من الوجوه التي احتملوها من دون أن تكون لهم عليها قرينة، هو أن يكون المراد يوم فتح مكة. فقد ذكروا – وصحيح ما ذكروه من – أن أحد الأيام العظيمة في تاريخ الإسلام هو يوم فتح مكة، حيث نزل قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)1. لقد كان لمكة في جزيرة العرب موقع روحي مهم. فبعد عام الفيل والاندحار العجيب الذي آل إليه مصير المهاجمين من أصحاب الفيل، انطوت جميع قبائل الجزيرة العربية على اعتقاد عظيم بالكعبة بصفتها معبداً مهمّاً.

وفي الواقع، إن غرور قريش يكمن في هذه النقطة بالذات، فقد سخّرت هذه القضية لصالحها، وأخذت تتحدث من خلالها عن موقعها وأهميتها والاحترام الذي تستحقّه، بحيث انتهت قصة أصحاب الفيل بذلك البلاء السماوي الذي أصاب جيشهم حتى لم يبق منهم أحد ‍‍لقد استحكم الغرور بقريش إثر هذه الواقعة، حتى تحول إلى ضرب من الطاعة أخذت تبديه لها قبائل الجزيرة العربية.

انتعش سوق مكة كثيراً، وأخذت قريش تملي ما تريد على الآخرين، وانصاع لها الناس بفعل البعد النفسي والإعتقادي الذي أخذوا يشعرون به نحو الكعبة.

منذ ذلك الوقت وشعور وُلِدَ عند الناس باستحالة أن يُسيطر أحدهم على الكعبة ويهيمن عليها.

لقد سلك النبي نهجا في فتح مكّة لم يؤدّ إلى إراقة قطرة دمٍ واحدة، لا من المسلمين ولا من الكفّار، باستثناء ما كان صدر من خالد بن الوليد – بدافع الحقد الذي ينطوي عليه – عندما وصل لقوم في أطراف مكة فقتل جماعة بعد أن قاومه عددٌ منهم.

وحصل أن النبي الأكرم فتح مكّة بدون إراقة دماء، وبدون مشاقّ، وبلا أن يلحق أحدهم أدنى ضرر. وربما أخذ النبي في حسابه هذا الشعور( النفسي- العقيدي ) وهو يحرص على فتح مكّة بدون إراقة دماء.

فلو قُتل من المسلمين في معركة أُخرى مئة أو أكثر لما قيل شيء، ولكن لو أصابهم في فتح مكّة أدنى ضرر، لقال من قال: أنظروا، قد نزل بمحمد وأصحابه ما نزل بأصحاب الفيل!

لقد سلك النبي نهجا في فتح مكّة لم يؤدّ إلى إراقة قطرة دمٍ واحدة، لا من المسلمين ولا من الكفّار، باستثناء ما كان صدر من خالد بن الوليد – بدافع الحقد الذي ينطوي عليه – عندما وصل لقوم في أطراف مكة فقتل جماعة بعد أن قاومه عددٌ منهم. وعندما وصل الخبر إلى النبي تبرّأ مما كان فعله خالد، وقال: اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد2 .

لقد ترك فتح مكة أثرا نفسيا فائقا لدى قبائل الجزيرة العربية. فقد تبين لهم أن للقضية وضعا آخر، فها هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء وفتح مكة ولم يصبه أذى.

بعد هذه الواقعة أسلمت الجزيرة العربية، وجاء أهلها النبي وقد اختاروا الإسلام.

بين أيدينا آية في القرآن، يقول فيها الله تعالى:(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)3 فالمسلمون قبل الفتح كانوا قلة، وكانت أعمالهم تصدر عن إيمان كامل، أما بعد الفتح فصار الناس يختارون الإسلام تلقائيا.

إن إيمان ما بعد الفتح، لا يساوي في قيمته إيمان ما قبل الفتح.

ليس ثمة شك إذن في أن يوم فتح مكة، هو يوم نصر عظيم للإسلام، ولا اعتراض لنا على ذلك.

والآن نعود إلى من احتمل أن المقصود من قوله تعالى: (َاليوم يئسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) هو يوم فتح مكة، حيث لمسنا من العرض الآنف أنه ليس هناك دليل يثبت هذا الرأي، لا من اللغة ولا من التاريخ.

بالإضافة إلى افتقار هذا الرأي لما يؤيده من قرينة وشاهد تاريخي، نجد أن صدر الآية لا يعين عليه، حيث قوله تعالى: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) إذ المراد أنه لم يبق شيء إلا وذكرته، في حين نعرف أن الكثير من أحكام الإسلام وتعاليمه نزلت بعد فتح مكة. وهذا ما لا يتسق مع قوله:(أتممت عليكم نعمتي). فعندما يقول:(أتممتُ هذه البناية) فمن الثابت أن المراد ليس أنه تركها على النصف.

لقد نزلت كثير من الآيات بعد فتح مكة، منها سورة المائدة بتمامها، وهي سورة طويلة ضمت كثيرا من الأحكام والتعاليم، فكيف يتسق القول بأن هذا الجزء من السورة له صلة بفتح مكة الذي تم في السنة الثامنة للهجر، مع أن السورة نفسها نزلت في السنة العاشرة للهجرة.

لقد نزلت كثير من الآيات بعد فتح مكة، منها سورة المائدة بتمامها، وهي سورة طويلة ضمت كثيرا من الأحكام والتعاليم، فكيف يتسق القول بأن هذا الجزء من السورة له صلة بفتح مكة الذي تم في السنة الثامنة للهجر، مع أن السورة نفسها نزلت في السنة العاشرة للهجرة.

أما إن قلنا أن هذه الآية نزلت وحدها في يوم فتح مكة، فإن ذلك مما لا يتّسق مع إتمام النعمة أيضا.

ثم اعتراض آخر يَرِدُ على هذا الاحتمال، ينطلق هذه المرّة من قوله تعالى:(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). فهل كان الحال كذلك في يوم فتح مكّة؟

صحيح أن الفتح انطوى على اثر عظيم، ولكن هل يئس الكافرون من الدين في هذا اليوم كليّاً؟ بالتأكيد: لا.

الامامة،الشيخ مرتضى مطهري، المترجم :جواد علي كسّار

———————————————————-

الهوامش:

1- الفتح1-2

2- هذه الواقعة جرت في خروج خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، والنبي لا يزال في مكة – أي لم تقع في مكة- فلما نزل خالد بهم استقبلوه بالسلاح، وكان بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية الفاكه بن المغيرة – عم خالد- ثم وضعوا السلاح بعد كلام بينهم، فأمر بهم خالد فكُتّفوا، ثم عرضَهم على السيف وقتل جماعة منهم.

والذي يذكره الطبري وابن هشام أن جدالا وقع بين خالد وعبدالرحمن بن عوف – الذي كان معه – إذ اتهم عبدالرحمن خالدا أنه قتل من بني جذيمة ثأراً لعمه. لما وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله رفع يديه إلى السماء، وقال اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، وفي رواية أنه كرر ذلك ثلاثا.

ثم أرسل النبي الإمام علي بن أبي طالب فدفع إليهم دية القتلى وما أصيب من أموالهم. ينظر: سيرة ابن هشام، ج4، ص70 فما بعد المترجم

3- الحديد: 10


القرآن ينصّ على الإمامة

الإمامة في القرآن 

دعوة إبراهيم و إسماعيل عند رفع القواعد من البيت

سرُّ الاعتقاد بالإمامة

http://www.tebyan.net/


more post like this