* إعداد: د. عبدالرحمن إبراهيم الكيلاني

القواعد المقاصدية، وإن كانت تتفق جميعها من حيث الموضوع العام الذي ينتظمها جميعها، والمتمثل في الغاية التشريعية التي توجهت إرادة الشارع لإقامتها عن طريق أحكامه، والمعاني العامة التي استهدفها الشارع من تشريعه، أقول: هذه القواعد وإن كانت متفقة من حيث الموضوع العام، فهي مختلفة من حيث الموضوع المباشر الذي تتضمنه كل من تلك القواعد.

ومن خلال دراستي لتلك القواعد، استطعت ـ بعد النظر والتأمل ـ أن أحدد المواضيع التالية، كمواضيع مباشرة تعبر عنها القواعد المقاصدية:

أولاً ـ قواعد تتعلق بموضوع المصلحة والمفسدة:

من حيث إن هذه القواعد تتحد في تناولها لموضوع المصلحة والمفسدة، إلا أنها تختلف في كيفية تناولها لهذا الموضوع، فبعضها يبين الأساس العام الذي قامت عليه الشريعة كلها في جزئياتها وكلياتها، المتمثل في جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن هذه القواعد على سبيل المثال لا الحصر.

ـ (وضع الشرائع إنما هي لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً).

ـ (الأمر في المصالح مطرد مطلقاً في كليات الشريعة وجزئياتها).

ـ (التكليف كله إما لدرء المفاسد أو لجلب المصالح أو كلاهما معاً).

ـ (الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح، والأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد).

ـ (المفهوم من وضع الشارع،ن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة عناه).

فهذه القواعد وغيرها، تبين الأساس الذي قامت عليه أحكام الشريعة.

وقواعد أخرى تحدد ضوابط المصلحة، حتى تكون مصلحة معتبرة، منها:

ـ (المراد بالمصلحة ما يعتد بها الشارع، ويرتب عليها مقتضياتها).

ـ (وضع الشريعة وإن كان لمصالح العباد، فإنما حسب أمر الشارع وعلى الحد الذي حدّه، لا على وفق أهوائهم وشهواتهم).

وقواعد أخرى تبين أقسام المصلحة، إذ إن المصالح ليست على درجة واحدة من حيث تأكد طلبها، وتحتم وجدها، ولذا تظهر هذه القواعد درجات المصالح. وأن منها ما هو ضروري، وآخر حاجي، وثالث تحسيني، وتضع حداً لكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث، ومن هذه القواعد:

ـ (الضروريات: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة).

ـ (الحاجيات: هي المفتقر إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح).

ـ (التحسينيات: هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول والراجحات).

فهذه القواعد تحدد حقيقة هذه المراتب الثلاث.

وهناك قواعد أخرى تظهر صلة هذه المراتب ببعضها مثل:

ـ (المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجيات والتحسينات).

ـ (كل حاجي وتحسيني إنما هو خادم للأصل الضروري ومؤنس به، ومحسّن لصورته الخاص).

ـ (إن مجموعة الحاجيات والتحسينات، ينتهض أن يكون كل واحد منهما كفرد من أفراد الضروريات).

إلى غيرها من القواعد الأخرى، التي تظهر صلة كل واحدة من المراتب الثلاث بغيرها من المراتب الأخرى.

وهناك قواعد تظهر دور المجتهد في الالتفات إلى المعنى المصلحي الذي سيق الحكم من أجله، وإلى وظيفته في تفهم معاني الأحكام وحكمها، مثل:

ـ (لابد من الالتفات إلى معاني الأمر لا إلى مجرده).

ـ (العمل بالظواهر على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضاً).

فهذه القواعد تتعلق بدور المجتهد في إدراك معاني الأحكام وغاياتها المصلحية. فجميع هذه القواعد تتناول موضوع المصلحة، وإن اختلفت كيفية تناولها لهذا الموضوع.

