما ذكر من قبيل الاجتهاد قبال النص .
لا يقال : هذا فيما إذا اختل الاستطاعة ببعض العوارض غير الموت .
فإنه يقال : إن دل الدليل عليه نقول به ، وإنما نحن أصحاب النص لا نتعدّى عنه .
إذا استلزم الذهاب إلى الحج تلف مال معتدٍّ به
مسألة 87 ـ الظاهر أنه لا يجب الحج إذا استلزم الذهاب إليه تلف مال معتدٍّ به منه في بلده أو غيره .
وذلك أما على البناء بأن المراد من الاستطاعة المشروط عليها وجوب الحج هي الاستطاعة العرفية كما مضى منا كراراً وقلنا : إنها أوسع من الاستطاعة العقلية ومما عبر عنه بالاستطاعة الشرعية ـ أي تخلية السرب وصحة البدن ووجود الزاد والراحلة ـ فلعدم حصول الاستطاعة في هذا الحال ، فإن من كان ذهابه إلى السفر حجاً كان أو غيره مستلزماً لتلف رأس ماله لا يعدّ عند العرف متمكناً من السفر وواجداً للسبيل إليه .
ويدل أو يشير إلى ذلك أي اعتبار مثل هذه الأعذار في الاستطاعة العرفية ما يدل على جواز ترك الحج بالعذر العرفي والشرعي مثل صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام » . ومعنى ذلك ليس سقوط وجوب الحج بالعذر، بل معناه عدم وجوب الحج لعدم الاستطاعة المشروط عليها وجوبه .
وأما على البناء على أن المراد من الاستطاعة هي الاستطاعة المقصورة على صحة البدن وتخلية السرب ووجود الزاد والراحلة فرفع الوجوب في جميع الموارد التي أفتوا برفعه مع حصولها لابد أن يكون بإعمال قاعدة الحرج، أو الضرر، أو الأخذ بالأهم إذا زاحم الحج واجب آخر. وفي ما نحن فيه يكون المرجع قاعدة نفي الضرر .
لا يقال : إن هذه القاعدة إنما تجري ويعمل بها في التكاليف التي ليست بطبعها ضررية ، فلا يجري في مثل الحج المبنىّ على الضرر .
فإنه يقال : هذا صحيح بالنسبة إلى الضرر الذي يقتضيه طبع العمل ، أما الضرر الزائد عليه فيرفع التكليف به .
ثم إنه على المبنى الأول إذا استلزم الحج ترك واجب، سواء كان فورياً أو غير فوري، أو سابقاً على حصول الاستطاعة المالية أو لاحقاً بها يمنع من حصول الاستطاعة .
نعم ، لو لم يكن الواجب فورياً ولم يستلزم الحج تركه بعد الحج لا يمنع من حصول الاستطاعة، وإذا كان الحج مستلزماً لترك الواجب وكان المكلف جاهلا بذلك وعلم بعد أداء الحج استلزامه لذلك فالظاهر أنه يجزيه عن حجة الإسلام لأنّ المانع الشرعي الذي يمنع من حصول الاستطاعة هو المانع المنجّز المعلوم الذي يجب على المكلف ترتيب الأثر عليه والإتيان به أو تركه دون ما لم يكن كذلك . وكيف كان فالمسألة لا ترد في باب التزاحم وملاحظة الأهم .
وأما على المبنى الثاني فيقع التزاحم بين وجوب الحج وما يزاحمه من التكليف الوجوبي أو التحريمي المنجّز، فلابد من ملاحظة مرجّحات باب التزاحم .
وعلى أي حال ليس من ذلك لو توقف إتيان الحج على الركوب على الدابة الغصبية لعدم حصول الاستطاعة معه على المبنيين، بل وكذا المشي في الأرض المغصوبة، كما لا يخفى .

http://www.tebyan.net


more post like this