تقديم
الحج عبادة عظيمة سنوية شرعها الله للعباد ولما فيها من المنافع العظيمة وما تهدف إليه من المقاصد الجليلة ولما يترتّب عليها من خير في الدنيا والآخرة ، وهي فريضة على جميع المكلّفين في جميع أقطار العالم رجالا ونساءً إذا استطاعوا السبيل إليها حيث قال الله تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ سْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}1 ، فالحج من أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ، فهو يجمع معاني العبادات كلّها ، فمن حج فكأنّما صام وصلّى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا وجاهد الشياطين من الجن الإنس .

والحج أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهو عرضة سنوية للملّة الإسلامية يرجع إليها الفضل في نقاء هذه الأمّة وأصالتها وفي بقاء هذا الدين ، بعيداً عن التحريف والغموض والالتباس ، وفي بقاء هذه الاُمّة ، بعيدة عن الانقطاع عن الأصل والمصدر والأساس ، محفوظة من المؤامرات والمغالطات التي وقعت أمم كثيرة فريستها في الزمن الماضي ، وعن طريق هذه المؤسسة العظيمة الحكيمة تبقى هذه الاُمة تحتفظ بطبيعتها لإبراهيمية الواعية ، الثائرة القوية الحنفية السمحة وتتوارثها جيلا بعد جيل فكأنها القلب الحيّ القويّ الذي يوزع الدم إلى عروق الجسم وشرايينه وبها تستعرض هذه الاُمّة مجموعها في صعيد واحد ، فينفي بذلك لماؤها وزعماؤها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وخرافة المخرفين ويردونها إلى الأصل الإبراهيمي الحنيفي وإلى الشرعة المحمّدية الصافية وإلى الدين الخالص ، وبها تستطيع هذه الاُمة أن تحافظ لى وحدتها الدينية والعقلية والثقافية وتعتصم عن أن تؤثر فيها الاقليمية والمحلية تأثيراً بفقدها الوحدة الحنيفية الإبراهيمية والصبغة الإسلامية المحمدية ، فالحج هو الطريق الوحيد الذي يلتمس به الاُمّة الإسلامية آثرهم القديمة كما تلتمس طرق حلّ مشاكلهم الفردية والاجتماعية والدولية التي تواجهها الاُمة في العصر الراهن .

معنى الحج لغة
الحج ـ بفتح الحاء وكسرها ـ لغة هو القصد والإرادة ، يقال : حج إلينا فلان : أي قدم ، وحجه يحجه حجاً أي قصده ، ويقال : رجل محجوج أي مقصود ، وقال جماعة من أهل اللغة : الحج : القصد لمعظم ، والحج بالكسر : الاسم ، والحجّة : المرّة الواحدة ، قال الشاعر :

وقفت بها من بعد عشرين حجّة فهلا عرفت الدار بعد توهم

وهو من الشواذ ، لأن القياس بالفتح ، وقال ابن منظور : تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك والحج إلى البيت خاصة ، تقول : حج يحج حجّاً ، والحج قصد التوجّه إلى البيت بالأعمال المشروعة فرضاً وسنّة2 .

الحج في الاصطلاح
الحج هو القصد إلى بيت الله الحرام لأعمال مخصوصة في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة ، أي : أنّ الحج هو قصد موضع مخصوص وهو بيت الله الحرام وعرفة في وقت مخصوص وهو أشهر الحج للقيام بأعمال مخصوصة وهي الوقوف بعرفة والطواف والسعي بشرائط مخصوصة3 .

ثبوت فريضة الحج
إنّ الله تعالى قد فرض الحج على المسلم المستطيع في العمر مرّة واحدة فحسب ، قد نزلت الآية بمناسبة فرض الحج عام الوفود في أواخر سنة تسع من الهجرة النبوية ، فالنبيّ(صلى الله عليه وسلم) قد أدّى فريضة الحج في حياته الطيبة مرّة واحدة في السنة العاشرة من الهجرة ، في هذه السنة قد طهر بيت الله الحرام من الرجس والأوثان كما طهّره من آثار الشرك والعصيان وعن نشاطات المشركين في رحاب الكعبة لمشرّفة كما أمره تعالى : {وَ أَذانٌ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ اْلأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ}4 وأيضاً قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا}5 .
قدثبت فرض الحج بالكتاب المحكموالسنّة النبوية (صلى الله عليه وسلم) وإجماع الاُمّة الإسلامية.

أ ـ ثبوت الحج بالقرآن :
قال الله تعالى : { وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}6 ، وقال تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله}7 ، وقال تعالى : { وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق}8 .

ب ـ ثبوت الحج بالسنّة :
عن عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان9 ، وعن عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب وشديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد حتى جلس إلى النبيّ(صلى الله عليه وسلم) فأسند كبتيه إلى ركبتيه ووضع كفّيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام قال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . . .10 .