ثانياً ـ قواعد تتناول موضوع رفع الحرج:

وهناك قواعد مقاصدية تدور في فلك موضوع رفع الحرج، وما ينبثق عنه من قضايا وتفريعات والكشف عن معايير المشقة التي تستوجب التسهيل والتخفيف والتيسير، والرابط بين مبدأ رفع الحرج وبين قصود المكلفين. نجد هذه المعالم واضحة حين ننعم النظر في القواعد التالية:

ـ (الشارع لم يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه).

ـ (الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال).

فهذه القواعد، وغيرها كثير، تبين أن قصد الشارع لا يتوجه إلى خطاب المكلفين بما لا قدرة لهم عليه، أو ما لا يملكون القيام به إلا بمشقة بالغة غير معتادة.

ثم يبين الإمام (الشاطبي) من خلال القواعد أيضاً، ضوابط المشقة وحدودها التي تستوجب التيسير، ومن ذلك مثلاً: (إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد، بحيث يحصل للمكلف بها فساد ديني أو دنيوي، فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة).

فالإمام (الشاطبي) في هذه القاعدة، يبين المشقة التي تعتبر شرعاً، وهي التي فيها خروج عن المعتاد من الأعمال، بحيث يشوش على النفوس تصرفها، ويقلقها بما فيه من تلك المشقة.

على ذلك فإن المشاق المعتادة التي تكون ملازمة للعمل، بحيث لا تنفك عنه وأضحت بمثابة الجزء المصاحب له، لا تعتبر مشقة تستلزم التخفيف والتيسير.

ويؤكد الإمام (الشاطبي) هذا المعنى ويوثقه، حيث يأتي بقاعدة من هذا القبيل ينص فيها على أن: (مشقة مخالفة الهوى ليست من المشاق المعتبرة، ولا رخصة فيها البتة).

وعدم اعتبار مشقة مخالفة الهوى، راجع إلى أنه لا يقوم التكليف أصلاً إلا بمخالفة أهواء النفوس، فإذا اعتبرت هذه الأهواء في التخفيف، كان ذلك داعياً إلى إسقاط التكليف كله.

ومن القواعد التي تتصل بموضوع رفع الحرج وتتفرع عنه القواعد التي تربط بين قصود المكلفين وبين مبدأ رفع الحرج مثل: (القصد إلى المشقة باطل، لأنه مخالف لقصد الشارع، ولأن الله لم يجعل تعذيب النفوس سبباً للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده). ومثل: (ليس للمكلف أن يقصد المشقة لعظم أجره، لكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره، لعظم مشقته من حيث هو عمل).

فظاهر من هاتين القاعدتين أنهما تهدفان إلى توجيه قصود المكلفين، بحيث تكون منسجمة مع غايات التشريع ومبادئه وأهدافه، وأن لا يكون أي اختلال بين قصد الشارع من جهة، وقصد المكلف من جهة أخرى.

ثالثاً ـ قواعد تتعلق بمآلات الأفعال ومقاصد المكلفين:

كذلك فإنني وجدت بعد التتبع والدراسة، أن بعض القواعد ينتظمها موضوع مقاصد المكلفين ومآلات تصرفاتهم، والقواعد في هذا الموضوع كثيرة:

منها قواعد تتعلق بوجوب النظر إلى المآل وضرورة اعتباره نظراً لمراعاة الشارع له، من ذلك: (النظر في المآل معتبر مقصود شرعاً)، (ينبغي على المجتهدين ن ينظروا إلى مسببات الأحكام وأسبابها لما يترتب على ذلك من الأحكام الشرعية).

وقواعد أخرى تتعلق بتوجيه مقاصد المكلفين، بحيث تكون متوافقة مع قصد الشارع، مثل:

ـ (قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع، وألاّ يقصد خلاف ما قصد).

ـ (المقاصد معتبرة في التصرفات).

ـ (إذا كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب، والتكملة له، والتحريض على المبالغة في إكماله فيجب الالتفات إليه).

وتندرج تحت هذه القواعد أيضاً القواعد التي تظهر أثر مناقضة المكلفين في تصرفاتهم لقصد الشارع، سواء أكان منشأ تلك المناقضة قصد المكلف، بحيث توجهت إرادة المكلف إلى نقيض ما قصد الشارع، أم كان منشؤها ـ أي المناقضة ـ مآل التصرف، من غير سبق قصد لتلك المناقضة.

