كيف نلبي دعوة الله؟ طهر قلبك وبدنك

تنقسم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية، واختلفوا في تفسير هذا التقسيم إلى نظريات:
الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

قال المحقّق الخراساني: الإرادة التكوينية عبارة عن العلم بالنظام على النحو الكامل التام، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف.(1)

وفسّرهما في موضع آخر بالعبارة التالية وقال: لا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب و ان يكون ذلك الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة(التكوينيّة) أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك (لا بالمباشرة) مسمّى بالطلب والإرادة .(2)

والعبارة الأُولى ناظرة إلى تفسير الإرادتين في حقّه سبحانه، والثانية ناظرة إلى تفسيرهما في الإنسان.

فالإرادة التكوينية على التفسير الأوّل هو العلم بالنظام على النحو الكامل، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف; ولكنّهما على التفسير الثاني عبارة عن الشوق المؤكّد المستتبع إمّا لتحريك العضلات فهي الإرادة التكوينية، أو المستتبع لأمر العبيد به فهي التشريعية.

ولا يخفى ضعف التفسيرين.

أمّا الأوّل، فلأنّ تفسير الإرادة الإلهية التكوينية بالعلم بالنظام على النحو الكامل والتشريعية بالعلم بالمصلحة، تفسير غير تام، لما مرّ من أنّ واقع الإرادة غير واقع العلم.

وأمّا التفسير الثاني، فلأنّ تفسير الإرادة بالشوق المؤكّد الذي هو الجامع بين الإرادة التكوينية والتشريعية في الإرادة الإنسانية تفسير ضعيف، إذ ليس الشوق من مبادئ الإرادة ولا نفس الإرادة بشهادة انّ الإنسان كثيراً ما يريد شيئاً ويفعله بلا شوق كشرب الدواء المرّ، وربّما يشتاق ولا يفعله كما في المحرّمات.
الثانية: نظرية المحقّق الإصفهاني

إنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بفعل المريد نفسِه، والتشريعية تتعلّق بفعل الغير. ثمّ ذكر في توضيح الثانية ما هذا نصّه: إنّ فعل الغير إذا كان ذا فائدة عائدة إلى الشخص، ينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة، شوق إلى فعل الغير بملاحظة ترتّب تلك الفائدة العائدة إليه، وحيث إنّ فعل الغير ـ بما هو فعل اختياري له ـ ليس بلا واسطة مقدوراً للشخص، بل يتبع البعث والتحريك إليه، لحصول الداعي للغير فلا محالة ينبعث للشخص(الآمر) شوق إلى ما يوجب حصول فعل الغير اختياراً وهو تحريكه إلى الفعل.

فالإرادة التشريعية ليست ما تعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله(3)، فلا مقابلة بين التشريعية والتكوينية، بل التشريعية من الشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، وأمّا إذا لم يكن لفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص فلا يعقل تعلّق الشوق به بداهة انّ الشوق النفساني لا يكون بلا داع.(4)

ولمّا كان تفسير الإرادة التشريعية بالشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، موجباً لانتفاء الإرادة التشريعية في اللّه سبحانه، لعدم تعقّل الشوق في ساحته تعالى، حاول أن يفسّر الإرادة التشريعية بوجه، يناسب ساحته تعالى و قال:

نعم من جملة النظام التام ـ الذي لا أتمّ منه ـ نظام إنزال الكتب وإرسال الرسل والتحريك إلى ما فيه صلاح العباد، والزجر عمّا فيه الفساد، فالمراد بالإرادة الذاتيّة بالعرض لا بالذات، هذه الأُمور دون متعلّقاتها فلا أثر للإرادة التشريعية في صفاته الذاتية; كما في الخبر الشريف المروي في توحيد الصدوق ـ قدَّس سرَّه ـ بسنده عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ للّه إرادتين ومشيّتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشá و يأمر وهو لا يشû الخ، وهو ظاهر في أنّ الإرادة التشريعية حقيقتها الأمر والنهي، وانّ حقيقة الإرادة والمشيئة هي الإرادة التكوينية.(5)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الإرادة التكوينية وإن كانت تقابل الإرادة التشريعية لكن التقابل لا يقتضي تفسير الأُولى بما يتعلّق بفعل المريد، والأُخرى بما يتعلّق بفعل الغير، بل يكفي وجود التغاير بينهما في خصوصيات المتعلّق بأن يقال: انّ الإرادة مطلقاً في التكوينية والتشريعية تتعلّق بفعل النفس والمريد; غاية الأمر انّه لو كان متعلّقها إيجاد شيء في الخارج كالأكل والشرب توصف بالتكوينية، ولو كان متعلّقها بعث المكلّف إلى إيجاد شيء في الخارج تسمّى تشريعية، وبذلك يظهر عدم صحّة قوله: فالإرادة التشريعية ليست ما تتعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله فلا مقابلة (أي يلزم عدم المقابلة) بين الإرادتين، لما عرفت من أنّه يكفي في التقابل، وجود الاختلاف في خصوصيات المتعلّق بعد اشتراكهما في كون المتعلّق فيهما هو فعل المريد، غاية الأمر ينقسم فعل المريد إلى قسمين، كما عرفت.

