إشاراتٌ موحِية في الحرب النفسيّة : معركة أُحد نموذجاً *

منذُ انطلاقتها الأُولى ، تعرّضت الدعوة الإسلاميّة إلى حملات دعائية مضلِّلة ، وإلى حرب نفسيّة مخرِّبة … من قِبَل المشركين في مكّة ، والمنافقين واليهود في المدينة وما حولها ، كما تتعرّض الأُمّة الإسلاميّة ـ اليوم ـ إلى الحَملات الدعائية المضلِّلة والحرب الهدّامة (1) ، وتأتي الإشاعات والأكاذيب والأراجيف في مقدّمة المخطّط . فما أشبه الليلة بالبارحة ! وما أشبه الأساليب الملتوية التي يقوم بها مرجفو اليوم بأساليب مرجفي الأمس !

هنا محاولة لتسليط الضوء على الإشاعة … وكيف تعاملَ معها القرآن ، في واحدة من محطّات تاريخ الإسلام .

ظاهرة اجتماعيّة قديمة :

الإشاعة أو الشائعة ( Rumeur ) ظاهرة اجتماعيّة بالغة الأهميّة ، ويضاعف من هذه الأهميّة شيوعها في كلّ زمان ومكان ، وإنّها مسلك مألوف من مسالك الجماعات … وتعتبر الشائعات وسيلة مؤثّرة من وسائل الدعاية السوداء ، وأداة رئيسيّة من أدواتها ؛ لأنّها تعمل على بث الذعر والكراهيّة وتحطيم الروح المعنويّة ، وإثارة عواطف الجماهير وبلبلة أفكارهم ، وخاصّة في أوقات الحروب والأزَمات ، حيث يستولي على الناس الخوف والرعب (2) .

وفي ضوء هذا ، فالإشاعة : سلاح من أسلحة الحرب النفسيّة ، يتمثّل في خبر مدسوس كليّاً أو جزئياً ، وينتقل شفهيّاً أو عبر وسائل الإعلام دون أن يرافقه أي دليل أو برهان ، ويُقصد به تحطيم المعنويات (3) .

فمنذ أقدم العصور عرفَ الإنسان الحرب النفسيّة ، وأثرَها التخريبي في تماسك الشعوب والأُمم والجماعات والأفراد ، خصوصاً في حالة الحروب والأزَمات والتحوّلات الاجتماعيّة والأحداث الجديدة ، فاستخدَمها كسلاح هدّام في صراعه الفكري والعسكري والسياسي والاقتصادي … إلخ (4) .

وقد وجِدت الإشاعة حيث وجِدت المجتمعات البشريّة ، وتطوّرت مع تطوّر المجتمع ، وتبلوَرت في ظلّ كلّ حضارة وثقافة ، فأخذَت أشكالاً متنوّعة ، وقد لَعبت الإشاعة دوراً في التاريخ ، فأدّت مثلاً إلى موت سقراط بتهمة تحريض الشبّان في أثينا على التمرّد والعصيان (5) .

ويقول إلبورت وبوستمان في كتابهما عن سيكولوجيّة الإشاعة : إنّ أباطرة الرومان كانوا يعانون من الإشاعات التي تنتشر بين سكان المُدن والقرى … من أجل ذلك قام كثير من هؤلاء الأباطرة باستخدام حرّاس الإشاعات للاختلاط بالناس وتجميع الإشاعات التي يتناقلونها ، وإبلاغها للإمبراطور فضلاً عن إطلاق الإشاعات المضادّة (6) .

وقامت الحروب في القرون الوسطى ؛ نتيجةً للمغالاة في رواية قصص المعجزات والجرائم والأسلاب ، وكان لها دور في التعبئة النفسيّة في أوربا إبان الحروب الصليبيّة .

ومن الأمثلة التاريخيّة ذات الدلالات ، الإشاعة التي ساعَدت على اندلاع الثورة الهنديّة ضدّ بريطانيا عام 1857، فلقد كان الجنود الهنود العاملون في جيش الهند البريطاني يستخدمون بنادق تملأ من فوهة السبطانة (الماسورة) ، وكان عليهم خلال الرمي أن ينزعوا بأسنانهم الورق المشحّم من طرف كلّ خرطوشة ، حتى يسقط البارود في سبطانة البندقيّة قبل وضع المقذوف في مكانه ، واعتمدت الإشاعة التحريضيّة على هذا الأمر ، إذ انتشرت بين الجنود المسلمين إشاعة تقول : بأنّ الشحم المستخدم هو شحم خنزير ، وخُيّل للهندوس بأنّه شحم بقر ، وقد حاولَ الانكليز وقتذاك إقناع الجنود بالقيام بأنفسهم بتشحيم ورق الخرطوش بالسمن النباتي (7) .

