( عليهما السلام )

جعفر السُّبحاني

هو خامس أئمّة أهل البيت الطاهر ، المعروف بالباقر ، وقد اشتُهِر به لِبقره العلم وتفجيره له ، قال ابن منظور في لسان العرب : لُقِّب به لأنَّه بَقَرَ العلم وعَرَفَ أصله واستنبط فرعه وتوسَّع فيه (1) . وقال ابن حجر : سُمِّي بذلك لأنَّه من بَقْرِ الأرض ، أي شَقّها وإثارة مُخبَّآتها ومكامنها ، فكذلك هو أظهَرَ مِن مُخبَّآت كنوزِ المعارف وحقائقِ الأحكام والحِكَمِ واللطائف ، ما لا يخفى إلاّ على مُنطمِس البصيرة أو فاسدِ الطَّويَّة والسريرة ، ومن ثَمّ قيل فيه : هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه (2) .

قال ابن خلكان : أبو جعفر محمّد بن زين العابدين ـ الملقَّب بالباقر ـ أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية ، وهو والد جعفر الصادق ، كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً ، وإنَّما قيل له : الباقر ؛ لأنَّه تبقَّر في العلم ، أي توسَّع ، وفيه يقول الشاعر :

يا باقِرَ العِلمِ لأهلِ التُّقى = وخيرُ مَنْ لَبَّى على الأجْبُلِ (3)

ولِدَ بالمدينة غرّة رجب سنة ( 57 ﻫ ) ـ وقيل : ( 56 ﻫ ) ـ ، وتوفِّي في السابع من ذي الحجّة سنة ( 114ﻫ ) وعمره الشريف ( 57 سنة ) ، عاش مع جدِّه الحسين ( عليه السلام ) أربع سنين ، ومع أبيه ( عليه السلام ) بعد جدِّه ( عليه السلام ) تسعاً وثلاثين سنة ، وكانت مدَّة إمامته ( عليه السلام ) 18 سنة (4) .

وأمّا النصوص الدالّة على إمامته من أبيه وأجداده التي ذكرها المحدِّثون والمحقِّقون من علمائنا الأعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني وغيره (5) .

قال ابن سعد : محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من المدينة ، كان عالماً عابداً ثقة ، وروى عنه الأئمّة : أبو حنيفة وغيره .

قال أبو يوسف : قلت لأبي حنيفة : لقيتَ محمّدَ بن علي الباقر ؟ فقال : نعم ، وسألتُه يوماً فقلت له : أراد الله المعاصي ؟ ! فقال : ( أفيُعصى قهراً ؟ ) قال أبو حنيفة : فما رأيتُ جواباً أفْحَمَ منه .

وقال عطاء : ما رأيتُ العلماء عند أحدٍ أصغر علماً منهم عند أبي جعفر ، لقد رأيتُ الحَكَم عنده كأنَّه مغلوب ـ ويعني الحَكَم بن عيينة ـ ، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه .

وذكر المدائني ، عن جابر بن عبد الله : أنَّه أتى أبا جعفرٍ محمّدَ بنَ علي إلى الكُتَّاب ـ وهو صغير ـ فقال له : رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يسلّم عليك . فقيل لجابر : وكيف هذا ؟ فقال : كنتُ جالساً عند رسول الله والحسين في حِجره وهو يداعبه ، فقال : ( يا جابر ، يولَدُ مولودٌ اسمُهُ عليٌّ ، إذا كان يومُ القيامةِ نادى منادٍ : لِيقُمْ سيِّد العابدين ، فيقومُ ولَدُه ، ثُمّ يولَدُ له ولَدٌ اسمُهُ محمّد ، فإنْ أدركته يا جابر فاقرَأه مِنِّي السلام ) .

وذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد نقلِ القصّة قوله : إنَّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال لجابر : ( وإنْ لاقيتَه فاعلَم أنَّ بقاءك في الدنيا قليل ) . فلم يعِشْ جابر بعد ذلك إلاّ ثلاثة أيّام . ثمّ قال : هذه منقبة من مناقبه باقية على ممرّ الأيّام ، وفضيلة شهِدَ له بها الخاص والعام (6) .

وقال عبد الله بن عطاء : ما رأيتُ العلماء عند أحدٍ أصغر علماً منهم عند أبي جعفر ، لقد رايتُ الحَكَم عنده كأنَّه متعلِّم (7) .

وقال المفيد : لم يظهر عن أحدٍ من ولْدِ الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ـ في علم الدِّين والآثار والسنّة ، وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ـ ما ظهر من أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) (8) .

وروى عنه معالمَ الدِّين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاءُ المسلمين ، وسارت بذكر كلامه الأخبار ، وأُنشِدتْ في مدائحه الأشعار … (9) .

قال ابن حجر : صفا قلبه ، وزكا علمه وعمله ، وطَهُرتْ نفسه ، وشَرُفَ خُلُقُه ، وعَمُرتْ أوقاتُه بطاعة الله ، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسِنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العُجالة (10) .

وأمّا مناظراته مع المخالفين فحدِّث عنها ولا حَرَج ، فقد جمعها العلاّمة الطبرسي في كتاب ( الاحتجاج ) (11) .