ج ـثبوت الحج بالإجماع :
قد وقع الإجماع في فريضة الحج حيث إنه لم يخالف أحد في فرضه من عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى يومنا هذا11 .
فمن هذه الأدلّة ـ نحن نلاحظ ـ أنّ الحج واحد من أركان الإسلام كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها ، فمن جحد وجوبه وأنكر فرضيته أو شك فيه فهو خارج عن دائرة الايمان وعن حدود الإسلام وعن زمرة المسلمين ، ومن أقرَّ بوجوبه وامتنع من فعله مع القدرة والاستطاعة عليه فكفى بالله حسيباً ، فقد روى سعيد بن منصور عن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطّاب : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل ن كان عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين12 . وأيضاً روي عن عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهودياً أو صرانياً13 .

فضائل الحج
الحج له فضائل عظمى ومكانة سامية وأثر كبير في غفران الذنوب والآثام ، وفي بناء المجتمع على أساس الشريعة الإسلامية ، فالمرويات التالية تدل عليها :
أ ـ عن ابن شبرمة قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت ، فبكى طويلا وقال : لما جعل الله تعالى الإسلام في قلبي أتيت النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقلت : يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبسط يمينك لأبايعك ، فبسط يده فقبضت يدي ، فقال : ما لك يا عمرو؟ قال : أردت أن أشترط ، قال : تشترط ماذا؟ قال : أن يغفر لي ، قال : ما علمت يا عمرو أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله وأنّ الهجرة تهدم ما كان بلها وأنّ الحج يهدم ما كان قبله14 .
ب ـ عن أبي هريرة قال : سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي الأعمال أفضل؟ قال : إيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا؟ قال : جهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا؟ قال : حجّ مبرور ، والحج المبرور هو الحج
الذي لا يخالطه إثم15 وقال الحسن : أن يرجع زاهداً في الدنيا وراغباً في الآخرة .
ج ـ عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة16 .
د ـ عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ترى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد؟ قال : لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور17 .
هـ ـ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته اُمّه18 .
و ـ وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة19 .

الحج حكمته وفلسفته
إنّ الحكمة والفلسفة في الحج هي تسلية الحج والبيت للمسلمين وتشويقهم وتقوية إيمانهم وغفران ذنوبهم . . . لأنّ الشوق غريزة في الإنسان الحي السليم وحاجة من حاجاته ، فيبحث له عمّا يقضي به حاجاته ويروي غلته ، وكان البيت العتيق وما حوله من شعائر الله والحج وما فيه من مناسك خير ما يحقّق رغبته ويسلّي شوقه وعاطفته ، وقد قال الله تعالى في بيان هذه الحكمة والفلسفة : {وَ إِذْ بَوَّأْنا لاِِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ نْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق * لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّام مَعْلُومات عَلى ا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اْلأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}20 ، وأيضاً قال تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}21.
يقول الإمام الغزالي : فالشوق إلى لقاء الله تعالى يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة ، هذا مع أنّ المحبّ مشتاق إلى كلّ ما له إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله تعالى ، ـ فالبحري أن يشتاق اليه بمجرّد هذه الإضافة ـ فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل22 .
يقول الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي : ربما يشتاق الإنسان إلى ربّه أشد شوق ، فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجده إلا في الحج23 .

