يثور التساؤل حول تأثير تطبيق الشريعة الإسلامية على حقوق الإنسان تلك التي يفخر بها الأوربيون باعتبارهم مصدرها القانوني. والجواب عن هذا التساؤل يرتبط بالمقارنة بين حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وفي هذه القوانين الأوربية.
حتى ندرك الفوارق بين هذه الشرائع يجب أن ندرك الأسباب التي دعت إلى إعلان حقوق الإنسان الأوربي.
لقد أدرك ذلك الدبلوماسي الألماني الأستاذ فيلفريد هوفمان، ففي كتابه “الإسلام كبديل” يقول: “إن الصياغة التي تناولت حقوق الإنسان التقليدية في القرون المنصرمة في أوربا، إنما كانت بالدرجة الأولى للحد من سلطة الدولة، فليس للدولة دون مبرر أن تفرض الضرائب، أو تعتقل إنسانا أو أن تنتزع ملكيته أو أن تحكم عليه بالإعدام”.
إن طغيان الدولة في أوربا لم يكن وحده السبب في بلورة حقوق الإنسان على النحو الوارد في الوثائق القانونية، لأنه بجانب طغيان السلطة كانت هناك مظالم القوانين والتشريعات والتي عانى منها الأوربيون وغيرهم قرونا من الزمان.
لقد ورثت أوربا مظالم القانون الروماني للمرأة فاعتبرتها ضمن الصبيان والمجانين، ولما اتجهت أوربا نحو تطبيق مبدأ المساواة لم تستطع التخلص من هذه العقدة، فظلت تمنح المرأة نصف أجر الرجل كما تمنعها من التصرف في أموالها حتى يوافق زوجها، وأجبرتها على أن تتسمى باسم عائلة زوجها، لهذا صدر قرار الأمم المتحدة 3010/ 74 بإنهاء هذا التمييز بين الجنسين.
كما اقترن الحكم الديني في أوربا بنظام الإقطاع، فكان للأمراء والنبلاء كل الحقوق وليس للرعية مقابل، وكان الأمراء يملكون الأرض ومن عليها من الناس والجماد والدواب.
بداية حقوق الإنسان
إنه أمام هذه المظالم وهذه التشريعات الجائرة كافحت الشعوب لتسترد حقوقها أو بعض هذه الحقوق، فنالت بذلك حقوقا أهمها ما يأتي:
أولا: أجبر الملك جون في بريطانيا على إصدار العهد الأعظم في سنة 1215 م ويسمى الماجنا كارتا.
وهذا العهد يلزم الملك بألا يعتدي على الممتلكات الشخصية لأحد رعاياه ما لم يكن ذلك إنفاذا لقضاء محكمة من نظراء هذا الشخص المنتمين لطبقته نفسها، وهذا يكرس سلطة محاكم النبلاء والأشراف كطبقة مميزة، كما يلاحظ أن هذا العهد على الرغم من أنه يسمى بوثيقة الحريات العظمى إلا أن صياغته تكشف عن أنه يخدم نظام الطبقات ويحفظ للبارونات والأمراء حقوقهم كطبقات ممتازة، وهي المعنية بهذه الحقوق والمستفيدة منها.
ثانيا: أصدرت بريطانيا سنة 1679 وثيقة المثول أمام القضاء وهي تشمل ضمانات للمتهم حتى لا يتم القبض عليه دون سند من القانون، أي تحميه ضد الاعتقال والسجن.
ثالثا: كما أصدرت بريطانيا وثيقة إعلان الحقوق سنة 1689 وتتضمن وجوب إقرار البرلمان لحرية القول وعدم فرض ضرائب دون سند من القانون.
رابعا: أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة إعلان الاستقلال سنة 1776 وتضمنت أن الرجال سواسية أمام القانون.
خامسا: أصدرت فرنسا إعلان حقوق الإنسان والمواطن، وذلك سنة 1789 وهذا على إثر قيام الثورة الفرنسية.
سادسا: توجت هيئة الأمم المتحدة هذه الوثائق بإصدارها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر سنة 1948 وهو كسائر قرارات المنظمة الدولية ليس له قوة إلزامية، ولهذا تنتهك حقوق الإنسان بل يغتال هذا الإنسان في كثير من الدول
الحقوق في الإسلام
إن حقوق الإنسان الواردة في القوانين الأوربية جعلها الإسلام ضرورات إنسانية لا سبيل لحياة الإنسان بدونها، ومن ثم فإن الحفاظ عليها لا يقتصر على كونه حقا فقط يمكن التنازل عنه بل هو واجب يأثم من فرط فيه فردا أو جماعة.
لهذا أكد الفقهاء أن غاية الشريعة الإسلامية أن تحفظ على الناس خمسة أمور سميت بالضرورات الخمس وهي حفظ العقل والنفس والنسل والدين والمال.
كما قرروا أن صلاح أمر الدين موقوف ومترتب على صلاح أمر الدنيا، قال الإمام الغزالي: “إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة تلك الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية”.
