( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (1) .

الخليفة :

أمّا الخليفة فهو من يقوم مقام الغير . ولم تستعمل هذه اللفظة بصيغة المفرد في القرآن الكريم إلاّ في موردين : أوّلهما هذا المورد ، والثاني قوله تعالى : ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) (2) .

ولكنّها استعملت بصيغة الجمع في موارد : منها قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ في الأَرْضِ ) (3) .

وقوله تعالى : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم ) (4) .

قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ) (5) .

وقوله تعالى : ( وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) (6) .

وقوله تعالى : ( وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ) (7) .

وقوله تعالى : ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ ) (8) .

المراد من الخلافة :

لعلّ المراد منها في كثير من الآيات هو الحلول محلّ الغابرين في الحياة الدنيوية والقيام مقامهم ، وهو ما تؤكّده القرائن الحافّة بالآيات ، إلاّ أنّ المراد بالخلافة في الآيتين اللّتين ذكر فيهما اللفظ بصيغة المفرد هو القيام مقام الخالق والجاعل ـ جل وعلا ـ أي أنّ المراد منها هو ( الخلافة الإلهيّة ) .

وذلك لأمرين :

الأول : إنّ إطلاق لفظ ( خليفة ) من غير إضافة وإشارة إلى المخلوف ممّا يؤكّد أنّ الإنسان خليفة لمَن جعله كذلك ، وهذا نظير ما لو قال رئيس الدولة مثلاً : ( إنّي جاعل في الدولة خليفة ) ، إذ يكون المفهوم العرفي له كون هذا خليفة لرئيس الدولة نفسه .

الثاني : إنّ الحوار الذي جرى بين الملائكة وبين الله تعالى إذ تساءلوا عن معنى جعل خليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فأجابهم تعالى بأنّه يعلم مالا يعلمون ، والامتحان الذي تمّ وكشف عن صلاحيّة الإنسان لتعلّم الأسماء ، كل هذا ليكشف لنا بوضوح عن أنّ الخلافة المركّز عليها هنا ليست إلاّ الخلافة الإلهية .

وإذا كان هذا الأمر الثاني جارياً في الآية التي نبحث عنها بالخصوص ، فإنّ الأمر الأوّل جارٍ في الآيتين معاً .

وممّا يؤكّد الخلافة هنا إلهيّة أنّ الله عرّف ذلك المخلوق للملائكة قبل أنْ يخلقه بأنّه ( الخليفة ) ، فلو كان المقصود هو من يخلف غيره في الحياة الدنيوية لم يكن يصلح أنْ يعرّف بذلك .

هذا ، وإنّ وجود عبارة : ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) تفريعاً على جعل الخلافة لداود في الآية الثانية ، ينسجم مع هذا المعنى دون مسألة القيام مقام الآخرين .

سرّ الخلافة الإلهيّة وملاكها :

إنّ الخلافة تعني : كون الخليفة معبّراً عن المستخلِف في ما استخلف فيه . ومن هنا فإنّ الخلافة المطلقة تقتضي كونها شاملة لمختلف الشؤون وكافّة الأمور من جهة ، واستيعابها لكلّ ما استخلف عليه الخليفة من جهة أخرى .

ولهذا كان من اللازم أنْ يكون الخليفة المطلق عالِماً بصفات المستخلِف وشؤون ما يستخلف عليه ، كما يجب أنْ تكون له القدرة الضرورية للتصرّف فيه .

وهكذا فالخلافة المطلقة الإلهية تتوقّف على معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا حتى يمكن للخليفة أن يعبّر عنها ، كما تتوقّف أيضاً على معرفة عامّة المخلوقات ؛ لكي يتمكّن من تدبيرها وأداء حق الاستخلاف فيها .

ولذلك نجد أنّ الله تعالى علّم آدم الأسماء كلّها علْماً يغنيه عن ذلك ويحقّق ملاك إعطاء الخلافة الإلهيّة ، ولم يكن ذلك التعليم بالألفاظ ومداليلها الذهنيّة ، وإنّما كان بالحقائق ومصاديقها الخارجية العينيّة .