أسرار الحج
إنّ للحج ديناً يهدف ـ بعباداته ـ إلى صلاح الدين والدنيا ، فالحج المؤتمر الإسلامي العظيم والاجتماع الحاشد ، فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية والسياسية ما يفوت الحصر والعد .
فأما المنافع الدينية : فما يقوم به الحاج من هذه العبادات الجليلة التي تشتمل على أنواع من التذلل والخضوع بين يدي الله تعالى ، فمنها تقحم الأسفار وإنفاق الأموال والخروج من ملاذ الحياة بخلع الثياب واستبدالها بإزار ورداء ، حاسر الرأس وقد ترك الطيب والنساء وترك الترفه بأخذ الشعور والأظفار ثم التنقل بين هذه المشاعر ، كلّ هذا بقلوب خاشعة وأعين دامعة وألسنة مكبِّرة ملبية ، قد حدا بهم الشوق إلى بيت بّهم ، ناسين ، في سبيل ذلك ، الأهل والأوطان والأموال والنفس والنفيس ، فما ترى ثوابهم عند ربّهم؟!
وأما المنافع الثقافية : فقد أمر الله بالسير في الأرض للاستبصار والاعتبار ففيه من معرفة أحوال الناس والاتصال بهم والتعرّف على شؤون الوفود التي تمثّل أصقاع العالم كلّه ما يزيد الإنسان بصيرة وعلماً إذا التقى بعلمائهم واتصل بنبهائهم فيجد لكل علم وفن طائفة تمثِّله .
وأما المنافع الاجتماعية والسياسية : فإنّ الحج مؤتمر عظيم يضمّ وفوداً متنوّعة العلوم ، مختلفة الثقافات ، متباينة الاتجاهات والنزعات ، فإذا اجتمع كلّ حزب بحزبه وكلّ طائفة بشبيهتها ومثلوا «لجان الحكومة لواحدة» ودرسوا وضعهم الغابر والحاضر والمستقبل ، ورأوا ما الذي أخّرهم وما الذي يقدِّمهم وما هي أسباب الفرقة بينهم وما أسباب الائتلاف والاجتماع وتوحيد الكلمة ، وبحثوا شؤونهم الدينية والسياسية الاجتماعية والاقتصادية على أساس المحبّة والوئام وبروح الوحدة والالتيام ، أصبحوا يداً واحدة ضد عدوّهم ، وقوّة مرهوبة في وجه المعتدي عليهم على ضوء قوله تعالى : { وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَ مِنْ باطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَ عَدُوَّكُمْ}24 ، وبهذا يصير لهم كيان مستقلّ خاص ، له مميّزاته وأهدافه ومقاصده ، يسمع صوته ويصغى إلى كلمته ويحسب له ألف حساب ، وبهذا يعود للمسلمين عزّهم ويرجع إليهم ؤددهم ويبنون دولة إسلامية دستورها كتاب الله وسنّة رسوله ، شعارها العدل والمساواة ، وهدفها الصالح العام وغايتها الأمن والسلام ، حينئذ تتجه إليهم أنظار الدنيا وتسلم الزمام إليهم فيمسكونه بأيديهم ، يقوّضون مجالس بنيت على الظلم والبغي ، ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان ، وبهذا يقرّ السلام ويستتب الأمن وتتجه المصانع التي تصنع للموت الذريع أسلحة الدمار والخراب ، إلى أن تخترع المعدّات التي ساعد على التثمير والتصنيع وإخراج خيرات الأرض ، فتحقق حكمة الله بخلقه ، ويحلّ الخصب والرخاء والأمن والسلام مكان الجدب والغلاء والخوف والدماء ، كما قال تعالى : { وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً}25 .

مقاصد الحج وأهدافه
من مقاصد الحج الرئيسية تجديد الصلة بإمام الملّة الحنيفية ومؤسسها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، والتشبّع بروحه ، والمحافظة على إرثه ، والمقارنة بين حياتنا وحياته وعرضها عليها ، واستعراض ما يعيش فيه المسلمون في العالم ، وتصحيح ما وقع في حياتهم من أخطار أو فساد أو تحريف ، وإعادة ذلك كلّه إلى أصله ومنبعه . فالحج عرضة سنوية للملة تضبط أعمال المسلمين وحياتهم ويتخلّصون بها من نفوذ الاُمم المجتمعات التي يعيشون فيها26 . قال الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي : ومن مقاصده موافقة ما توارث الناس عن إبراهيم وبنيه إسماعيل(عليهما السلام) . . . .
. . . . فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إمامها كخصال الفطرة ومناسك الحج ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : قفوا على مشاعركم ، فإنكم على إرث من إرث أبيكم27 .
إنّ مقاصد الحاج وأهدافه الفوز بالجنة والنجاة من النار وغفران الذنوب وحط الخطايا ، إن ابراهيم (عليه السلام) قد دعا إلى ربّه لهذا البلد فاستجاب الله هذا الدعاء فبعث محمّداً(صلى الله عليه وسلم) بالأمور التي بيّنها إبراهيم (عليه السلام) فرفعهم بالأخلاق الفاضلة وطهّرهم من الأخلاق الدنيئة والصفات المنكرة . إنّ أعظم صفات الاُمم الإسلامية التوحيد لله وحده وإخلاص العبادة له في جميع الأحوال وترك عبادة ما سواه الايمان به وبرسوله وبكلّ ما أخبر الله به ورسله عمّا كان وما يكون ، والايمان بنبيّه محمّد(صلى الله عليه وسلم)والاستقامة على دينه ، هذا أصل هذا الدين وأساسه وتوحيد الله والاخلاص له ، وهو أعظم هدف للحج أعظم مقصد أن يأتي العبد مخلصاً لله ويترك كل ما سواه ويقصد وجهه الكريم بالتلبية والدعاء ويكرّر : لبيك اللهمّ لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
إنّ الحج هو العبادة الوحيدة الذي يمكن أن يظهر القوة والوحدة الإسلامية أمام الملحدين والغالين والمخالفين للدين الحنيف ، ويطهر الأرض المقدّسة من المشركين الكافرين بأن يعبدوه وحده عند بيته الكريم ويطهروا ما حول البيت من الأصنام والأوثان وسائر ما حرّم الله ، ومن النجاسات ومن مؤامرات الشياطين ومن كل ما يؤذي الحجيج أو العمار أو يشغلهم عن هدفهم ، فالبيت للمصلين وللطائفين وللعاكفين وهم المقيمون عنده عبدون الله فيه وفي حرمه الذي يجب أن يطهر لهم من كلّ ما يصد عن سبيل الله أو يلهي الوافدين إليه من قول أو عمل .
قد أذن ابراهيم (عليه السلام) في الناس بأداء الحج ، فأسمع الله صوته لمن شاء من العباد ، وأجاب الناس هذه الدعوة من عهده إلى يومنا هذا ، ففي الحج منافع عاجلة وآجلة ، فمن أعظم المنافع أن يشهدوا توحيد الله تعالى والإخلاص له في الطواف ببيته والصلاة في رحاب بيته والدعوة له والإنابة إليه والتضرّع إليه واجتماعهم كاجتماع يوم المحشر وإتاحة الفرصة لهم حتّى يتبادلوا أفكارهم ومشاكلهم الفردية والاجتماعية العالمية والتشاور فيما بينهم للتفتش لحل هذه المشاكل .
ومن مقاصد الحج أن يتعارف المسلمون ويتواصوا بالحق ويتناصحوا ، فهم يأتون من كل فج عميق من غرب الأرض وشرقها وجنوبها وشمالها أي من أقطار الأرض كلّها ، فيجتمعون في رحاب بيت الله العتيق وفي عرفات في مزدلفة وفي منى وفي رحاب مكة يتعارفون ويتناصحون ويرشد بعضهم بعضاً ويسعون لمصالح عاجلة وآجلة ، فيسعون في رحاب بيت الله ومسجد رسول الله لما فيه من الهداية والبلاغ والصلاح والفلاح والرشاد ، الحج ـ لا شك ـ موسم يشهده المسلمون من آفاق الأرض ونواحي العالم الإسلامي ليشهدوا منافع لهم . . يستطيعون فيه أن يتبادلوا الرأي السديد والفكر الحصيف ويتعرّف بعضهم ببعض يجتمعون على كلمة واحدة اجحة راشدة .

