والمراد بها معاني القرآن القابلة للتفسير، أو الرافضة له، أو المتوافقة عنده، وليس المراد بها أنواعه أو مناهجه، بل هي تبيين لمواطن الآيات التي تفسر، والآيات التي لا يعلمها الا الله، فهي أقرب الى الوجوه منها الى الأقسام.
أحدها: ما أختص به الله تعالى بالعلم، فلا يجوز لأحد تكليف القول فيه، ولا تعاطي معرفته… مثل قوله تعالى: {إنَّ اللهَ عندهُ علمُ الساعةِ}.
وثانيها: ما كان مطابقاً لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه، مثل قوله تعالى: {ولاتقتلواْ النفسَ التي حرَّمَ الله إلا بالحَقّ}.
وثالثها: ما هو مجمل لا ينبيء ظاهره عن المراد به مفصلاً، مثل قوله تعالى: {وأقيمواْ الصلوة وءَاتوا الزكوةَ}.
ومثل قوله تعالى: {وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَنِ استطاعَ إليهِ سبيلاً}.
وقوله تعالى: {وءَاتواْ حقهُ يومَ حصادِهِ}.
وقوله تعالى: {في أموالهمْ حقٌ معلومٌ}.
فإن تفصيل أعداد الصلاة، وعد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروحه، ومقادير النصاب في الزكاة، لايمكن استخراجه إلا ببيان النبي (ص) ووحي من جهة الله تعالى، فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن أن تكون الأخبار متناولة له.
ورابعها: ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما ويمكن أن يكون كل واحد منهما مراداً، فإنه لاينبغي أن يقدم أحد فيقول ان مراد الله فيه بعض ما يحتمل الا بقول معصوم، ومتى كان اللفظ مشتركاً بين شيئين أو ما زاد عليهما، ودل الدليل أنه لايجوز أن يريد الا وجهاً واحداً، أجاز أن يقال أنه هو المراد.
وفيما قسم القدامى نلمس وجوه التفسير المحتملة والمتيقنة التي تواضعوا عليها وعلى تسميتها، بينما نجد المحدثين يميلون الى تقسيم آخر، يدور حول مرونة التفسير حيناً، وآداب المفسر حيناً آخر. فالدكتور بكري شيخ أمين يقسم التفسير الى نوعين:
الأول: تفسير جاف لا يتجاوز حد الألفاظ، وإعراب وبيان ما يحتويه نظم القرآن من نكات بلاغية، وإشارات فنية، وهذا التفسير أقرب الى التطبيقات العربية منه الى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.
الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود، ويجعل هدفه الاعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليمه، وحكم اللّه فيما شرع للناس في القرآن على وجه يجتذب الأرواح، ويفتح القلوب، ويدفع النفوس الى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير.
وهناك تقسيم آخر للآيات القابلة للتفسير، أو الرافضة له، أو المتوقفة عنده، وهذا التقسيم يدور حول أقسام القرآن، فقد ذكر الشيخ الطوسي (ت: 460 هجري) أن جميع أقسام القرآن لايخلو من ستة: محكم، ومتشابه، وناسخ، ومنسوخ، وخاص، وعام.
فالمحكم ما أنبأ لفظه عن معناه من غير إعتبار أمر ينضم إليه سواء كان اللفظ لغوياً أو عرفياً، ولا يحتاج الى ضروب من التأويل، كقوله تعالى: {ولا يُكلفُ اللهُ نفساً إلاّ وسعَهَا} وقوله تعالى: {قلْ هوَ اللّهُ أحدٌ}.
والمتشابه ما كان المراد به لا يعرف بظاهره بل يحتاج الى دليل، فهو يحتمل أكثر من أمر ومعنى، وإنما سمي متشابهاً لا شتباه المراد منه بما ليس بمراد كقوله تعالى: {يحسرتَى على مَا فرِّطتُ في جنبِ اللّهِ}.
وقوله تعالى: {وَالسَّموتُ مطويّتُ بيَمينهِ} وأمثال ذلك مما لا يحمل على ظاهره.
والناسخ هو الحكم الثابت بالنص الشرعي يزوال أمر الحكم المنسوخ.
والمنسوخ هو الحكم المرفوع بعد نزوله، ويمثل لهما معاً بآيتي النجوى، فقد نزل حكم الصدقة عند مناجاة النبي (ص) وعمل بذلك الامام علي (ع) كما هو ثابت في التواتر، ورفع هذا الحكم، فالاية الأولى منسوخة بالآية الثانية قال تعالى: {يأيّها الذينَ ءامنوا إذا نجيتُمُ الرسولَ فَقَدمواْ بينَ يديْ نجواكمْ صَدَقةً ذلك خيرٌ لكمْ وأطهرُ فإن لم تجدواْ فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ}.
فقد ذهب أكثر العلماء الى نسخها بقوله تعالى: {ءأشفقتمْ أن تقدمواْ بينَ يديْ نجواكمْ صدقتٍ فإذ لمْ تفعلواْ وتابَ اللّهُ عليكمْ فأقيمواْ الصلوةَ وءاتوا الزكوةَ وأطيعواْ اللهَ ورسولهُ واللهُ خبيرٌ بما تعملونَ}.
وأما العام، فهو كل لفظ يستغرق أفراده من غير حصر وأدواته كثيرة، وأبرزها (كل) كما في قوله تعالى: {كلُّ من عليها فانِ}.
ومن ألفاظ العموم: الذي، التي، وتثنيتهما وجمعهما، وأي، ما، من، شرطاً وأستفهاماً موصولاً، والجمع المضاف، واسم الجنس المضاف، والمعرف بأل، والنكرة في سياق النفي والنهي.
وأما الخاص، فما خصص فيه العام، إذ ما من عام إلا قد خص، ومخصصه إما متصل وإما منفصل.
فالمتصل خمسة: الأستثناء كقوله {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجههُ} والوصف كقوله تعالى: {وربئِكُمُ التي في حُجُوركم مّن نسائِكُمُ التي دخلتُم بهنّ}.
والشرط كقوله تعالى: {كتبَ عليكُمْ إذا حضرَ أحدكُمُ الموتُ إن تركَ خيراً الوصيةُ} والغاية، كقوله تعالى: {وكُلوا واشربواْ حتّى يتبينَ لكمُ الخيطُ الأبيضُ} ويدل البعض من الكل كقوله: {وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ من أستطاعَ إليه سبيلا}.
والمخصص المنفصل كالآية الأخرى تخصص في محل آخر، أو كتخصيص الكتاب بالسنة.
والحق أن هذه الأقسام ترجع الى القرآن، ولا ترجع الى التفسير، ففي القرآن محكم ومتشابه، وليس في التفسير محكم ومتشابه، وفي القرآن ناسخ ومنسوخ، وليس في التفسير ناسخ ومنسوخ.
———————————————–

http://www.erfan.ir


more post like this