تزايد دورها في العصر الحديث :

وفي العصر الحديث تطوّرت أساليب الإشاعة ، وكانت فترة الحرب العالميّة الثانية مسرحاً مكثّفاً لانتشار الشائعات على نطاقٍ واسع ، خاصّة وإنّها اُستخدمت كسلاح ذي حدّين : للإقناع ، والاستفزاز .

ولهذا نجد أنّ موضوع الإشاعة من المواضيع التي اهتمّ بها علم النفس ، منذ الحرب العالميّة الثانية ، فلقد لاحظَ علماء النفس والمهتمّون بالحروب النفسيّة ، أنّ الإشاعة وسيلة هامّة من وسائل الحرب النفسيّة يفيد منها العدو ، الذي يوعز إلى عملائه ببث الإشاعات ، التي تُبلبل نفسيّة الجماهير وتفقّدها ثقتها بحكومتها وتشكّكها بجيشها وقوّاتها المحارَبة ؛ ولذلك عكفَ علماء النفس على درس الإشاعات وعوامل انتشارها وما يحدث لها منذ أن تُطلق إلى أن تنتشر (8) .

وقد أولت مدارس الدعاية السياسيّة الإشاعة اهتمامها الكبير ، وهذا غوبلز ـ مهندس الدعاية الهتلريّة ـ نموذج شاخص في هذا الاتجاه ، إذ كان يجمع الشائعات المتجوّلة بصورة منهجيّة ، وينظّم دعاية مضادّة لتحييدها ، سواء من خلال الاتصال الكلامي ، أم من خلال الصحافة المطبوعة والراديو والسينما ، أو أنّه كان يلجأ إلى (شهود) أجانب ، وهم عموماً من المحرّرين المحابين .

وكما هو الأمر بالنسبة للنبوءات والتنبّؤات والتنجيم ، لم يكن غوبلز يتردّد في إعطاء تلك الشعوذات تفسيراً رسميّاً ملائماً لخطط التاريخ . هناك مثال متميّز حول مهارته في هذا المجال :

في نهاية صيف 1943 انتشرت شائعة حول إعدام عدد من كبار شخصيّات النظام ، وعمدَ غوبلز إلى المزايدة على هذه الشائعة ، فأعطى أمراً لقطّاعاته المتخصّصة بنشر شائعة مفادها : أنّ هيملر نفسه قد اعتُقل وأُعدم ، هذا ما أحدثَ انفعالاً كبيراً ، وفي اللحظة المناسبة ، عادَ هيملر إلى الظهور في كلّ مكان ، ممّا أدّى ـ كضربة مقابلة ـ إلى تدمير مجمل الشائعات التي انتشرت حول هذا الموضوع ، كان الأمر يكمن في تحطيم شائعة كاذبة من خلال شائعة أخرى تفوقها كذباً ، ولكن من الممكن إثبات أنّها عارية عن الصحة (9) .

قِبال ذلك : كانت أجهزة الحلفاء تقوم بدعاية سياسيّة مضادّة ، ولجأت في معركتها ضدّ الخصم إلى أسلوب تحليل الوسائل والخدع التي تلجأ إليها الدعاية السياسيّة المعادية وفضحها أمام الجمهور ، وهذا ما سعى إليه (معهد تحليل الدعاية السياسيّة) Instiute For Propaganda Analysis في الولايات المتّحدة الأمريكيّة خلال الفترة الممتدّة بين عام 1937 وعام 1939 .

وحاولَ هذا المعهد أن يُحصّن الجمهور ضدّ كلّ نوع من أنواع الدعاية السياسيّة ، معلمّاً إيّاه كشف الخدع الرئيسيّة التي يلجأ إليها الخصم .

كذلك أنشأ صَحفي أمريكي ، خلال الحرب العالميّة الثانية ، زاوية أطلقَ عليها اسم (عيادة الشائعة) حيث لم يكن يكتفي بتكذيب الأنباء المزيّفة التي تُسيء إلى معنويات السكّان ، بل كان يقوم أيضاً بتحليل نفسي لهذه الشائعات بُغية كشف العوامل التي ولّدتها وسهّلت تداولها (10) .

