انطلاقاً من آية البراءة: }وأذانٌ من الله ورسوله يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه{ ، دعا الإمام الخميني الحجيج الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم ، إلى ضرورة إعلان البراءة من المشركين والمستكبرين في موسم الحج ، وفي مكة المكرّمة; ليطلقوا «بجوار بيت التوحيد صرخة البراءة من المشركين والملحدين من مستكبر رأسه أمريكا المجرمة» .
وما ركّز الإمام على آية من الآيات المباركة في فريضة الحج ، كما ركّز على آية البراءة ، حيث إنّه سلّط الأضواء الكاشفة على هذه الآية ، ودعا بكلّ قوّة وإصرار إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر . . حتّى لا نعيش التفسير الدلالي والمفاهيمي للقرآن بعيداً عن التجسيد والتطبيق .
ولا يكاد يخلو خطاب من خطابات الإمام في موسم الحج من ذكر لآية البراءة ودعوة إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر .
ويمكن تلخيص تفسيره الدلالي والتطبيقي لآية البراءة بالنقاط التالية:
أوّلاً: إعلان البراءة: إحياء لذكرى حادثة سياسية كبرى
يرى الإمام أنّ «إرسال سورة (براءة) لقراءتها في ذلك الجمع إنّما كان يستهدف تعليمنا ضرورة قراءة سورة براءة في ذلك المكان» .
كما يرى أنّ إعلان البراءة في موسم الحج يعتبر «إحياءً لذكرى أهمّ وأكبر حركة سياسية للرسول(صلى الله عليه وآله) ، التي عبّر عنها القرآن بقوله: }وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه{ ، ذلك لأنّ سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله)وإعلان البراءة لن يبليا» .
إنّ «إعلان البراءة من المشركين في موسم الحج ، هو إعلانٌ سياسي ـ عبادي» .
ومهما اختلف المفسِّرون في تعيين المراد من يوم الحجّ الأكبر ـ يوم النحر كما جاء في روايات أهل البيت(عليهم السلام) أو يوم عرفة أو جميع أيّام الحج ـ فإنّ الآية المباركة واضحة في دلالتها في إعلان البراءة من المشركين في أكبر يوم من أيّام الحج ، حيث يجتمع المسلمون الآتون من كلّ فجٍّ عميق; ليشتركوا في مراسم إعلان صرخة البراءة تلك ، وليكونوا على اُهبة الاستعداد لإنفاذ أمر الله فيهم بقتال أعداء الله بعد انسلاخ الأشهر الحرم }حيث وجدتموهم{ في أي زمان ومكان ، في حلٍّ أو حرم ، وبأيّ وسيلة ممكنة بالأخذ أو الحصر أو القعود لهم في كلِّ مرصد }وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد{ حتّى يفنوا عن آخرهم ، وتطهر الأرض من وجودهم .
وقد ذكر المفسِّرون من الفريقين أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان قد بعث أبا بكر مع (براءة) ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل(عليه السلام) فقال: لا يبلِّغ عنك إلاّ علي ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً أن يلحق أبا بكر ليأخذها منه ويقرأها على الناس .
فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي: أخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند ، وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي(رضي الله عنه) قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي(صلى الله عليه وآله) دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكّة ، ثمّ دعاني فقال لي; أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه . ورجع أبو بكر ، فقال: يارسول الله نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ، ولكن جبريل جاءني فقال لي: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك» .
وفي الدرّ المنثور كذلك: أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة ، ثمّ بعث علياً على أثره ، فأخذها منه فكأن أبا بكر وجد في نفسه ، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : يا أبا بكر إنّه لا يؤدِّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»(2) .
من هذا المنطلق يعتبر الإمام أنّ إعلان البراءة يمثِّل حدثاً تاريخياً عظيماً في مسيرة الإسلام بقيادة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، قد حقّق انعطافة في الموقف تجاه المشركين وأعداء الدين ، وأننا إذا قمنا بإعلان البراءة في موسم الحجّ فإنّما هو تأس برسول الله(صلى الله عليه وآله) وإحياء لسنّته .
ولهذا يستنكر الإمام على فتاوى (وعّاظ السلاطين) و(علماء البلاط) من تحريمهم إعلان البراءة في مكة ، وفي موسم الحجّ ، بحجّة الأمن والسلامة وقدسيّة الكعبة المشرّفة!!
يخاطب الإمام ذلك «الواعظ العميل الذي يرى الهتاف ضدّ أمريكا واسرائيل مخالفاً لمراسم الحج» ، قائلاً: «وهل التأسّي برسول الله واتّباع أمر الله مخالف لمراسم الحجّ؟!
ومن عجب ما أوّله بعض المفسِّرين كالآلوسي في (روح المعاني) ، حيث يقول: وقوله(صلى الله عليه وآله): «لا يبلغ عنّي . . .» جار على عادة العرب أن يتولّى تقرير العهد ونقضه إلاّ رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكلّية»!! (روح المعاني / 10 / 45) .
يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره (الميزان): أبدع بعض المفسِّرين كابن كثير وأترابه هنا وجهاً وجّهوا ما تتضمّنه هذه الروايات . . . أنّ تعيينه(صلى الله عليه وآله) علياً بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنّما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلاّ عاقده أو رجل من أهل بيته ، ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي(صلى الله عليه وآله) أن يأخذ براءة ـ وفيها نقض ما للمشركين من عهد ـ من أبي بكر ويسلّمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنّة العربية فيؤدّيها عنه بعض أهل بيته» . (الميزان /9/ 168 ـ 169) .
هل أنت وأمثالك من الوعّاظ الأمريكيين تخطِّئون فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمر الله؟!
هل التّأسّي بتلك الشخصية الكبرى ، وإطاعة أمر الله تعالى مخالف للإسلام؟!
هل تنزّهون مراسم الحجّ من البراءة من الكفّار؟!
أتغطون على أوامر الله ورسوله من أجل مصالحكم الدنيوية ، وترون البراءة من أعداء الله من محاربي المسلمين ومن الظالمين ولعنهم كفراً؟!» .
ولم يشجب الإمام (وعّاظ السلاطين) فحسب ، بل هناك ممّن يسمّيهم آ«المتنسكين الجاهلينآ» يدّعون ـ كذلك ـ أنّ حرمة وقدسيّة الكعبة المعظّمة ، تنتهك برفع الشعارات وإقامة التظاهرات والمسيرات وإعلان البراءة!!
ويعتبر الإمام أنّ «مثل هذه الأقاويل هي من إيحاءات وخبث السياسات الخفيّة للناهبين الدوليين ، ولابدّ للمسلمين أن ينهضوا ، وبكلّ ما لديهم من إمكانات . . . لخوض المواجهة الجادّة ، والدفاع عن القيم الإلهية ومصالح المسلمين» .

ثانياً: الكعبة أجدر وأنسب بيت لإعلان البراءة
يتساءل الإمام متعجّباً ومستنكراً على أولئك الذين يعتبرون إعلان البراءة في موسم الحج يسيئ إلى فريضة الحج ومناسكها ، كما يسيئ إلى قداسة البيت الحرام ، قائلاً:
«وأيّ بيت أفضل وأنسب وأجدر من (الكعبة) المشرّفة ، بيت الأمن والطهارة والناس; لإعلان البراءة ، قولاً وعملاً ، بوجه كلِّ أشكال الظلم والاستغلال والعبودية والدناءة واللإنسانية؟!» .
«إذا لم يعلن المسلمون براءتهم من أعداء الله ، في بيت الناس وبيت الله ، فأين اذن يُعلنون البراءة؟!
وإذا لم يكن الحرم والكعبة والمسجد والمحراب معاقل وسنداً لجنود الله والمدافعين عن الحرم وحرمة الأنبياء ، فأين إذن يكمن مأمنهم وملجأهم؟!» .
ينطلق الإمام بنظرته هذه إلى دور الكعبة والمسجد الحرام ، من منطلق القرآن ، الذي تعطي آياته بكلّ صراحة ووضوح ذلك الدور العظيم الذي لا ينفكّ عن القيام والنهوض والبراءة من المشركين والمستكبرين .
الآية الاُولى: }جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس{ .
يرى الإمام: أنّ الله عزّوجلّ في هذه الآية المباركة «يقرّر أنّ سرّ الحجّ وبواعثه والغاية من الكعبة والبيت الحرام هي نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس والجماهير المستضعفة في العالم» .
لقد بدأ خطابه عام 1401 والموجّه إلى حجّاج بيت الله الحرام ، بآية القيام ، أعطى فيه السبل التي تجعل من ذلك التجمّع المليوني في موسم الحج مصدر نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس المستضعفين في العالم .
ولن يتحقّق ذلك القيام إلاّ إذا وعى المسلمون الآتون من كلِّ فجٍّ عميق مقاصد وأهداف الحج الكبرى ، وعرفوا واجباتهم في ذلك «التجمّع الإلهي العظيم الذي لا تستطيع أيّ قدرة سوى قدرة الله أن تعقده» .
ودراسة مشاكل المسلمين ، وبذل الجهود في سبيل إيجاد الحلول لها ، هو الواجب الأوّل الذي يجب أن يضطلع به أولئك الحافّون حول بيت الله الحرام .
ويرى الإمام: أنّ «إحدى أكبر هذه المشاكل وأكثرها أهمّية هي عدم الوحدة بين المسلمين وتمزّقهم وتشتّتهم» .
«هذا المسجد الحرام ومساجد عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) كانت مركز الحروب ، ومركز السياسات والشؤون الاجتماعية والسياسية» .
«لو أننا ذهبنا إلى الحج ، ولم نأخذ بنظر الاعتبار مصالح المسلمين ، بل وخلافاً لمصالح المسلمين نغطّي على الجرائم التي ترتكب بحقّهم ، ولا ندع المسلمين يتداولون ما ترتكبه بحقّهم الحكومات والقوى الكبرى من جرائم ومظالم ، فليس هذا بحجٍّ; لأنّه صورة فاقدة للمعنى ، وشكل مفرّغ من المضمون» .
