تعدّ مسألة الإمامة من أهمّ المحاور الأساسية التي وقع فيها الخلاف بين الاتجاهات الإسلامية. وللوقوف على ذلك يكفي المرور ولو عابراً على البحوث الكلامية ومسائل الفقه السياسي، وما أنتجت من اختلافات على مختلف المستويات العقائدية والفقهية والسياسية والاجتماعية. ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الاختلافات والانقسامات العميقة التي ضربت المجتمع الإسلامي فكراً وعقيدة وتاريخاً، وأدّت إلى مصادمات دامية في كثير من الأحيان، ترجع في جذورها الأساسية إلى الاختلاف الذي وقع في مسائل الإمامة وشرائطها وموانعها. لذا قال الشهرستاني في الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة، إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان).

وقد حاولنا في أبحاث الإمامة أن نقف عند محاورها الأساسية من خلال مدخل تمهيدي يوزّع البحث فيها إلى مستويين:

الإمامة العامّة.

الإمامة الخاصّة.

(وربّما كانت أفضل وسيلة لفهم المراد من مستويي البحث هذين مقاربة الإمامة بالنبوة منهجياً، فمن المعروف أنّ المنهج الكلامي يدرس النبوّة على مرحلتين:

الأولى: النبوّة العامّة وهذه قد تدور حول أسئلة من قبيل: ما حاجة البشر إلى النبوّة وبعث الرسل؟ ولماذا لا يمكن للبشرية أن تستغني بعقلها وتكتفي به في تحقيق الغاية التي خُلقت من أجلها؟ وما هي شروط النبي؟ حيث انتهى البحث إلى ضرورة أن يكون أيّ نبي مبعوث من السماء معصوماً مؤيَّداً بمعجزة، مسدَّداً بالبيّنات بحسب التعبير القرآني، إلى غير ذلك من البحوث المتداولة في علم الكلام.

الثانية: النبوّة الخاصّة. وتحوم بحوثها حول أسئلة خاصّة، مثل: مَنْ هو النبي؟ ما هي طبيعة الأوضاع الزمانية والمكانية في عصر بعثته؟ ما هي المعجزة التي زُوّد بها؟ لماذا هذه المعجزة بالذات دون سواها؟ هل يعدّ من أولي العزم من الرسل؟ هل هو رسول ونبيّ أم نبيّ وحسب؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تنصبُّ حيال نبوّة نبي بعينه، كنبوة خاتم الأنبياء( صلى الله عليه وآله) مثلاً.

كذلك يمكن معالجة الإمامة من خلال خطوتين أو مرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي الإمامة العامّة، تضطلع بالبحث عن المسؤوليات التي أنيطت بالإمامة بشكل عامّ، وتدرس المكوّنات الأساسية لنظرية الإمامة بإطلاق أسئلة مثل: هل الإمامة مجعولة أم لا؟ هل يشترط في الإمام أن يكون معصوماً أم لا؟ وهل ينبغي أن تكون الإمامة دائمة أم منقطعة؟ إلى غير ذلك من العناصر الأساسية التي تؤلّف الأصول العامّة لبحث الإمامة.

هذه المرحلة ترتبط بالمفهوم العامّ للإمامة، ولا صلة لها بتحديد هوية الأئمة وشخصيتهم وعددهم وما يدخل في مهامّ المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: وهي الإمامة الخاصّة فتنهض ببحث أبعاد الإمامة الخاصّة ومسؤوليتها، وتدرس من هم الأئمة؟ ما عددهم؟ ما هي صيغة أو صيغ إثبات إمامتهم؟ ما خصائص كلّ واحد منهم؟ وهل يتفاضلون فيما بينهم؟ لماذا اختصّ بعضهم بخصوصيات لا توجد في غيره؟ إلى غير ذلك من البحوث التفصيلية).

ولعلّ من أهمّ المحاور التي وقع الاختلاف حولها في مباحث الإمامة عموماً هي: هل الإمامة والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنصّ أم بالشورى؟ ويمكن أن يعود السبب في ذلك إلى أن المدرسة السنّية انطلقت من نقطة مركزية في تكوين نظامها الفكري لفهم نظرية الإمامة تمثّلت في أن الإمام أو الخليفة ينحصر دوره أنّه هو القائد الذي يتسنّم هرم السلطة السياسية في النظام الإسلامي، وهو الزعيم السياسي المسؤول عن إدارة شؤون الأمّة على مختلف الصُّعد والمستويات.