ما هي الإشاعة؟

الإشاعة أو الشائعة  معناهما واحد … فقد جاء في المعجم الوسيط أنّ (الشائعة : الخبر ينتشر ولا تثبّت فيه) ، و(الإشاعة : الخبر ينتشر غير متثبّت منه) (11) .

يقول ابن منظور : (شاعَ الشيب : ظهرَ وتفرّق ، وشاعَ الخبر في الناس شَيْعاً وشَيَعاناً …، فهو شائع : انتشرَ وافترق وذاع وظهر ، وأشاع ذِكرَ الشيء : أطارَه وأظهره ، وقولهم : هذا خبر شائع وقد شاعَ في الناس ، معناه قد اتّصل بكل أحد فاستوى علم الناس به ولم يكن علمه عند بعضهم دون بعض ، والشاعة : الأخبار المنتشرة ، وفي الحديث : ( أيّما رجل أشاعَ على رجل عوْرة ليشينه بها ) ، أي : أظهرَ عليه ما يعيبه .

وأشَعت السرّ وشِعْتَ به : إذا أذعتَ به … ورجل مِشْياع أي : مذياع لا يكتم سرّاً (12) ، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم في قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ) (13) .

والشائعة أيضاً هي : (معلومة لا يتحقّق من صحتها ، ولا من مصدرها ، تنتشر عن طريق النقل الشفوي) كما وردَ في قاموس موريس .

ويعرِّفها الدكتور مختار حمزة بقوله : ( الإشاعات : هي الأحاديث والأقوال والأخبار والروايات التي يتناقلها الناس دون تأكّد من صحّتها ، ودون التحقّق من صدقها ، ويميل كثير من الناس إلى تصديق كلّ ما يسمعونه دون محاولة للتأكّد من صحّته ، ثُمّ يأخذون يروون بدورهم إلى الغير ، وقد يضيفون إليه بعض التفصيلات الجديدة ، وقد يتحمّسون لِمَا يرونه ويدافعون عنه ، بحيث لا يدعونَ السامع يتشكّك في صِدق ما يقولون .

والشائعة ـ كما يقول الدكتور إبراهيم إمام ـ : تقوم على أساس انتزاع بعض الأخبار أو المعلومات ومعالجتها بالمبالغة ، والتأكيد أحياناً ، وبالحذف والتهوين أحياناً أخرى ، ثُمّ إلقاء ضوء باهر على معالم محدّدة ، تُجسّم بطريقة انفعاليّة وتُصاغ صياغة معيّنة ، بحيث يتيسّر للجماهير فهمها ، ويسهل سريانها ، واستساغتها ، واستيعابها على أساس اتّصالها بالأحداث الجارية وتمشّيها مع العرف والتقاليد والقيَم السائدة ) (14) .

الأهميّة والغموض :

والإشاعات التي تُروّج بين الناس قد تكون عن قصد ، أو عن غير قصد … وتلعب الإشاعات المقصودة المغرضة دوراً رئيسيّاً في أوقات الحروب والأزَمات ؛ لأنّها تُثير العواطف ، وتترك آثاراً عميقة في النفوس … أمّا الإشاعات غير المقصودة ، فتسمّى ثَرثرة أو دردشة … ويجد كلّ من ناقلها ومستمعها لذّة ومتعة في روايتها ، دون أن يعلموا أنّهم يساعدون على نشر الإشاعات الكاذبة والروايات المختلفة (15) .

وليست كلّ الإشاعات بالضرورة مختلقة من أساسها ، فهناك إشاعات تستند إلى حدث حقيقي يتمّ تشويهه عند إطلاق الإشاعة ، ويعتمد انتشار الإشاعة المختلقة أو المستندة إلى حدث ، على أهميّة موضوعها ، وتوافر عنصرَي الإثارة والغموض فيها (16) … والقانون الأساسي للإشاعة عبارة عن حاصل ضرب الأهميّة في الغموض ، وليس حاصل جمعهما . فإذا كانت الأهميّة كبيرة والغموض صفراً ، فلن تكون هناك إشاعة ، كذلك إذا كان الغموض شديداً في موقف لا يهمّنا ، فلن تكون هناك إشاعة … وبتعبيرٍ آخر : إذا لم يكن للموضوع أهميّة ؛ فإنّ غموضه لا يكفي وحده لاختلاق إشاعة ، كذلك فإنّ الإشاعة لن تقوم لها قائمة إذا كانت الأمور واضحة لا غموضَ فيها (17) .