وثانياً: أنّ لازم تفسير التشريعية بالشوق إلى فعل الغير لما فيه فائدة عائدة إلى الشخص المريد، هو كون الإرادة التكوينية أيضاً من مقولة الشوق، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من مقولة الشوق، وربّما يكون هنا شوق ولا إرادة كما تكون إرادة ولا يكون شوق.

وثالثاً: أنّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية في مورده سبحانه والإنسان بملاك واحد، وهو إن تعلّقت

الإرادة بإيجاد الشيء تكويناً، فالإرادة تكوينية مطلقاً في المالك والمملوك، وإن تعلّقت بالإنشاء والبعث فهي تشريعية كذلك، و هذا بخلاف ما أفاده ـ قدَّس سرَّه ـ حيث فسّر الإرادة التكوينية: بحبه بذاته لذاته، وحبه لأفعاله بالعرض، وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن إرسال الرسل وإنزال الكتب .

رابعاً: انّ إرسال الرسل وإنزال الكتب من مظاهر الإرادة التكوينية، حيث إنّها عبارة عن ابتهاج الواجب ذاته بذاته وابتهاجه بأفعاله وما يدخل في دار الوجود، بالعرض، ومن أفعاله إرسال الرسل وإنزال الكتب ومعه كيف عدّهما من مظاهر الإرادة التشريعية؟!
الثالثة: نظرية العلاّمة الطباطبائي

وحاصل النظرية عبارة عمّا ذكرناه في نقد نظرية المحقّق الإصفهاني من أنّه لا فرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية في أنّ كليهما يتعلّقان بفعل المريد، غاية الأمر إن تعلّقت بفعل المريد غير البعث والزجر فهي إرادة تكوينية، وإن تعلّقت ببعث الغير وزجره عن الشيء فهي إرادة تشريعية، فمتعلّق الإرادتين في الحقيقة فعل المريد; غاية الأمر انّ المتعلّق إن كان الفعل الخارجي فهو إرادة تكوينية، وإن تعلّقت بإنشاء البعث والزجر الذي هو أيضاً فعل المريد فالإرادة تشريعية.

قال ـ قدَّس سرَّه ـ معلّقاً على قول صاحب الكفاية«المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك» ما هذا لفظه: إنّ الإرادة في استتباعها لأمر العبيد من قبيل إرادة الفعل بالمباشرة، وأمّا بالنسبة إلى إرادة فعل العبد مثلاً فلا إرادة في النفس تتعلّق بفعل الغير، بل إنّما هي إرادة إنشائية وتسميتها إرادة متعلّقة بفعل الغير مجاز أو مسامحة، لمكان التلبّس الواقع بين الأمر والمأمور به.

وبه يتبيّن انّ القول بتعلّق الإرادة بفعل المأمور به مسامحة أو خطأ واضح تابع من الاتّحاد المتوهّم بين الأمر والمأمور به، وذلك انّ الإرادة حيثية حقيقية رابطة بين الذات المريدة وفعلها القائم بها، وأمّا النفس وفعل غيرها فلا رابطة بينهما حتّى يتوسط بينهما حيثية الإرادة، فالإرادة المتعلّقة بفعل المأمور توهّماً متعلّقة بالحقيقة بأمره بالفعل فتنسب إلى نفس الفعل مجازاً، أو انّ إرادة الأمر لتعلّقها بفعل ما(البعث) له ارتباط بفعل المأمور تعد متعلّقة بنفس فعل المأمور تجوّزاً، كما يقال: أردت الخبز وإنّما أراد أكله، وهذا النحو من الاسناد أو النسبة كثير الدوران في الاستعمال.(6)

وحاصل تلك النظرية: انّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية صرف اصطلاح نشأ من غرض خاص، وإلاّ فالإرادة في كلا القسمين تتعلّق بفعل المريد، إذ يمتنع أن تتعلّق الإرادة بفعل الغير، لأنّها لا تتعلّق إلاّ بما كان تحت اختيار المريد وفعل الغير خارج عن اختياره فكيف تتعلّق إرادته به؟! هذا ما بعث السيد العلاّمة الطباطبائي إلى القول بأنّ كلا القسمين من نسيج واحد، وإنّما الاختلاف في المراد، فتارة يكون المراد أمراً تكوينياً، وأُخرى أمراً اعتبارياً كإنشاء البعث المنتزع من الأمر.

وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان بما انّه طالب للكمال ربّما يقوم بالفعل بنفسه الذي يرى فيه الكمال وربّما يستخدم الغير لأجل تبسيط قدرته ونيل الكمال المطلوب عن طريقه، فتكون الغاية من الإرادة التشريعية هو الوصول إلى الكمال المطلوب عن طريق استخدام الغير وبعثه نحو المراد.

هذه هي الإرادة التشريعية الإنسانية، وأمّا الإرادة التشريعية الإلهية فهي أجل من أن تكون لتلك الغاية، لأنّه كمال مطلق لا يتطرّق إليه النقص ولا يتصوّر فوقه كمال، إنّما الغاية لأمره ونهيه هو إيصال المأمور إلى الكمال، وعلى هذا فالإرادة التشريعية في عامّة المراتب بمعنى واحد غير أنّ الغاية تختلف في الإنسان وغيره، فالغرض منها في الإنسان هو طلب الكمال لنفسه وفي حقّه سبحانه هو إيصال الغير إلى الكمال.

http://www.tebyan.net


more post like this