على أساس ذلك طرحوا السؤال المحوري التالي: هل يكون الإمام بنصّ ونصب من الله سبحانه وبيان من رسوله صلى الله عليه وآله، أم عُهد أمر اختياره وانتخابه إلى الأمّة؟

وحيث لم يتجاوز دور الإمام في النظام الفكري لهذه المدرسة تخوم القيادة والزعامة السياسية، فقد كان من المنطقي أن يولّوا وجوههم صوب نظرية الشورى وانتخاب أهل الحلّ والعقد، بقطع النظر عن دلالات الوحي الإلهي؛ لأنّ هذه النظرية أقرب إلى الذوق العرفي، هذا أوّلاً. وثانياً لأنّ الحكومة شأن من شؤون الناس وعهد بينهم وبين الإمام القائد. وإذ يكون الأمر كذلك فلابدَّ أن يكون للأمة دور في إدارة تلك الشؤون والنهوض بها، لأنّ القرآن ينصّ: (وَأمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38). من الواضح أنّ الإمامة بمعنى القيادة داخلة في أمر الناس؛ لهذا اتّجهت المجتمعات البشرية صوب نظرية الانتخاب لا النصّ.

وكان مما ترتّب على تلك النواة المحورية في تأسيس نظامهم الفكري لفهم نظرية الإمامة وحصرها في القيادة السياسية، أنّهم التزموا بانقطاعها وعدم دوامها، لأنّ المفروض أنّ هذا المنصب لا يتحقق لأحد إلا بعد الانتخاب والبيعة، ومع عدم تحقق ذلك لا يحقّ لأحد أن يتصدّى لهذه المسؤولية ويرغم الناس على القبول!

وعندما انتقلوا إلى الشروط التي لابدَّ من توافرها فيمن يتصدّى للنهوض بهذا الدور، لم يجدوا مناصاً من الالتزام بأنه لا يشترط أن يكون معصوماً، بل تكفيه من الناحية السلوكية العدالة بمعناها المتداول في البحث الفقهي، ومن ناحية التأهيل العلمي تكفيه قدرة علمية ترفعه إلى مستوى أداء المسؤوليات التي أنيطت به.

هكذا انتهت عناصر النظام الفكري للمدرسة السنّية في الإمام إلى المكوّنات التالية بشكل عامّ:

تتمّ هذه العملية بالانتخاب والشورى.

إنها منقطعة ليست دائمة.

لا يشترط فيها غير العدالة والعلم بمعناهما المألوف.

ذلك كان التسلسل الذي وجّه العملية الفكرية لبناء نظرية الإمامة في التصوّر السنّي.

ونحن وإن لم نوافق على هذا المنهج في بحث مسائل الإمامة كما أوضحناه في أبحاثنا الكلامية، إلاّ أننا لا نريد الدخول في تفاصيل المنهج الذي اقترحناه لدراسة هذا الأصل العقدي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والذي يختلف اختلافاً جوهرياً عن الإمامة التي تحصر المدرسة السنية دورها في الخلافة والحكم. فمدرسة أهل البيت تعتقد أن للإمامة أدواراً أخرى أهمّ وأعمق تستلزم شروطاً أشدّ وأدقّ مما هي عليه شروط القيادة السياسية. وبتعبير الشهيد مطهري: (لو اقتصرت الإمامة على هذه الحدود، أي لو لم يتجاوز منطوق المسألة دائرة القيادة السياسية للمسلمين بعد النبي، لكنّا نحن الشيعة إنصافاً، قد عددناها جزءاً من الفروع ولم نرفعها إلى مستوى أصول الدين، ولقلنا إنها مسألة فرعية كالصلاة مثلاً، بيد أنّ الشيعة لا تكتفي بهذا الحدّ، بل تتجاوزه إلى تخوم مسألتين أخريين لا يقول بهما أهل السنّة).

لكن ما نحاول الوقوف عليه هنا هو المنهج الذي اتّبعه الشهيد الصدر لدراسة مسألة النصّ على الإمامة والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حيث استند إلى دليل يقترب في جوهره من نظرية الاحتمال.

إيضاح ذلك أنّ أطروحة النصّ على الإمامة في قبال نظرية الشورى يمكن استنباطها استنباطاً منطقياً من الدعوة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها والظروف التي عاشتها، فإنّ النبيّ كان يباشر قيادة دعوة انقلابية ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه. ولم يكن الطريق قصيراً أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقاً طويلاً وممتدّاً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام. فكان على الدعوة التي يمارسها النبيّ أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتُنشئه إنشاءً جديداً، وتجعل منه الإنسان الإسلامي الذي يحمل النور الجديد إلى العالم، وتجتثّ منه كلّ جذور الجاهلية ورواسبها. وقد خطا القائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعملية التغيير خطوات مدهشة في برهة قصيرة، وكان على عملية التغيير أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي أدرك منذ فترة قبل وفاته أنّ أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع، ولم يفاجئه الموت مفاجئة.

وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم نُدخل في الموقف عامل الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي. وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان أمامه ثلاث طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

 

السيد كمال الحيدري


more post like this