أهمّ ما يمتاز به تفسير الإمام الخميني للقرآن الكريم أمران أساسيان :
الأوّل: الأبعاد المتعدّدة ، والاتجاهات المتنوّعة ، التي تنطلق مع الآيات القرآنية في آفاقها الرحبة ، وأبعادها الواسعة التي تتجاوز الفرد إلى المجتمع والأمّة والدولة .
الثاني: التطبيق والتجسيد ، وهو عملية تلمّس المصاديق الحيّة المعاصرة ، والنماذج الفاعلة الحاضرة لما تطرحه الآيات القرآنية . . وهو ما يعرف بـ (التفسير التطبيقي) .
ويعطي الأمر الأوّل للتفسير طابع الشمولية والامتداد لكلّ ساحات الحياة ، ومواقع التدافع : الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثورية . . فيما يُعطي الأمر الثاني طابع الواقعيّة والعصريّة . . بعيداً عن التجريدية والماضويّة .
من هذا المنطلق يأسف الإمام الخميني على تلك النظرات التفسيرية الضيّقة للآيات المباركة التي تجعلها محصورة في زاوية معتمة ، وبُعد ضيّق ، واُفق قريب لا يتجاوز دائرة المحلّة التي يصلّون في مسجدها ، أو على حدّ تعبير الإمام «لا يتجاوز محور تفكيره محيط المسجد» .
فإذا أرادوا أنْ يطبّقوا ـ مثلاً ـ آية أكل السحت في سورة المائدة: (لولا ينهاهم الرّبانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) .
«لا يخطر ببالهم سوى البقّال القريب من المسجد الذي يطفّف في البيع مثلاً . . . فلا يلتفتون إلى التطبيقات الواسعة والكبيرة لأكل السحت والنهب ، التي تتمثّل ببعض الرأسماليين الكبار أو من يختلسون بيت المال ، وينهبون نفطنا ، ويحوّلون بلادنا إلى سوق لبيع المنتوجات الأجنبية غير الضروريّة ، والغالية الثمن; لكونهم يمتلكون وكالات الشركات الأجنبية ، ويملأون جيوبهم وجيوب المتموّلين الأجانب من أموال الشعب غير هذا السبيل» .
يؤكّد الإمام على هذا النمط المغفول عنه من السحت ، بقوله: «هذا أكلٌ للسحت على مستوى واسع ودولي»!
كما يدعو الناس ـ وهم يقرأون آية أكل السحت ـ إلى تطبيق الآيات في واقعنا المعاصر لتشمل المصاديق الكبيرة ، قائلاً: «اِدرسوا أوضاع المجتمع وأعمال الدولة والجهاز الحاكم بشكل دقيق; لتروا أنّ (أكل السحت) مرعب يجري عندنا» .
وإذا أرادوا أن يفسِّروا آيات (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ويطبقوها على المجتمع ، فإنّهم لايرون المنكر إلاّ في «نطاق دائرة صغيرة» ، كـ «سماع الموسيقى في الباصات ، أو ارتكاب بعض المخالفات في المقاهي ، أو تجاهر بعض الناس بالإفطار» في الساحات ، من دون أن يلتفتوا إلى آ«تلك المنكرات الكبيرةآ» ، وإلى «أولئك الذين يقومون بضرب الإسلام معنوياً ، وسحق حقوق الضعفاء».
ولم تشذّ آيات الحجّ عن تلك النظرة الضيّقة لبعض الناس ، ممّا أدّى بنا الأمر إلى حصرها في آفاق ضيّقة سواء على صعيد التفسير الدلالي أو التطبيقي .
كما لم تشذّ تلكم الآيات عن ذلك المنهج التفسيري القيّم للإمام الخميني ، بل إنّها تشكّل مصاديق بارزة ، ونماذج حيّة ، تؤكّد على طابعي الشمولية والمعاصرة في منهجه التفسيري.
ينطلق الإمام في تفسيره لآيات الحج ومناسكه في آفاق رحبة بعيدة; ليكتشف أبعادها السياسية والاجتماعية والثورية ، إضافة إلى أبعادها الروحية العرفانية .
المبحث الأوّل: آية شهود المنافع
(وأذِّن في الناس بالحجِّ يأتوك رجالاً وعلى كُلِّ ضامر يأتينَ من كُلِّ فَجٍّ عميق* ليشهدوا منافع لهم . . .)( الحج : 27 ـ 28) .
لماذا هذا الإعلام الإبراهيمي برفع الصوت بالحجّ عالياً ، والنداء؟
لماذا كلّ هذا الحرص على حضور الناس وحشدهم في زمان واحد وفي مكان واحد وفي مناسك موحّدة؟
لماذا كلّ هذا الحشر في ذلك المكان المقدّس الطاهر؟
ما هو سرّ هذا الحشد المليوني الهائل لهؤلاء المسلمين الآتين من شرق الأرض وغربها؟
ما هي المقاصد والأهداف والغايات التي تجعل هؤلاء الملايين من المسلمين يهجرون أوطانهم وأهليهم ، ويعطّلون أعمالهم ومشاريعهم ، ليلتحقوا بركب الحجيج المقبلين من أقطار بعيدة ، وأصقاع نائية؟
إنّ الآيه الثانية تعطي لنا الجواب الشافي عن هذه الأسئلة المتعدّدة مبنى ، المتّحدة مضموناً ومعنىً ، حيث ترسم لنا فلسفة الحجّ ، وعلّته أو غايته ـ على اختلاف اتجاه التفسير في حرف (اللام) ـ بقوله: ليشهدوا ـ ذلك التجمّع المليوني للمسلمين الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ، راجلين وراكبين: }ليشهدوا منافع لهم{!