تعاليم الحج
في الحج فوائد عظمى وآثار كبرى تعود بالخير العميم والنفع الجليل للفرد والجماعة ، فمنها :
الأوّل : الحج برهان عملي من المؤمن على أنه يفضل حبّ الله تعالى على أهله وماله وعمله ودياره ، فيتحمل مشاق السفر ومخاطر الطريق ، تلبية لدعوة الله تعالى وابتغاء لرضوانه .
الثاني : في الحج تعويد للحاج على الصبر ; تحمل الشدائد ، مفارقة الأهل والأولاد والأوطان وتمرين عملي على حياة الخشونة وشظف العيش لكي يكون المسلم مدرباً على خوض المعارك واقتحام الخطوب .
الثالث : فيه تقوية للايمان وتهذيب للنفس وتكفير للذنوب; لأن المؤمن يتفرّغ فيه للعبادة والتفكّر وذكر الله تعالى ، لا تشغله هموم الحياة ولا تفتنه بهارجها الزائلة .
الرابع : وفي الحج المساواة التامة ، والاخوّة الإنسانية تتحقّق بأجلى صورها ، فلا فرق بين أبيض وأسود ولا فرق بين فقير وغني ولا بين عربي وأعجمي . . . فتكون هذه المشاهد سبيلا لغرس هذه المبادئ الإنسانية في نفس المسلم بشكل عملي .
الخامس : يكتسب المسلم في الحج ثقافة واسعة وخبرة عملية حيث يختلط بالناس بمختلف ديارهم وأوطانهم ، فيتعرّف أخبارهم ومشاعرهم .
السادس : يرى المؤمن البقاع الطاهرة التي شهدت مولد الإسلام واعتزت بمواقف الرسول الكريم وصحبه المجاهدين الأبطال الذين ضحوابكلّ غال ورخيص، فتثور في نفسه كوامن العزّة والكرامة ودوافع الجهاد لإعادة عزّنا ومجدنا .
السابع : الحج وسيلة قوية لتعارف المسلمين وتعاونهم وائتلاف قلوبهم وجمع كلمتهم ، فبالحج تحطم محاولات الأعداء في تمزيق الشمل وتفريق الصفوف وإقامة الحدود المصطنعة ، ويشعر المسلمون في الحج : أنّ لهم قوّة كبيرة تحقّق لهم أهدافهم لو نظمت ووحّدت ووجّهت التوجيه الصحيح .
الثامن : الحج تجمّع إسلامي عام دوري يستطيع فيه قادة الرأي من المسلمين في السياسة والاجتماع والثقافة والاقتصاد أن ينتهزوا فرصة اجتماعهم لعرض مشكلاتهم في إطار الدين ومناقشتهم في جوّ من الحب والاخاء واتخاذ الحلول والسبل الحازمة لها .
التاسع : في الحج تكتّل واتحاد للكلمة في التوجّه إلى جهة واحدة ونحو هدف واحد وجمع لأشتات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها28 .