الآية الثانية: }وإذْ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود{ .
انطلاقاً من هذه الآية المباركة يرى الإمام أنّ «الكعبة التي هي أُمّ القرى وما امتدّ منها حتّى آخر نقطة في الأرض ـ وإلى آخر يوم من حياة العالم ـ ينبغي أن تطهّر من لوثة الأصنام مهما كانت هياكل أم شمساً أم قمراً أم حيواناً أم إنساناً . وأيّ منهم أسوأ من (الطواغيت) على مرّ التاريخ ، ابتداءً من زمان آدم صفي الله ومروراً بإبراهيم خليل الله ومحمّد حبيب الله . . . حتى آخر الزمان ، حيث يرفع محطّم الأصنام الأخير نداء التوحيد من الكعبة؟!» .
ويشجب الإمام النظرة الضيّقة الخاطئة للأصنام ، التي تحصرها بالأصنام الحجرية فحسب ، حيث يتساءل: «أَليست القوى الكبرى في زماننا هذا أصناماً كبرى تدعو الناس إلى طاعتها وعبادتها والخضوع لها ، وتفرض نفسها عليهم بالقوّة والمال والتزوير؟!
مكّة المعظّمة هي المركز الوحيد لتحطيم هذه الأصنام . إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، وحبيب الله محمّداً(صلى الله عليه وآله) ، وابنه العزيز المهدي الموعود ـ روحي فداه ـ رفعوا وسيرفعون نداء التوحيد في آخر الزمان من الكعبة المشرّفة» .
«والمهدي المنتظر على لسان كلِّ الأديان وبإجماع المسلمين يَرفع نداءَه من الكعبة ، ويدعو البشرية إلى التوحيد ، والجميع يرفعون نداءهم من مكّة ، وعلينا أن نتّبعهم ، ونعلن كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة من ذلك المكان المقدّس» .
«وما لم نعقد الاجتماعات الحيّة المدويّة في مركز تجمّع المسلمين (مكة المكرّمة) ، وما لم نكسِّر الأصنام ونرجم الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر في (العقبات) ، لن يكون حجّنا حجّ خليل الله وحبيب الله ووليّ الله المهدي العزيز ، ولقيل في حقّنا: آ«ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج»! .
الآية الثالثة: }إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين{ .
هذه الآية المباركة ـ كما يرى الإمام ـ تقرّر أنّه ليس هناك أولوية ببيت الله على سائر الناس ، لشخص أو مجموعة أو طائفة . . فإنّ الناس جميعاً ، أينما كانوا ، وفي أيّ بقعة من بقاع الأرض ، في مشارقها ومغاربها ، مكلّفون أن يكونوا مسلمين ، وأن يجتمعوا في هذا البيت الذي وُضع للناس ، وأن يزوروا هذا البيت المقدّس .
«بيت الله الحرام هو أوّل بيت وضع للناس ، إنّه بيتٌ عام ، ليس لشخص ولا لنظام ولا لطائفة حقّ الأولوية فيه ، سواء فيه أهل البادية وسكنة الصحراء والمتنقلون ، والعاكفون وسكنة المدن»: }سواءً العاكفُ فيه والباد{ .
«هذا البيت المعظّم بني للناس ، ولقيام الناس ، وللنهوض العام ، ولمنافع الناس ، وأيّ منافع أعظم وأسمى من قطع يد جبابرة العالم والظالمين من السيطرة على البلدان المظلومة» .
ثالثاً: صرخة البراءة هي صرخة المستضعفين المظلومين .
يرى الإمام أنّ إعلان البراءة لا يتجزّأ; لأنّه يمثِّل صرخة براءة المستضعفين والمحرومين بوجه المستكبرين الظالمين . . وبالتالي يُعبّر إعلان البراءة في موسم الحج من قبل المسلمين الآتين من أصقاع الأرض الإسلامية عن الرفض لكلّ الظالمين الذين يتحكّمون برقاب المسلمين .
يقول الإمام: «إنّ صرخة براءتنا من المشركين والكافرين اليوم هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين ، هي صرخةُ اُمّة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب ، وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها ، وغضبُ مَن نُهب بيتها وثرواتها» . ثمّ يقول: «إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعب الأفغاني المظلوم ضد الاتحاد السوفيتي» .
«وإنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعوب المسلمة المضطهدة في أفريقيا» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعبين اللبناني والفلسطيني . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين ما عادوا يتحمّلون فرعنة أمريكا وتواجدها السلطوي . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن الشعوب والكرامات والنواميس . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الفقراء والجياع والمحرومين الذين نهب الجشعون والقراصنة الدوليون حصيلة كدِّ يمينهم وعرق جبينهم» .
الحجّ في نهج البلاغة
الحجّ الإبراهيمي والحجّ الجاهلي
أسرار الحج
الحجّ في السنّة
الأهداف الاجتماعيّة للحجّ الإبراهيمي
الإخلاص في الحج
أضواء، من أسرار الحج
عظمة الحج و منافعه
الحجُّ عبادة وحركة وسياسة


more post like this