(التجارات) هي المنافع الدنيويّة: بين الأمس واليوم!
يتساءل الإمام الخميني : ما هي هذه (المنافع) التي تمثِّل العلّة أو الغاية من حضور هذا الحشد المليوني الهائل؟
ماذا يتصوّر المسلم القارئ للقرآن الكريم من دلالات وأبعاد وآفاق لهذه (المنافع) التي أراد الله تعالى أن يشهدها الملايين الوافدون من أصقاع الكرة الأرضية؟
هل نكتفي بتفسير (المنافع) بكونها منافع اُخروية في الجنّة فيما يعطيه الله للحجّاج من الثواب الجزيل كما ذهب بعض المفسِّرين ، أو نفسّرها بـ (التجارات في الدنيا كما ذهب بعض آخر ، أم نجمع بين التفسيرين (التجارات في الدنيا ، والمغفرة في الآخرة)؟! وكأنّ (التجارات) هي المنافع الدنيوية الوحيدة التي من أجلها فرض الله عزوجل فريضة الحجّ ، وأوجب على المسلمين أن يحقّقوا ذلك الاجتماع المليوني الكبير!!
وإذا كان السابقون يدركون المقاصد التجارية للحج باعتباره يمثِّل ـ فيما يمثِّل ـ سوقاً إسلامية عالمية رائجة ، فنحن ـ في واقعنا المعاصر ـ لا يمكن أن نعتبر هذه السوق من (المنافع) التي ذكرتها الآية المباركة ، وجعلتها علّة أو غاية للحكم . . . ذلك لأنّ السوق في مكّة والمدينة أصبحت (أمريكية ـ أوروبيّة ـ يابانية) بكلّ معنى الكلمة!!
وقد نبّه الإمام الخميني إلى هذه الظاهرة الخطيرة وحذّر الحجّاج المسلمين ، الذين تركوا الأهل والديار ، وأتوا ملبّين دعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، من أن يكونوا «مستهلكاً» ممتازاً للبضائع الأمريكية ، بقوله:
«أسواق البلدان الإسلامية أصبحت مركز تنافس بضائع الغرب والشرق ، حيث تتجه إليها سيول البضائع الأمريكية والأوروبية واليابانية الكمالية واللعب والاستهلاكيات .
ومع الأسف الشديد فانّ مكّة المعظّمة وجدّة والمشاهد المشرّفة في الحجاز . . حيث مركز الوحي ومهبط جبرائيل وملائكة الله ، ومحلّ تحطيم الأصنام والبراءة منها ، أصبحت مملوءة ببضائع الأجانب ، وغدت سوقاً رائجاً لأعداء الإسلام وأعداء الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) » .
وقد حذّر الإمام بصورة متكرّرة من هذه الظاهرة السيئة الخطيرة التي تحوّل (المنافع) التجارية ـ التي ذكرها المفسِّرون المتقدّمون ـ إلى مضار كبيرة ، بحيث نرى أنّ الحجيج يستغرقون الليالي والأيّام في أسواق مكة والمدينة ليشتروا تلك البضائع ، يقول الإمام:
«كثير من حجّاج بيت الله الحرام الذين يذهبون لأداء فريضة الحج ، ومن المفروض بهم أن يلبّوا استغاثة المسلمين لما يحيط بهم من مؤامرات ، نراهم يتجوّلون غافلين في الأسواق بحثاً عن البضائع الأمريكية والأوروبية واليابانية ، وبذلك يُؤلمون قلب صاحب الشريعة بعملهم هذا المسيء إلى كرامة الحج والحجّاج معا».
وفي خطابه للعام التالي (1406هـ) ركّز الإمام في تحذيره على البضائع الأمريكية خاصة ، وذلك في النقطة الثالثة من توصياته السنوية إلى الحجّاج الايرانيين ، معتبراً عرضها مخالفاً لمقاصد الحج وأهدافه ، كما أنّ شراءها يُعدّ دعماً ومساندةً لأعداء الإسلام ، بقوله:
«بالنسبة للبضائع المعروضة في الحجاز للحجّاج المحترمين ما كان يرتبط منها بأمريكا ، فانّ عرضها مخالفٌ للأهداف الإسلامية ، بل مخالفٌ للإسلام تماماً ، وشراءها دعمٌ لأعداء الإسلام ، وترويجٌ للباطل ، فيجب الاجتناب عن ذلك» .
واعتبر الإمام ـ إبّان الحرب المفروضة ـ أنّه «ليس من الإنصاف أن يقدّم شبابنا أرواحهم في الجبهات ويضحون ، بينما أنتم تساعدون مجرمي الحرب بشرائكم هذه البضائع . . فإنّ في ذلك إساءة إلى الإسلام والجمهورية الإسلامية وشعبكم المظلوم» .
وقد أشار إلى أنّ هذه المسألة قد ذكرها في السنوات السابقة ، بيد أنها تستحق التكرار والتأكيد لأهمّيتها ، حيث يقول:
«لقد ذكّرت بهذا في السنوات الماضية لأهمية الموضوع وحسّاسيته ، ومن واجبي أن اُكرّر ذلك».
الحجّ في نهج البلاغة
الحجّ الإبراهيمي والحجّ الجاهلي
الحجّ في السنّة
الأهداف الاجتماعيّة للحجّ الإبراهيمي
الإخلاص في الحج
أضواء، من أسرار الحج
عظمة الحج و منافعه
الحجُّ عبادة وحركة وسياسة
www.tebyan.ne


more post like this