ويدلّ على ذلك الحوار الذي جرى مع الملائكة , حيث إنّهم تصوّروا أنفسهم لائقين لمقام الخلافة الإلهية ؛ لقيامهم بالتسبيح والتقديس ، فتساءلوا عن الحكمة في جعل خليفة في الأرض ، إلاّ أنّهم اعترفوا بقصورهم عن احتلال هذا المقام حينما علّم الله آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة ، فقالوا معترفين بالعجز : ( سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .

ولهذا يمكن أنْ نؤكّد أنّ ما حصل لهم علمه بالأنباء والأخبار لم يكن على حدّ علم آدم كما يشعر به , بل يدلّ عليه اختلاف التعبير ، حيث عبّر بالنسبة لآدم بـ ( علّم ) وبالنسبة للملائكة بـ ( أنبأهم ) .

ويؤيّد هذا الذي ذكرناه أنّ الآية مطلقة لم تُقيّد الخلافة بما يستخلف فيه ولا بمن يستخلف عليه ، ولا ريب في أنّ مَنْ كان له ذلك المقام المطلق لابدّ له من العلم بالأسماء والصفات علماً يمكنه ـ معه ـ أنْ يتصرّف في ما استُخلف فيه كما هو ظاهر .

وخلاصة الأمر :

إنّ الخلافة الإلهيّة تدور مدار العلم الشهودي ـ لا الكسبي الحصولي ـ بالأسماء كلّها ، علماً يتلقّاه الخليفة من الله تعالى بغير واسطة , وهذا هو سرّ الخلافة ومناطها .

الأسماء :

الاسم : هو ما يعرف به الشيء . ولكن ما المراد به في هذه الآية ؟ وهل المراد هو أسماء الله أي الألفاظ ؟ أو مفاهيمها الذهنيّة ؟ أو الأعيان الخارجيّة التي تحكي عنه سبحانه ؟ أو أنّ المراد هو أسماء المخلوقات ؟

أمّا كون المراد بها الألفاظ ـ سواء كانت ألفاظاً حاكية عن الله سبحانه أو عن مخلوقاته ـ فلا ينسجم مع ضرورة أنّ اللغات لم تكن قد وضعت آنذاك ، والمفاهيم الذهنية غير قابلة للنقل والإنباء ، فيتعيّن الاحتمال الثالث ، وحينئذٍ فيكون المراد من الأسماء التي أنبأهم بها آدم أسماء تلك الأسماء العينيّة الحسنى ، كما يساعد عليه تعبير الإنباء في قوله تعالى : ( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء ) (9) .

وقوله تعالى : ( أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ) (10) .

ومن المحتمل أنْ تكون هذه الأسماء هي أسماء الله من جهة وأسماء لِما سواه من جهة أخرى ، فإنّ هؤلاء يتّصفون تارة بأنّهم مظاهر لصفاته العليا ، وأخرى خُزّان كمالات المخلوقات على وجه أتم وأعلى .. ولعلّ ممّا يؤيّد هذا الاحتمال الإطلاق الموجود في لفظ ( الأسماء ) .

وبهذا الوجه من الجمع يمكننا أنْ نجمع بين الروايات الدالّة على أنّها أسماء الأشياء كالجبال والأودية ، وبين ما يدلّ على أنّ المعروض على الملائكة هي أنوار المعصومين وأرواحهم عليهم السلام ، وقد ورد أنّهم الأسماء الحسنى (11) .

هل تختصّ الخلافة بآدم (ع) ؟

لا ريب في أنّ الخلافة المجعولة في الآية ليست مختصّة بشخص آدم عليه السلام ، فإنّ الملائكة قالوا : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ) (12) ، وهذا المعنى لا يُتصوّر إلاّ مع وجود كثرة في الأفراد وحياة اجتماعية معيّنة ، أضف إلى ذلك أنّ الله تعالى لم يرد عليهم بنفي وقوع القتل والإفساد ، بل قال : ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (13) ، مشيراً إلى رفعة مقام الخليفة .