ويلاحظ أنّ الغموض قد ينتج عن انعدام وسائل الاتصال والإعلام ، أو فقدان الأخبار الموثوقة ، أو أمثال ذلك من الأسباب التي تكثر أثناء الحروب ، أو في البلاد التي مزّقتها الحروب ، أو فيما بين الجماعات المعزولة كبعض الفِرَق الحربيّة أو بعض الجماعات النائية .

كما قد ينشأ الغموض عن انتشار الأخبار المتضاربة وانعدام الثقة بالسلطات الحاكمة ، أو وجود رقابة على الأخبار وسواها (18) أو نقص المعلومات الرسميّة وتضاربها ، وسوء الاتصالات والاستعداد النفسي لتقبّل الإشاعة ، وهذا ما يفسّر انتشارها بسرعة إبان الحروف والاضطرابات ، وفي المجتمعات المحرومة من الاستقرار الداخلي … بسبب تناقضاتها الحادّة ، سواء كانت هذه التناقضات اجتماعيّة أم دينيّة أم عَرقيّة (19) .

ففي مثل هذه الأجواء تنتشر الإشاعات الهدّامة التي تتعلّق بحياة الإنسان ومصالحه ؛ لإثارة الخوف والرعب والفرقة والخلاف والضعف ، فتثير الإشاعات المخوّفة من الغلاء وندرة السِلَع ، أو قوّة العدو العسكريّة وتفوّقه ، أو ضعف قوّة الجبهة الداخليّة ، أو الفُرْقة الطائفيّة والعنصريّة والمذهبيّة والإقليميّة ، أو التشكيك بالشخصيّات والقيادات والكيانات … والإيحاء للآخرين بالشُبهات والتُهم وضُعف الصف … وتخلخل تماسكه (20) .

أشكالها ، سايكولوجيتها :

تُقسّم الشائعة إلى أشكال متعدّدة ، فهناك الشائعة التي تنتقل ببطء من شخصٍ إلى آخر ، والشائعة التي تنطلق بضجّة فتصل إلى أسماع عدد كبير من الناس خلال فترة زمنيّة قصيرة ، وتكثر في الكوارث وعند الانتصارات أو الهزائم الساحقة ، والشائعة التي يُطلق عليها تسمية الشائعة الغائصة ، أي أنّها تروّج في البداية ثُمّ تختفي لتظهر ثانية ، عندما تُتاح لها فرصه للظهور .

ويمكن التمييز بين الشائعة التي يطلقها العدو أو عملاؤه ، والشائعة التي تنطلق ذاتياً للتنفيس عن كبتٍ شديد ، أو للتظاهر بسعة الاطلاع والمعرفة ، أو تفسير الأحداث بشكلٍ خيالي يبرِّر التطوّرات والأحاسيس العنفيّة .

وتتعرّض الشائعة إلى تحريف ناقليها فيُسقطون بعض تفصيلاتها ويركّزون على البعض الآخر ، ويعطونها طابعاً مشوّقاً يزيد من خطورتها وقدرتها على الإقناع (21) .

وتوجد علاقة طرديّة بين شدّة الإشاعة ودرجة الصداقة وعلاقات الألفة والمحبّة التي تقوم بين الأفراد ، حيث يسهل سريان الإشاعة عبر العلاقات والتفاعلات التي تقوم بين الأصدقاء والأقارب ، ومع أنّ الإشاعة تنتقل في المجتمع ككل ، إلاّ أنّها تبدأ في إطار هذه العلاقات حيث يكون التفاعل على أشدّه (22) .

ويمكن تقسيم الإشاعات على أساس دلالتها ودوافعها إلى ثلاثة أنواع رئيسيّة ، هي : إشاعات الأحلام والأماني … وإشاعات الكراهيّة والعداء … وإشاعات الخوف … (23) .

ويلاحَظ أنّ الإشاعات قد تنتج عن الخوف ، خوف المواطنين ، فهم يفتحون آذانهم لالتقاط الإشاعات التي قد يطلقها أُناس أبرياء أو جماعة من العملاء والمخرّبين والخَونة . وهنا نلاحظ علاقة الإشاعة وانتشارها بوجود الأقليّات العرقيّة أو الدينيّة أو القوميّة أو سواها ، وكيف تدور هذه الإشاعات حول هذه الأقليّات وتتناولها وتهاجمها …

ولقد أُجريَ إحصاء في أمريكا عام 1942 حيث دُرست ألف إشاعة ، فوجِدَ أنّها تتوزّع كالتالي :

ـ 66٪  كانت إشاعات عداء .