الختام
لقد قدّر الله لهذه الاُمّة الخالدة أن تعيش في بيئات مختلفة وفي أقاليم عديدة وتجتاز أدواراً كثيرة جدّاً ، مختلفة جدّاً ، من حرارة وقوّة وجمود وخمود وعنف وقسوة ومصارعة ومقاومة واغراءات مادية وسياسية ، وتقدّم في الحضارة والمدنية وتوسع في المال وضيق وضنك وبذخ وترف وعسر ويسر وشدّة ورخاء وتسلّط عدو قاهر وملك جائر ، وكانت الاُمّة في حاجة دائمة إلى إشعال جذوة الايمان وإثارة عاطفة الحبّ والحنان وإعادة الوفاء الولاء في سائر الأجزاء والأعضاء ، فجعل الحج ربيعاً تورق فيه أغصان هذه الشجرة الخالدة كل عام ، تؤتي أكُلها كل حين بإذن ربّها ، وتكتسي فيه هذه الشجرة العالمية لباساً جديداً قشيباً غضّاً طريّاً . قال الشيخ لي الله الدهلوي : كما أنّ الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل ليتميّز الناصح من الغاش والمنقاد من المتمرّد ، ليرتفع الصيت وتعلو الكلمة ويتعارف أهلها فيما بينهم ، فكذلك الملة تحتاج إلى حج ، ليتميّز الموفق من لمنافق وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجاً وليرى بعضهم بعضاً فيستفيد كلّ واحد ما ليس عنده 35 .
يأتي موسم الحج كلّ عام ولكنّ المسلمين يعيشون حياة لا طموح فيها ولا ثقة ، تحيط بهم ظروف قاسية وتهدّدهم بالذوبان حيناً في تيّار الأحداث والأوضاع المفروضة عليهم والانسياق حيناً آخر مع المصالح السياسية والاجتماعية دون أن يكون لهم رصيد من الذاتية والاستقلال النفسي والفكري في مجالات الحياة المهمة ، ذلك بالإضافة إلى ما يكتنفهم من الغموض فيما تصير إليه الحياة الاجتماعية وتتجه إليه المجريات ن الاُمور ، لقد أنهكتهم المآسي التي تولتها الأيدي الأثيمة لقوى الظلم والبغي والطغيان وقضت على الأمن والهدوء النفسي وعكّرت جوّ الحبّ والثقة والاخوّة ، ذلكم الواقع المشرق الذي عاشته الاُمّة الإسلامية في لعالم الإسلامي على امتداد تاريخها الطويل ، منذ أن أضفى عليهم الإسلام لباس الحب والاخوة الايمانية ولون الطهر والعفاف ، فقال تعالى : { وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ نِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَة مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها}36 .
يتوجّه الحاج المسلم إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج ولكنه بمجرّد حضوره إلى بلد الله الأمين وطوافه ببيت الله العتيق وسعيه بين الصفا والمروة سيجد في نفسه راحة وطمأنينة وينصرف عن جميع الأحاسيس والمخاطر التي كانت تزعجه وتعكر عليه صفو العبادة ولذّة العيش في رحاب البيت ، ومع قرب أيام التشريق والذهاب إلى منى وعرفات والمزدلفة مشاعر الله في الأرض ، يتناسى هموم الدنيا وأحزان الحياة ومتاعب لأحداث والمآسي التي مرّت عليه كأمواج البحر الطامة وظلمات الليالي المدلهمة وتعود إليه الطمأنينة بجميع مظاهرها ومعانيها وتغطي كيانه من كلّ جهة . إنّ الحج كلّه ذكر وعبادة وهو حبّ وتضحية وجهاد ، يقول لدكتور زهير الأعرجي : «التعابير الإنسانية كالبكاء والشعور بالذنب والتوبة الخالصة لله سبحانه ، والإشارات المنظمة كانتظام الطواف وأفعال الصلاة ورمي الجمرات وتقليد الهدي ونحوها ، كلّها تمثِّل رموزاً نتفاعل بها ع ديننا الحنيف وخالقنا العظيم إلاّ أنّ هذه الرموز الموحّدة لا تساعدنا على التفاعل الروحي مع خالق الوجود فحسب ، بل تساعدنا على التفاعل الاجتماعي أيضاً; لأننا نشعر عن طريق ممارسة هذه المناسك الأعمال التعبدية أنّ للآخرين أنفساً تشابه أنفسنا في الدعاء والابتهال والتذلّل لخالقنا العظيم»37 .
إنّ الحجيج يتزوّد بزاد التقوى ويودع أهله وإخوانه وأقاربه بشعور رقيق من الخشية والتواضع وعواطف الشكر لله تعالى كما يودّع الملابسات الدنيوية والعلائق النفسية والوشائج المادية ، ويتطهّر من الذنوب والآلام ومن الهموم والأحزان ، ويتحوّل إلى خلق جديد بعيد عن الأهواء ومزالق النفس والشيطان والطاغوت ، ويتمثّل في صورة عبد خاشع لله ولا يلتجئ إلاّ إليه فيناجيه في اُمور تهمّه في دينه ودنياه ، وتساعده على بناء ما هدّم من القيم والأخلاق والمعنويات وإصلاح الفساد الذي عمّ بين الأفراد والمجتمعات ، واستبدال الظلم والخوف بالعدل والأمن والثقة برفض الصهيونية والرأسمالية والاشتراكية والقوى الطاغية والشياطين الكبرى إعلان : { قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ}38 .
أخيراً نسأل الله التوفيق على اداء فريضة الحج كما أدّى سيد الشهداء الحسين ابن علي (عليهما السلام) بشعور إسلامي عميق ، وذلك أنه أراد الرحيل إلى كربلاء قبيل موسم الحج ، فقال كثير من معه : قد قرب الموسم ، إن أردت فتؤدي فريضة الحج ثم ترتحل ، فأجاب : الحج الذي يؤدى برئاسة يزيد فليس بحج إبراهيمي .