كما أنّه لا ريب في أنّ مثل هذا المقام الأسمى لا يُعطى لكل الأفراد فعلاً ؛ لأنّ المفسد السافك للدماء لا يليق له ولا يناسبه ، وعليه فتكون الخلافة مجعولة لآدم كنوع لا كشخص ، وذلك بمعنى أنّه يوجد في النوع الإنساني من يحمل صلاحيّة الوصول إلى هذا المقام الجليل . فالإنسان خليفة الله تعالى في أرضه بما أنّ له العلم بالأسماء الحسنى .

والذي يبدو ممّا سبق كلّه أنّ ذلك الإنسان الخليفة هو الغاية القصوى من خلق الإنسان وإيجاد هذا النوع في كل زمان .

وهناك روايات تُشير إلى ما استفدناه من الآيات ، نذكر بعضها في ما يلي :

روى الصدوق بسندين عن الصادق عليه السلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم عليه السلام أسماء حجج الله كلّها ، ثمّ عرضهم ـ وهم أرواح ـ على الملائكة ، فقال : ( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (14) بأنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم عليه السلام ، ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (15) .

قال الله تبارك وتعالى : ( يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ) (16) وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله ـ تعالى ذكره ـ فعلِموا أنّهم أحق بأنْ يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريّته ، ثمّ غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم ، وقال لهم : ( أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) (17) .

وفي تفسر العيّاشي عن أبي العبّاس , عن أبي عبد الله عليه السلام : سألته عن قول الله : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) (18) ماذا علّمه ؟ قال : ( الأرضين والجبال والشعاب والأودية ، ثمّ نظر إلى بساط تحته فقال : وهذا البساط ممّا علّمه ) (19) .

وفيه عن داود بن سرحان العطّار قال : كنتُ عند أبي عبد الله عليه السلام ، فدعا بالخوان فتغدّينا ، ثمّ جاءوا بالطست والدست سنانه ، فقال : جعلت فداك ، قوله : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) (20) الطست والدست سنانه منه ؟ فقال : ( والفجاج والأودية ) . وأهوى بيده : كذا وكذا (21) .

_____________________________

* اقتباس شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) من كتاب : ( الإمامة والولاية في القرآن الكريم ) ، تأليف : مجموعة مؤلّفين .

(1) سورة البقرة : الآية : 29 ـ 30 .
(2) سورة ص : الآية : 26 .
(3) سورة الأنعام : الآية : 165 .
(4) سورة يونس : الآية : 14 .
(5) سورة يونس الآية: 73 .
(6) سورة الأعراف : الآية : 69 .
(7) سورة الأعراف : الآية : 74 .
(8) سورة النمل : الآية : 62 .
(9) سورة البقرة : الآية : 31 .
(10) سورة البقرة : الآية : 33 .
(11) الكافي : ج1 ، ص 143 ، الحديث 4 : عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجل ( لِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ، قال : ( نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا ) .
(12) سورة البقرة : الآية : 30 .
(13) سورة البقرة : الآية :30 .
(14) سورة البقرة : الآية : 31 .
(15) سورة البقرة : الآية : 32 .
(16) سورة البقرة : الآية : 33 .
(17) كمال الدين : ج1 ، ص 14 .
(18) سورة البقرة : الآية : 31 .
(19) تفسير العيّاشي : ج1 ، ص 32 . تفسير البرهان : ج1 ، ص 75 . البحار : ج5 ، ص 57 و 39 .
(20) سورة البقرة : الآية : 31 .
(21) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 33 . تفسير البرهان ج 1 ، ص 75 . البحار : ج 5 ، ص 39 .


more post like this