أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.

 

القسم الأول: التوحيد العملي للحج.

قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ*لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}(الحج:27-28) صدق الله العلي العظيم.

 

نداء الحج الإبراهيمي.

بعد بناء الكعبة من الخليل عليه السلام مع ابنه إسماعيل أُمر من قبل الحق تعالى أن يُعلن للناس وجوب الحج ولم يكن في مكة آنذاك إلاّ القليل من الناس، والأمر عام لجميع الناس، {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ }.

فالأمر الإلهي بالحج شامل للخلائق أجمعين في زمان الخليل عليه السلام وفي الأزمنة اللاحقة من بعده، ومن المعلوم أنّ إيصال البلاغ إلى الناس في زمانه صعب فكيف بإيصاله إلى الخلائق عبر الأزمنة المختلفة والأحقاب المتعددة، من هنا استفسر الخليل عليه السلام من الحق تعالى قائلاً إذا ناديت من يبلغ ندائي إلى الخلائق ـ الأحقاب المتعددة والأجيال المتلاحقة ـ فجاءه النداء من قبل الله تعالى: ‹‹يا إبراهيم عليك النداء وعلينا البلاغ››، فصعد الخليل عليه السلام فوق صخره وقال أيها الناس هلم الحج، و”هلم” في اللغة تشمل المفرد والمثنى والجمع، فهي للخلائق أجمعين.

إيصال النداء الإبراهيمي.

أبانت بعض الروايات كيفية إبلاغ النداء الإبراهيمي إلى الخلائق أجمعين، وكيف أجاب بعض الخلق دون بعضهم الآخر، قال الإمام الصادق عليه السلام: ‹‹فأجابته الخلائق والنطف في أصلاب الرجال››.

حقيقة إجابة الخلائق.

إنّ إجابة الخلائق للنداء في كلام الإمام الصادق عليه السلام هي إجابة تكوينية للوجود الحقيقي للإنسان، وليست بلسان الحال، والإنسان في عصرنا لم يسمع نداء الخليل عليه السلام ولكنه أجابه في عوالم ما قبل الخلق إجابة حقيقية بوجوده.

مغزى تلبية النداء الإبراهيمي.

ثم يواصل الإمام الصادق عليه السلام حديثه حول إجابة الخلائق، فيقول: ‹‹فمن لبّى تلبية واحدة حج حجة واحدة، ومن لبّى تلبيتين حج حجتين، ومن زاد فبحساب ذلك››، أي من لبّى ثلاثاً حجّ ثلاثاً ومن زاد كان بحسابه.

النداء الإبراهيمي إقرار توحيدي.

وهذا النداء الإبراهيمي للخليل عليه السلام فيه حكم ومصالح مترتبة على الحج وذلك أنّ الخليل عليه السلام بطل التوحيد، ويريد من الخلائق أن توحد الحق وتجعل مسارها إلهياً توحيدياً، والإنسان لمحدودية اطلاعه وسيطرة الأهواء والشهوات عليه يصعب عليه أن يجيب إجابة حقيقية لنداء الخليل عليه السلام أي أن يكون موحداً نظرياً وعملياً.

التوحيد النظري والعملي.

التوحيد النظري هو إيمان بأنّ الله تعالى، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، بينما يراد من التوحيد العملي الإطاعة المطلقة والتامة للموحد، فلا يستعلي ولا يستكبر بل يُسلَِّم بأوامر الحق ويجيب إجابة تامة .

التلبية هي الطاعة المطلقة.

التلبية معناها الإجابة المؤكدة فمن نودي من شخص وأجاب بالتلبية فإجابته بالتلبية معناها الطاعة المطلقة دون سؤال واستفسار عن الداعي، أي أنّ الإجابة تتضمن عمقاً مضمونياً فهي إجابة دون سؤال عن الغاية والهدف من الأمر.

التلبية تسليم للمطلق.

إنّ الله تعالى عبّدنا بأوامر، فأمرنا بالصلاة والزكاة وسائر العبادات والطاعات غير أنّ الكثير من العبادات يعي الممتثل بعض مصالحها والحكم المترتبة عليها، فمن يصلي يعلم بأنّ الهدف من الصلاة هو الخضوع للحق تعالى بالسجود والركوع له تعالى، ومن عرف عظمة الحق تواضع له وسلم تسليماً، فالمرء يُسلِّم إذا عرف الغاية وأدرك الهدف غير أنه لا يُسلِّم إذا كان لا يعرف وإنْ كان عدم معرفته يبتني على معرفة غير أنه يصعب عليه التسليم بما لا يعرف الحكمة منه مباشرة، فمن عرف بحكمة حكيم فلن يطيعه في جميع أوامره دون معرفة بالحِكَم المترتبة عليها أما إذا بيّن الحكيم بعضاً من المصالح و أوضح الحكمة فسوف يمتثل أمره.

الغاية من الحج.

إنّ غاية الحج وحكمته أن يطيع الحاج طاعةً عملية وذلك بنحوين:

الأول: الطاعة للنسك المعروفة المقاصد الواضحة الأهداف.

الثاني: الطاعة العملية لبعض النسك التي لا يعي منها المقاصد.

كيفية الطاعة العملية.

الطاعة العملية تتجلى بوضوح في بعض النسك التي لا يعي منها الناسك المقاصد، ولا يعلم حكمتها وإنْ كان يعلم أنّ لها حِكَم تترتب عليها غير أنه لا يعرف تلكم الحكم ولا يعي تلك المقاصد.