الحج مظهر الجامعة الإنسانية الإسلامية
الحج انتصار للقومية الإسلامية على القوميات الوطنية والعنصرية واللسانية التي قد يصبح بعض الشعوب الإسلامية فريستها تحت ضغط عوامل كثيرة ، وهو إظهار لشعار هذه القومية ، فتتجرّد جميع الشعوب الإسلامية عن جميع ملابسها وأزيائها الاقليمية التي تميّز بعضها عن بعض ويتعصّب لها أقوام ، وتظهر كلّها في مظهر واحد يسمّى «الاحرام» ، حاسرة رؤوسها ما بين رئيس ومرؤوس وصغير وكبير وغني وفقير وتهتف لّها في لغة واحدة ونغمة واحدة : «لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك» .
هكذا تتجلّى القومية الإسلامية في اللباس والهتاف ، وهما من أوضح ما تجلّت فيه قومية ، وفي وحدة المناسك والغايات التي يقوم بها جميع الأفراد والشعوب ويسعى إليها العرب والعجم ويلتقي عليها القاصي والداني ، فكلّهم يطوفون حول بيت واحد ، ويسعون بين غايتين مشتركتين «الصفا والمروة» وكلهم يقصدون «منى» وكلّهم يؤمون «عرفات» ويقفون في موقف واحد وكلّهم يبيتون في مبيت واحد ، { فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ رَفات فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ }29 ، ويفيضون إفاضة واحدة ، { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }30 ، وكلّهم يقفون أياماً ي منى تجمع بينهم اشغال واحدة من نحر وحلق ورمي .
الحج فريضة باقية إلى يوم القيامة ومؤسسة خالدة خلود هذه الاُمّة ، فالمسلمون لا تبتلعهم القوميات كما ابتلعت اُمماً كثيرة ولا يصبحون ضحيتها ولا تكون بلادهم التي يحبّونها . . . قبلة يتوجّهون إليها وكعبة يحجّون إليها ، إنما هي قبلة واحدة يتوجّه إليها الشرقي والغربي والعجمي والعربي ، إنما هي كعبة واحدة يحج إليها الهندي والايراني والأفغاني والتركي والمسلم الأوربي والأمريكي { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ تَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى} 31 ، ويحنّ إليها المسلم في أقصى الأرض وينذر لهذه الرحلة النذور ويسعى إليها على الرأس والعين ، ويعتبر ذلك غاية الأوطار وأقصى الأماني وأعظم السعادات32 .