وفي هذا قال الدبلوماسي الألماني هوفمان إن الشريعة الإسلامية قد تضمنت قوانين مختلفة تكفل توافر الحقوق وبخاصة حق الحياة، وسلامة الجسد والحرية والمساواة في المعاملة، وحق الملكية الخاصة، والزواج وحرية الضمير، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته وحق الحماية من التعذيب، ولا عقاب بدون سابق إنذار، وحق اللجوء، وكذلك عدم الحكم إلا بعد سماع أقوال الطرفين، وهذه الحقوق قد كفلها الإسلام منذ ألف وأربعمائة عام.
وثائق الحقوق في الإسلام
على الرغم من أن حقوق الإنسان في الإسلام لم يفرد لها وثيقة خاصة، إلا أن القرآن الكريم والسنة النبوية قد ركزا على الحقوق التي كانت مهدرة في الأمم الأخرى، والنصوص والوثائق في ذلك لا نكاد نحصيها لكثرتها، ونكتفي بلمحات عن ذلك في البنود التالية:
1 – وردت نحو أربعين آية في القرآن الكريم عن الإكراه والكراهية منها أكثر من عشر آيات تنهى عن الإكراه، وذلك لضمان حرية الفكر والاعتقاد وحرية الضمير، نذكر من ذلك قول الله تعالى لا إكراه في الدين – البقرة/ 256 – وقوله تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين – يونس/ 99 – وقوله تعالى وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر – الكهف/29.
2 – كفل الإسلام العدل والعدالة ورفع الظلم، ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء ولا بين المسلم وغير المسلم، أو بين الكبير والصغير، وحسبنا أن القرآن الكريم قد تعرض للظلم وللظالمين في نحو ثلاثمائة وعشرين آية، وأمر بالعدل في أربع وخمسين آية تنوعت بين العدل والقسط والقسطاس.
3 – أمر الإسلام بحفظ الحياة وتوفير أسباب الحياة للإنسان فأورد القرآن الكريم نحو ثمانين آية عن الحياة، ونحو سبعين آية عن القتل والقتال، منها قول الله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا – المائدة/ 32.
كما أورد القرآن الكريم نحو عشرين آية عن الكرامة والتكريم منها قول الله تعالى ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا – الإسراء/ 70.
4 – أورد القرآن الكريم نحو مائة وخمسين آية عن الخلق والخلائق وعن المساواة في الخلقة، وفي ذلك نذكر قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وهو، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الناس سواسية كأسنان المشط .
5 – في حجة الوداع أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحقوق جميعا فقال فيما رواه البخاري ومسلم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا.
اعتراضات على الإعلان العالمي
لقد ورثت القوانين الأوربية عن القانون الروماني التمييز الصارخ بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات حيث تنص القوانين الأوربية على استحقاق المرأة نصف أجر الرجل عن العمل ذاته، وتمنعها من الاحتفاظ باسم عائلتها عند الزواج فيجب أن تنتسب إلى عائلة زوجها، وأيضا تمنع هذه القوانين المرأة من التصرف في أموالها الخاصة حتى تثبت أن هذا المال ليس موهوبا منها لزوجها عند الزواج وليس من الأموال المشتركة بين الزوجين.
لهذا نصت المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم التمييز بين الرجل والمرأة بسبب الدين أو الجنس.
ولقد اعترضت بعض الدول الكبرى على صياغة هذه المادة لأنها تعتبر تدخلا في الشئون الداخلية لها، ولهذا اتفقت هذه الدول على علاج هذه المشكلة في صياغة المادة 22 التي تضمنت ما يأتي:
“يراعى في التشريعات للدول الأطراف في الميثاق أن تتجه إلى المساواة بين الزوجين في الحقوق والمسئوليات”، فأصبح النص كتوصية وليس إلزاما، والمساواة فيه ليست مطلقة وكاملة.
والجدير بالذكر أن الشريعة الإسلامية لا تقر التفرقة بين الرجل والمرأة في الأجر عن العمل، ولا تقر أن تفقد المرأة اسم عائلتها وتسمى باسم زوجها، كما لا تقر حرمان المتزوجة من التصرف في أموالها.
ولكن توجب الشريعة بعض الفوارق بين الرجل والمرأة، ترجع في أغلبها إلى الفوارق الطبيعية بينهما في الخلقة والتكوين، وفي الأعباء والالتزامات.
ولهذا توجد فوارق في الميراث وفي الزواج حيث يحرم الإسلام الزواج من المشركات ويجيز الزواج من الكتابيات، أي بنات النصارى واليهود، ولا يجيز أن تتزوج المسلمة بغير المسلم.
وأما في الحقوق والواجبات فقد قال الله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما النساء شقائق الرجال ، والدرجة التي للرجال هي القوامة في الأسرة.
وعلى هذا فإن قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة والواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تمس أحكام الشريعة الإسلامية السالف ذكرها، وإن ادعى أحد بوجود تعارض جدلا بين الإعلان العالمي وأحكام الشريعة الإسلامية، فإن هذا الإعلان ليس إلا اجتهادا بشريا قيدته الدول الكبرى بقيود لتحافظ على الفوارق التي تضمنتها القوانين الأوربية، والتي هي أيضا اجتهاد خاطئ من البشر ومن ثم لم تصدق على الميثاق الخاص بالتنمية ولا على الميثاق الخاص بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام في حق الأطفال.
——————————–

http://www.erfan.ir


more post like this