مظاهر الطاعة العملية.

تتضح الطاعة العملية من خلال ما يُشاهد من طاعة الجنود لقادتهم العسكريين دون إيضاح لأهداف القادة، لأنّ أهدافهم في بعض الأحايين سرية وعلى الجندي أن يطيع بطاعة مطلقة ليصل القائد إلى الغايات والمقاصد. والشريعة كذلك، بعض أوامرها لا يعي المتعبد الحكم والأسرار لها، والله تعالى تعبد الإنسان ببعض الأوامر كالصلاة التي يعي الحكم والمصالح المترتبة عليها وتعبد عقل العابد ببعض الطاعات التي لا يعي العقل أسرارها والحكم والمقاصد المترتبة عليها، وهذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(الأحزاب:36)، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وآله بأمر لا يخطئ أمره فيقال له يا رسول الله الصواب أن تأمر بغيره، إنّ بعض المسلمين أشكل على النبي صلى الله عليه وآله عندما أبرم صلح الحديبية، فقال يا رسول الله وهل نعطي الدنية في ديننا، وهل هذا إلاّ الذل.

محدودية العقل البشري.

إنّ عقل الإنسان لمحدودية معرفته للمسائل لا يعي بعض الحيثيات فلا يسلم بها، والله تعالى يريد منه أن يخضع طائعاً ومتواضعاً عابداً في عمله وبعقله ووجدانه بجوارحه وجوانحه وكل وجوده، كما خضع الخليل عليه السلام عندما أمر بذبح ابنه، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(الصافات:103)، وهذا هو المعنى الحقيقي للإسلام، فالإسلام معناه الظاهري التشهد بالشهادتين وهو الإطار القانوني ويشمل جميع المسلمين، فمن تشهد بالشهادتين له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فيَحرُم ماله ودمه وعرضه، وهناك معنى حقيقي للإسلام هو الاستسلام والخضوع لله تعالى، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الأنعام: 162-163)، فمن لم يعِ المقاصد لا يسوغ له أن يشكل كما أُشكل على النبي صلى الله عليه وآله.

الاعتراض على الأحكام.

إنّ بعض الناس قد يمتلك ثقافة ناقصة ومعرفة غير تامة فيُشكل على بعض الأحكام كما أُشكل على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كما ورد أنه عليه السلام قال لبعض العباد: ‹‹لا تسرف في الماء››، فقال للإمام عليه السلام: أتنهاني عن الإسراف في الماء وتسرف في الدماء، فهذا الشخص لم يَعِ مقام العصمة، ومقام الولاية الربانية من الحق تعالى، وقد يتكرر ذلك عند خروج المهدي عليه السلام، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، فبعض من يدعي العلم يشكل على الإمام المهدي عليه السلام في تصرفه فيقول يا بن رسول الله: إنك أخطأت دون وعي لمقام الإمامة بخلاف من أذعن للحق وتواضع له كالمقداد فإنه أجاب النبي صلى الله عليه وآله قائلا: يا رسول الله لا نقول لك كما قالت اليهود لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله لو خضت بنا لجج هذا البحر لخضناه معك، فالمقداد لا يعي حكمة طلب خوض البحر منه غير أنه يسلم تسليماً، ليقينه التام وعلمه بركائز الأمر الإلهي .

التشريع قائم على المصلحة والمفسدة.

إن الله تعالى لا يأمر إلاّ بما فيه الخير، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد فأمره تترتب عليه مصالح قد لا يعيها المجاهد، والحاج مجاهد في أدائه لنسكه، فيؤديها دون علم بالأسرار والحكم الخفية المترتبة عليها فيصعب على العقل أن يصل إلى الكنه والحكمة منها، نعم قد يدرك بعض الحكم دون الأسرار الخفية فمن يرمي الجمرة بسبع حصيات قد لا يعي حكمة الرمي، إنّ الحكمة من رمي الخليل هي تجلي الشيطان له فرماه بسبع حصيات غير أنّ الحكمة خفية في رمي الحاج للجمار، وكذا في سعيه بين الصفا والمروة، وأمر الله تعالى للخليل عليه السلام ، {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا}(الحج:27)، فهذا أمر يراد به العبودية المطلقة فالله تعالى يعبد سلوكياً وجوارحياً وجوانحياً وإنْ لم يفقه العابد حكم وأسرار الأوامر، غير أنّ عليه أن يذعن للحق ويسلم تسليماً فيصل بالتسليم والإذعان والانقياد التام للحق تعالى ويهُدى إلى الصراط المستقيم، و ذلك معنى قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}(الفاتحة:6).

المؤمن بين التوحيد النظري والعملي.

إنّ الموحد يعي معادلات التوحيد النظري، ويفهم أنّ الكون خلقه الله تعالى وإليه يرجع، غير أنّ التوحيد العملي هو الذي عليه المدار في تكامل الإنسان ورقيه ووصوله إلى درجات العلى و يحتاج إلى الإذعان والتسليم، والإجابة للنداء الإبراهيمي تتضمن التسليم والطاعة المطلقة للحق تعالى، لذا ترتب على الحج آثار وثمرات لا يعلم بها إلاّ الله تعالى

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لأداء مناسكه والقرب منه تعالى والسير على هدي محمد وآله، وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.

http://www.ahlolbayt.net


more post like this