الحج مظهر الجامعة الإنسانية الإسلامية
الحج انتصار للقومية الإسلامية على القوميات الوطنية والعنصرية واللسانية التي قد يصبح بعض الشعوب الإسلامية فريستها تحت ضغط عوامل كثيرة ، وهو إظهار لشعار هذه القومية ، فتتجرّد جميع الشعوب الإسلامية عن جميع ملابسها وأزيائها الاقليمية التي تميّز بعضها عن بعض ويتعصّب لها أقوام ، وتظهر كلّها في مظهر واحد يسمّى «الاحرام» ، حاسرة رؤوسها ما بين رئيس ومرؤوس وصغير وكبير وغني وفقير وتهتف لّها في لغة واحدة ونغمة واحدة : «لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك» .
هكذا تتجلّى القومية الإسلامية في اللباس والهتاف ، وهما من أوضح ما تجلّت فيه قومية ، وفي وحدة المناسك والغايات التي يقوم بها جميع الأفراد والشعوب ويسعى إليها العرب والعجم ويلتقي عليها القاصي والداني ، فكلّهم يطوفون حول بيت واحد ، ويسعون بين غايتين مشتركتين «الصفا والمروة» وكلهم يقصدون «منى» وكلّهم يؤمون «عرفات» ويقفون في موقف واحد وكلّهم يبيتون في مبيت واحد ، { فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ رَفات فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ }29 ، ويفيضون إفاضة واحدة ، { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }30 ، وكلّهم يقفون أياماً ي منى تجمع بينهم اشغال واحدة من نحر وحلق ورمي .
الحج فريضة باقية إلى يوم القيامة ومؤسسة خالدة خلود هذه الاُمّة ، فالمسلمون لا تبتلعهم القوميات كما ابتلعت اُمماً كثيرة ولا يصبحون ضحيتها ولا تكون بلادهم التي يحبّونها . . . قبلة يتوجّهون إليها وكعبة يحجّون إليها ، إنما هي قبلة واحدة يتوجّه إليها الشرقي والغربي والعجمي والعربي ، إنما هي كعبة واحدة يحج إليها الهندي والايراني والأفغاني والتركي والمسلم الأوربي والأمريكي { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى} 31 ، ويحنّ إليها المسلم في أقصى الأرض وينذر لهذه الرحلة النذور ويسعى إليها على الرأس والعين ، ويعتبر ذلك غاية الأوطار وأقصى الأماني وأعظم السعادات32 .

الجوانب الإعلامية في الحج
إنّ ما يقوم به الحجيج من أعمال التعارف والذكر والاجتماع على كلمة واحدة ، وهتاف واحد في صعيد واحد ، وما يتجلّى في أداء مناسك الحج من مظاهر الوحدة والثقة ودعم عقيدة التوحيد ، ورفع التلبية وتكرارها ، يحمل كلّ ذلك من الفوائد الإعلامية الواقعية ما لا تتحمّله أجهزة الإعلام في عصر التقدّم العلمي والرقي الحضاري ، فمن المعلوم أنّ الاعلام لا يهدف إلاّ تركيز الفكرة أو الصورة ، وترسيخ المفاهيم والمشاهد بوسائله لمتعدّدة ، ثم التأثير بذلك كلّه في عقول الناس ومرئياتهم ، وقد قيل : إنّ الإعلام سلاح ذو حدّين ، يبني ويهدم وينفع ويضرّ ، كذلك أعمال الحج تحقّق هذه الغاية الإعلامية من تركيز العقائد وفضائل الأخلاق وتحريك لهمم وإيقاظ الروح وإشعال جمرة الايمان وإذكاء نار العداوة والبغضاء ضد الشياطين والوثنيات والكفر والعادات الخبيثة والأعمال القبيحة والمعاصي المدمّرة ، وهي تبني معالم الهدى والسعادة والعلم والايمان وتخطّط لمستقبل الإنساني النيّر ، وتوفّر لأهلها فرصاً سانحة للوحدة والتضامن والتعاون على البرّ والتقوى ، وتهدم مسالك الغي والضلال ، ومناهج الظلم والطغيان وتحطّم أغلال الشرك والعبودية والخنوع لغير الله .
إذا كان الاعلام يرسم الخطوط ويضع القواعد ويفصل المناهج لتركيز الفكرة وتصويرالآلام والأحلام والآمال والأهواء، وتمثيل مناظراللهو والمجون والفواحش والنكبات والصور الإنسانية من جميع الأنواع ، فإنّ اعمال الحج ومناسكه تمثّل المشاهد الإنسانية والمناظر الجذّابة من الرباط الوثيق بين العبد وربّه وبيته ومشاعرهوالعلاقة المخلصة الجادة بصاحب الشريعة وحامل الوحيورسالة الإسلام محمّد(صلى الله عليه وسلم) الذي بعث حمة للعالمين ، إنها تصور ذلك الواقع الإنساني الذي رفع البشر إلى أعلى قمّة من السعادة والهداية والطمأنينة والهدوء ، كذلك فإنّ في الحج كلّ نوع من الاعلام والإبلاغ والتوجيه والدعوة والتمثيل والتصوير، فيه كلّ وع من دروس الحبّ والهيام والتفاني في سبيل الهدف السامي ، وفيه تزكية العواطف وتنزيه المشاعر وتنمية روح الفضائل بإزاء العداوة للشيطان والكراهية للرذائل والفرار من خداع النفس ، وأخذ الحذر من كلّ ما غري العبد المؤمن في طريقه إلى الله ، ومن كلّ ما يخدعه من المظاهر الكاذبة المزخرفة والاستفادة من الجوانب الإعلامية المتوافرة في هذا الركن العظيم ، في النواحي الإيجابية والسلبية كلتيهما . . .
ثم إنّ جماعات الحجيج التي تمثّل جميع عواصم العالم وطبقات الاُمّة ومجتمعات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، تحمل الأنباء والأخبار عمّا يجري حول العالم من الظروف والأوضاع المتنوّعة ، وتتولّى مهمة كشف الحقائق عن كثير من شؤون السياسة والاجتماع العالمية والنوايا والتحديات التي توجّه إلى العالم الإسلامي والمسلمين لتصفية الوجود الإسلامي حيناً ، وإضعاف معنويتهم وثقتهم بخلود الإسلام وعالمية