ـ 25٪  كانت إشاعات خوف .

ـ 2٪  كانت إشاعات تمنِّي .

ـ 7٪  كانت إشاعات من أنواع مختلفة .

ولقد لوحِظ أنّ إشاعات الخوف والتمنّي ما لبثت أن تغيّرت طبيعتها باقتراب النصر ، على أنّ الملحوظ أنّ غالبيّة الإشاعات كانت من طبيعة افترائيّة شرّيرة ، وتعبّر عن عداء ضدّ هذه الجماعة أو تلك (24) .

وقد توقّف علماء النفس أمام (سيكولوجيّة الإشاعة) ، وأوعزوا الأسباب الرئيسيّة لانتشارها إلى أنّها تقوم بوظيفة مزدوجة ؛ فهي تفسّر التوترات الانفعاليّة التي يستشعرها الأفراد وتُنفّس عنها … ومعلوم أنّ التنفيس المادي والمعنوي يسبِّب تراخي التوتر ، ويقود إلى الشعور بالراحة (25) .

وتأسيساً على ذلك ، اعتبر علماء الحرب النفسيّة الإشاعةَ من أهمّ الأسلحة التي يلجأون إليها في الحرب ، داخليّاً وخارجيّاً ، وتقوم الكيانات السياسيّة باستخدام الإشاعة كسلاح يغتالون به سمعة أعدائهم خُلقيّاً ومسلكيّاً ووظيفة ونزاهة ، ولكنّ الإعلام الإسلامي والرأي العام الإسلامي يرفض اللجوء إلى هذا النوع من الإشاعات ، سواء أكانت فرديّة أم جماعيّة ، وطلبُ من المسلم أن يرقى بنفسه عن هذا الدرك السيئ من اللجوء إلى الإشاعة الكاذبة لتحطيم وتفسيخ المجتمع (26) ، وقد عالجَ القرآن الكريم هذا الموضوع الخطير في غير موضع ، وتناوله على أكثر من صعيد .

الإشاعة في القرآن :

لم يأتِ في القرآن الكريم ذكر صريح للإشاعة أو مشتقاتها ، إلاّ مرّة واحدة وردت في سورة النور ، وهو قوله تعالى : ( إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (27) بَيْدَ أنّها وردت في مفهومها الشامل وتطبيقاتها ومداليلها العديدة في الكثير من المواطن والمواقف المشهودة .

وككل حركات التغيير الكبرى التي تركت بصماتها على مسيرة التاريخ ، لم تمر الدعوة الإسلامية بسلام ، ومن دون ردود فعل مضادّة وعنيفة وشرسة ، فمنذُ أن جهرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدعوة إلى الله ، وعالنَ قومه بضلال ورثوه عن آبائهم ، قرّر المشركون ألاّ يألوا جهداً في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه ، وانفجرت مكّة بمشاعر الغضب ، وظلّت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين ، فَزلزَلت الأرض من تحت أقدامهم ، واستباحت دماءهم وأموالهم وأعراضهم ، وصاحب كلّ ذلك حرب عاتية من الشائعات المغرضة ، والسخرية والتحقير ؛ لتخذيل المسلمين ، وتوهين قواهم المعنويّة ، وتحطيم نفسيَّاتهم … فرُميَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصحابته بتُهم هازلة وشتائم سفيهة ، وأُشيعت حولهم الافتراءات والأباطيل للحط من مكانتهم لدى الجماهير …

وفي المدينة حيث كثر عدد المسلمين ، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريق الدس والنفاق والمخاتلة وترويج الشائعات ، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً ، وقلوبهم تغلي حقداً وكفراً ، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أُبي بن سلول العوفي (28) .

وفي غمرة المواجهة الضارية … حرصَ القرآن الكريم على توعية المسلمين ، وتكوين الحسّ السياسي والإعلامي لديهم ، لصيانة الرأي العام الإسلامي ، وتحصينه من التأثّر بالإشاعات والأكاذيب والأراجيف التي يبثّها المندّسون والمنافقون والخصوم ؛ ليكوّن المناعة الفكريّة والنفسيّة ، ويُفوّت الفُرص على أولئك المخرّبين ، فثبّت الأُسس والموازين اللازمة للإنسان المسلم ، ليتمكّن من فحص وتمييز الإشاعة والدعاية الكاذبة وفرزها ، والوقوف بوجهها (29) .