قال الشيخ المفيد في ( الإرشاد ) : وجاءتْ الأخبار : إنَّ نافع بن الأزرق (12) جاء إلى محمّد بن علي فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام ، فقال له أبو جعفر في عرض كلامه : ( قُلْ لهذهِ المارِقة : بِمَ استحللتُم فِراقَ أميرِ المؤمنين ، وقد سَفكتُم دماءكم بين يديه في طاعتِه والقُربة إلى الله بنصرتِه ؟ فسيقولون له : إنَّه حَكَّمَ في دِينِ الله ، فقُلْ لهم قد حَكَّمَ اللهُ تعالى في شريعةِ نبيِّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رجلين مِنْ خَلْقِه ، فقال : ( فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (13) ، وحَكَّمَ رسولُ الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سعدَ بن معاذ في بني قريظة فحَكَمَ فيهم بما أمضاه الله ، أوَ ما علمتُم أنَّ أميرَ المؤمنين إنَّما أمَرَ الحكمين أنْ يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه ، واشترَطَ ردّ ما خالفَ القرآنَ في أحكامِ الرجال ، وقال حين قالوا له : حَكَّمتَ على نفسِكَ مَنْ حَكَمَ عليك . فقال : ما حَكَّمتُ مخلوقاً وإنَّما حَكَّمتُ كتابَ الله ، فأينَ تَجِدُ المارقةُ تضليلَ مَنْ أمَرَ بالحُكمِ بالقرآن ، واشترَطَ رَدّ ما خالَفَه ، لولا ارتكابهم في بدعتِهم البُهتان ؟! ) فقال : نافع بن الأزرق : هذا والله كلامٌ ما مرَّ بسمعي قط ، ولا خَطَرَ منِّي ببال ، وهو الحقّ إنْ شاء الله (14) .

الرَّاوون عنه :

وقد روى بعض الصحابة وأكثر التابعين عنه ( عليه السلام ) ، وقد نَهِلوا من معين علمه ، وقد جمع الشيخ الطوسي أسماءَ مَنْ روى عنه من العلماء والحفّاظ ، مبتدئاً بإبراهيم بن مناف الأسدي ، ومُنتهياً بحَبَابة الوالِبِيَّة ، بلغ عددهم ( 466 شخصاً ) .

وقال ابن شهر آشوب بعد نقلِ كلام المفيد : فمِنَ الصحابة نحو : جابر بن عبد الله الأنصاري ، ومِنَ التابعين : جابر بن يزيد الجُّعْفِي ، وكَيْسَان السِّخْتِياني صاحب العوفية ، ومِنَ الفقهاء نحو : ابن مبارك ، والزُّهري ، والأوْزاعِي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وزياد بن منذر النهري ، ومِنَ المصنِّفين نحو : الطبري ، والبلاذري … (15) .

ثمّ إنَّ الشيعة الإمامية أخذتْ كثيراً من الأحكام الشرعية عنه وعن ولَدِه البار جعفر الصادق ، وحسْبَ الترتيب المتداوَل في الكتب الفقهية ، وأمّا ما رُويَ عنه في الحِكَم والمواعظ فقد نقلها أبو نعيم الإصفهاني في ( حلية الأولياء ) ، والحسن بن شُعبة الحرّاني في تُحفِه (16) .

ثمّ إنَّ الإمام محمّد الباقر توفّي عام ( 114 ﻫ ) ، ودُفِنَ في جَنْبِ قبر أبيه في البقيع .

ومَن أراد البحث عن فصول حياته في شتَّى المجالات فليُراجع الموسوعات .

ـــــــــــــــــــــــــــ

* اقتباس وتنسيق ـ قِسم المقالات في شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) للتراث والفكر الإسلامي ـ من كتاب :  بحوثٌ في الملل والنِّحل ـ دراسةٌ موضوعيةٌ مقارنةٌ للمذاهب الإسلامية ـ ، الجزء السادس ، تأليف : جعفر السُّبحاني ، 1413 ﻫ ق .

(1) لسان العرب : 4 / 74 .

(2) الصواعق المحرِقة : 201 .

(3) وفيات الأعيان : 4 / 1074 .

(4) إعلام الورى بأعلام الهدى : 264 ـ 265 .

(5) الكافي : 1 / 305 ـ 306 ، إثبات الهُداة 3 / 33 ـ 35 .

(6) تذكرة الخواص لابن الجوزي : 302 ـ 303 ، الفصول المهمَّة 215 ـ 216 .

(7) كشف الغمَّة : 2 / 329 .

(8) الإرشاد : 261 .

(9) الفصول المهمَّة : 210 ، نقله عن إرشاد الشيخ المفيد : 261 ـ 262 .

(10) الصواعق المحرِقة : 301 .

(11) الاحتجاج : 2 / 54 ـ 69 ، طبع النجف .

(12) ولعلَّ المُناظِر هو عبد الله بن نافع بن الأزرق ؛ لأنَّ نافع قُتِل عام 65 من الهجرة ، وللإمام عندئذٍ من العُمر دون العشرة ، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الإمام مع عبد الله بن نافع فلاحظ المناقب : 4 / 201 .

(13) النساء : 35 .

(14) الإرشاد : 265 .

(15) المناقب : 4 / 195 ، ومن المعلوم أنَّ المقصود هو الأعمّ ممَّن روى عن الإمام مباشرةً أو مع الواسطة ، ولاحِظ حلية الأولياء : 3 / 198 .

(16) حلية الأولياء : 3 / 180 ـ 235 ، وفي بعض ما نُقِل عنه تأمّلٌ ونظر . والحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول : 284 ـ 300 .


more post like this