رسالته حيناً آخر33 .
كذلك تتضاعف البرامج بأنواعها وألوانها بنقل المشاهد والحقائق بأجهزة الاعلام المختلفة إلى جميع أنحاء العالم ممّا يفيد المجتمعات الإنسانية في العالم كلّه ، ويزوّدها بصورة حيّة وبأشكال متحرّكة لمناسك الحج وأعماله في أجواء الربوع المقدّسة حيث يعيش ملايين الحجاج في وحدة ووئام ليس له نظير في أي أمّة ولا تاريخ ، ولا سيما الخطبة التي تلقى في يوم عرفة لأحكام المناسك ودروس الحج ، كما يذكر فيها مشاكل لاُمة الإسلامية وطرق حلّها ، ويذكر فيها تعاليم الإسلام ومفاهيمه التي تكون صالحة لبناء الحياة الإسلامية . . . لقد علم النبيّ (صلى الله عليه وسلم) اُمّته مناسك الحج وفسّر لها معالمه ومراميه ومفاهيمه بحيث م يترك صغيرة ولا كبيرة ، دقيقة ولا جليلة إلا أحصاها ، فقد سجل التاريخ خطبته التي ألقاها بعرفات مخاطباً العدد الهائل من أصحابه الكرام وكان يبلغ هذا العدد أكثر من مائة ألف ، إنما كانت خطبته هذه ميثاقاً لحياة الإسلامية والاجتماعية ، ولكل ما جاء في هذه الخطبة من حرمة الحياة الإنسانية والأموال والأعراض وحقوق النساء والأولاد وشؤون سياسية واجتماعية واقتصادية وحضارية34 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : 96 ـ 97 .
(2) ابن منظور ، لسان العرب 2 : 226 .
(3) الموسوعة الفقهية 17 : 23 .
(4) التوبة : 3 .
(5) التوبة : 28 .
(6) آل عمران : 97 .
(7) البقرة : 196 .
(8) الحج : 27 .
(9) الخطيب التبريزي ، مشكاة المصابيح : 12 .
(10) المصدر نفسه : 11 .
(11) أبو الحسن علي الندوي : فقه العبادات : 465 .
(12) الحافظ أبو الفدا إسماعيل بن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، مصر 1 : 386 .
(13) المصدر نفسه : 386 .
(14) الخطيب التبريزي ، مشكاة المصابيح : 14 .
(15) المصدر نفسه : 221 .
(16) سنن النسائي 2 : 2 .
(17) صحيح البخاري 1 : 206 .
(18) المصدر نفسه : 206 .
(19) الصحيح لمسلم 1 : 436 .
(20) الحج : 26 ـ 29 .
(21) البقرة: 125 .
(22) أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين 1 : 24 .
(23) الشيخ ولي الله الدهلوي ، حجّة الله البالغة 1 : 75 .
(24) الأنفال : 60 .
(25) البقرة : 125 .
(26) أبو الحسن علي الندوي ، الأركان الأربعة : 249 .
(27) ولي الله الدهلوي ، حجة الله البالغة 2 : 56 .
(28) محمد صادق حسين ، الحج عبادة وفلسفة ، البعث الإسلامي ، 1417هـ ، العدد 4 : 60 ـ 61 .
(29) البقرة : 198 .
(30) البقرة : 199 .
(31) البقرة : 125 .
(32) أبو الحسن علي الندوي ، الحج عرضة شرعية سنوية ، البعث الإسلامي ، 1412هـ ، العدد 4 : 19 ـ 20 .
(33) بتغيير يسير من مقال «جوانب إعلامية مشرقة في الحج» لسعيد الأعظمي ، البعث الإسلامي ، 1413هـ ، العدد 4 : 3 ـ 8 .
(34) السيرة النبوية لابن هاشم 2 : 603 ـ 605 ، قد ذكرت فيه هذه الخطبة ، أيضاً ذكرت في كتاب البيان والتبيين للجاحظ 2 : 15 ـ 17 .
(35) الشيخ ولي الله الدهلوي ، حجة الله البالغة 1 : 59 ـ 60 .
(36) آل عمران : 103 .
(37) الدكتور زهير الأعرجي ، الأبعاد الاجتماعية لفريضة الحج : 112 .
(38) الممتحنة : 4 .

المصدر: موقع التبيان، www.tebyan.net


more post like this