وحينما نستقرى آيات القرآن التي تحدّثت عن الإشاعات التي روّجها أعداء الإسلام ، وأسلوب التعامل معها … نجد نماذج عديدة لها مبثوثة في كتاب الله ، وتكاد تغطّي كلّ مساحات المواجهة خلال مرحلة النبّوة ، وفيما يلي بعض المحطّات الهامّة (30) .

ـــــــــــــــ

* اقتباس وإعداد شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام ) من : مجلَّة ” رسالة القرآن ” ( نشرة فصلية تُعنى بالشؤون القرآنية ) ،  دار القرآن ـ قم ، العدد 11 ( رجب ـ شعبان ـ رمضان ) ، 1413 هـ ، ص 77 ـ 102 .

1 ـ مؤسّسة البلاغ : (مرتكزات أساسيّة في الإعلام القرآني) ، طهران ، 1412هـ ـ 1992 م ، ص : 25.

2 ـ د. محمد فريد محمود عزّت : (بحوث في الإعلام الإسلامي) ، جدّة ، 1403 هـ ـ 1983م ، ص : 13.

3 ـ د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون : (موسوعة السياسة) 3: 423 ، بيروت ، 1983.

4 ـ مرتكزات أساسيّة في الإعلام القرآني : المرجع السابق.

5 ـ موسوعة السياسة : المرجع السابق.

6 ـ د. أحمد بدر : (الرأي العام : طبيعته وتكوينه وقياسه ودوره في السياسة العامّة) ، القاهرة ، 1977 ، ص : 134.

7 ـ موسوعة السياسة : المرجع السابق.

8 ـ د. فاخر عاقل : (سيكولوجيّة الإشاعة)، مجلّة العربي ، العدد (94) . سبتمبر 1966 ، ص : 67.

9 ـ د. فريال مهنا : (تقنيات الإقناع في الإعلام الجماهيري)، دمشق 1989 ، ص : 82.

10 ـ غي دورندان : الدعاية السياسيّة . ترجمة د. رالف رزق الله ، بيروت ، 1403هـ ـ 1983م ، ص : 67.

11 ـ المعجم الوسيط : الجزء الأول ، ط (2) ، القاهرة ، 1973 ، ص: 503.

12 ـ ابن منظور : لسان العرب 7: 260.

13 ـ النساء : 83.

14 ـ اعتمدنا في هذه الاستشهادات على كتاب (بحوث في الإعلام الإسلامي) للدكتور محمد فريد محمود عزت ص: 14 ـ 15.

15 ـ م. س.

16 ـ موسوعة السياسة : المرجع السابق : 424.

17 ـ بحوث في الإعلام الإسلامي ، م. س : 16.

18 ـ سيكولوجية الإشاعة : م. س.

19 ـ موسوعة السياسة : م. س.

20 ـ بشيء من التصرف من كرّاس : (مرتكزات أساسيّة في الإعلام القرآني): 42.

21 ـ موسوعة السياسة ، م. س : 423.

22 ـ بحوث في الإعلام الإسلامي : م. س.

23 ـ للمزيد من الاطلاع على أنماط هذه الإشاعات يراجع المرجع السابق : 17 ـ 18.

24 ـ سيكولوجيّة الإشاعة : م. س.

25 ـ م. س.

26 ـ موسى زيد الكيلاني : الإعلام السياسي والإسلام ، بيروت 1405هـ ـ 1985م ، ص : 53.

27 ـ النور : 19.

28 ـ محمد الغزالي : فقه السيرة ، ط (7) ، القاهرة ، 1976 ، ص: 106 ، 256 (نقلاً عن كتاب بحوث في الإعلام الإسلامي) ص: 25 ـ 26.

29 ـ مرتكزات أساسيّة في الإعلام القرآني ، المرجع السابق : 26.

30 ـ نقول (بعض) المحطات الهامّة لأنّنا أغفَلنا نماذج الإشاعة التي لم يرد ذكرها في القرآن ، كالذي حصلَ بين مهاجري الحبشة ، وفي عمرة القضاء . وكذلك لم نقف إزاء كلّ الآيات التي عالجت موضوع الإشاعة واكتفينا ببعضها ، على أمل أن نواصل الحديث لاحقاً إن شاء الله تعالى.

 

حسن السعيد


more post like this