ومن هذه القواعد أيضاً:

ـ (كل مَن ابتغى في التكاليف الشرعية غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة).

ـ (إن كان فعل الشرط أو تركه قصداً لإسقاط حكم الاقتضاء في السبب ألا يترتب عليه أثره، فهذا عمل غير صحيح، وسعي باطل).

ـ (مَن سلك إلى مصلحة غير طريقها المشروع فهو ساع في ضد تلك المصلحة).

ـ (كل فعل مشروع يصبح غير مشروع إذا أدى إلى مآل ممنوع، قصد المكلف ذلك المآل أم لم يقصد).

هذه هي الموضوعات الأساسية التي تتناولها القواعد المقاصدية بالبيان والتفصيل، وفق ما ظهر لي بعد البحث والنظر.

على أنه ينبغي الاشارة، إلى أن هذه المواضيع وإن كان كل منها قائماً بذاته له قواعده ومباحثه المستقلة، فإن أياً من هذه الموضوعات ليس مبتوراً عن غيره من الموضوعات الأخرى، والتي سيقت القواعد المقاصدية لتفصيلها وتأصيلها. فموضوع المصلحة والمفسدة من الشمول والسعة بحيث يمكن أن يندرج تحته موضوعا مآلات الأفعال، ورفع الحرج؛ إذ إن رفع الحرج ما كان إلا تحقيقاً لمصالح العباد، ودفعاً للمفسدة عنهم.

وكذلك فإن موضوع مآلات الأفعال، وما يندرج تحته من قواعد تتعلق بمقاصد المكلفين، وثيق الصلة بموضوع المصلحة والمفسدة؛ ذلك أن القواعد التي توجب النظر إلى المآل إنما توجب مراعاة المصالح التي قصد الشارع إقامتها من الحكم. فإذا وجد المجتهد أن الحكم الأصلي ما عاد يحقق في مآله مصلحته المقصودة، نظراً لما احتف به من قرائن ووقائع، وجب أن يراعي ذاك المآل حفاظاً على المصلحة المقصودة من الحكم.

كذلك فإن توجيه مقاصد المكلفين لتكون متوافقة مع قصد الشارع هو موضوع وثيق الصلة بموضوع المصلحة؛ إذ إن هذا التوجيه لمقاصد المكلفين، ما كان إلا حفاظاً على مصلحة الحكم من أن تنقض أو تهدر، وهذه الصلة عبّرت عنها القواعد المقاصدية نفسها، مثل: (مخالفة قصد الشارع هدم لأساس المشروعات القائمة على إقامة المصالح ودرء المفاسد).

وكما يرتبط كل من موضوعي رفع الحرج ومآلات الأفعال بموضوع المصلحة، فإن كلاً من موضوع رفع الحرج ومآلات الأفعال يتصل بالآخر أيضاً. ولقد عكست القواعد المقاصدية هذه الصلة، من ذلك مثلاً: القاعدة التي ساقها (الشاطبي) في معرض بيانه للمشقة المعتبرة التي تستوجب التيسير حيث قال: (إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد، بحيث يحصل بها للمكلف فساد ديني أو دنيوي، فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة).

حيث حَكم (الشاطبي) على المشقة بأنها مشقة من خلال مآلها ونتيجتها؛ وهو ما يلحق بسببها من فساد ديني أو دنيوي.

ومن هذه القواعد أيضاً: (ليس للمكلف أن يقصد المشقة نظراً إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته، من حيث هو عمل).

فهذه القاعدة، وإن كانت من قواعد موضوع رفع الحرج، إلا أنها متصلة بالقواعد التي سيقت لتوجيه قصود المكلفين؛ لتكون منسجمة مع قصد الشارع، متوافقة مع إرادته.

وهكذا يجد الباحث أن الاتصال الوثيق بين هذه الموضوعات الثلاثة، يحتم التلاقي بين قواعد هاتيك الموضوعات، ويؤكد الصلة بينها.

*المصدر : قواعد المقاصد عند الامام الشاطبي

http://www.alhassanain.com


more post like this